Lebanese girls mourn during the funeral procession of two children Sufian Mohammed 2½-year-old and Mohammed Nazir two-year-old,…
طفلتان تبكيان خلال تشييع عدد من الأفراد الذين توفوا خلال محاولة الهجرة عبر البحر إلى أوروبا

طالما وُجّهت للتحليلات اللبنانية التي نكتبها تهمة "التشاؤم".

كثيرون يريدون أن نركّز على "فسحة الأمل". أن نرشدهم إلى "آخر النفق". أن نجترح معجزة تُشفي المريض الذي يحتضر.

سئم هؤلاء من توقّع الأسوأ. لم يعودوا يريدون من يندب لهم في مأتهم الذي لا ينتهي. هم يهربون إلى "التنكيت" على وقائعهم السوداء، ليلقوا عليها، بسخريتهم وبضحكاتهم، ألوانا وردية.

ونحن مثلهم أيضا.

ملّت أقلامُنا البؤس، وأرهق عقولنا وأتعب نفسياتنا.

نلهث وراء بشارة لننقلها، فلا نجدها. ننتظر في الباحة الخارجية لغرفة العناية الفائقة، فيخرج الأطباء إلينا مكفهرّي الوجوه. نذهب إلى "صانع قرار" متفائلين فنترك دارته مُحبَطين.

دائما، ثمة لون أسود يضاف على السواد الكالح. دائما، الحقيقة المرّة تغلب كل السكّر الذي نلبّسها إياه

لم نترك تحركا اعتراضيا إلا ودعمناه. لم نترك انتفاضة شعبية إلا وناصرناها. لم نترك مبادرة دولية إلا وبنينا عليها الآمال.

وضعنا انتقاداتنا جانبا. أهملنا الزوايا المظلمة. تغاضينا عن نقاط الضعف.

ولكنّنا، عبثا نسعى!

دائما، ثمة لون أسود يضاف على السواد الكالح. دائما، الحقيقة المرّة تغلب كل السكّر الذي نلبّسها إياه.

ماذا نفعل، إذا كان الواقع مكفهرا فيما التمنيات مشرقة؟

هل مسؤولية الكاتب والمحلل والصحفي أن يجمّلوا القباحة، أم أن يعكسوها بأمانة؟ هل هم من يصنعون القدر الوطني أم أنهم يتفاعلون معه، فيكشفوه هنا وينتقدوه هناك ويقاوموه هنالك؟

هل مهمة الكاتب والمحلل والصحفي أن يُرضوا آمال القرّاء، أم أن يقدّموا لهم الوقائع ليتفاعلوا هم معها، فيثوروا إن أحزنتهم، ويكافئوا إن أرضتهم، ويعاقبوا إن أمكنهم؟

هل حملة القلم هؤلاء هم مَن يستقوون على الدولة بالسلاح؟ هل هم من ينسفون المبادرات بالتعطيل؟ هل هم من يتّخذون القرارات السياسية؟ هل هم من يرفعون سقف المواجهة؟ هل هم من يسيئون لعلاقات لبنان العربية والدولية؟ هل هم من يطالبون بكلمة عليا في النظام؟ هل هم من يفرغون خزينة الدولة من المال؟ هل هم من ينفقون ودائع الناس المصرفية ويرفضون أن يعيدوها إليهم؟ هل هم من فجّروا مرفأ بيروت، مرة وحرقوه، مرة ثانية، وأشعلوا مخزن أسلحة "حزب الله" في بلدة عين قانا؟ هل هم من طلبوا من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن يراهن على الشياطين لصناعة الفردوس الجديد؟ هم من يفرّغون الحكومة العتيدة، قبل أن تولد، من عوامل الجذب الضرورية لتفقد المبادرة الفرنسية، حتى لو نجحت شكلا، من قدرة جذب الأموال الإنقاذية؟ هل هم من يتلهون باحتفالات حاشدة لإعلان الانتصار الوهمي على انتشار "كورونا فيروس" بدل تجهيز ما يلزم لمواجهة "الخلايا النائمة"؟ هل هم من يصنعون "قوارب الموت" لتنقل المواطنين اليائسين إلى ضفاف جديدة؟ هل هم من يوزعون الوعود في الانتخابات النيابية ويتراجعون عنها في مساراتهم السياسية؟

لا، ليس حملة القلم هم المتشائمون، بل الواقع المتروك على غاربه هو الشؤم بنفسه.

في زعم التفاؤل

ومع ذلك، تعالوا نخضع لتهويل صفة "متشائم" ونمارس، ولو من باب المِران، صفة "المتفائل".

إذا تصنّعنا التفاؤل، نكتب:

• حققت المبادرة الفرنسية نجاحا منقطع النظير، فهي لقيت دعما كبيرا من إيران والولايات المتحدة الأميركية ودول الخليج.

• الجميع بانتظار تشكيل الحكومة الجديدة ليضخوا لبنان بما يحتاجه من أموال.

• تأثّر "حزب الله" بانفتاح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على "جناحه السياسي" فقرّر أن "يقصقص" جناحه العسكري، ويضعه على طاولة حوار وطني، حيث سيتم قريبا رسم "استراتيجية دفاعية" تعيد للحكومة اللبنانية ولمؤسساتها الكلمة العليا في شؤون الحرب والسلم.

• سوف ينكب جميع اللاعبين السياسيين، في ضوء هذه التطورات، على إعادة صياغة النظام اللبناني، بعيدا من لعبة المحاصصة الطائفية، واستقواء طرف على آخر، بالسلاح هنا، وبالأجندات الإقليمية، هناك.

• سوف تضع الحكومة اللبنانية والمصارف خطة عمل مشتركة تُحرّر ودائع اللبنانيين، وتُعيد عوامل الجذب إلى القطاع المصرفي، بعد الأزمة "العابرة" التي عصفت به.

لا، ليس حملة القلم هم المتشائمون، بل الواقع المتروك على غاربه هو الشؤم بنفسه

• سوف تعقد "المجموعة الدولية لدعم لبنان" اجتماعا تحيّي فيه تنفيذ لبنان للقرارات الدولية، وتضع آلية لتشجيع الاستثمار المستدام في لبنان.

• سوف يتوحّد اللبنانيون في تحديد المشاكل التي يواجهونها مع إسرائيل، ويرفعونها إلى الأمم المتحدة، من أجل أن تعمل على إيجاد الحلول التي تسمح بالتطبيق الكامل للقرار 1701.

• سوف تسمح هذه التطورات بوقف حركة الهجرة الكثيفة، وتهيّء الأرضية لعودة المغتربين مع ثرواتهم إلى لبنان.

• سوف يوضع قانون انتخاب جديد يسمح بتمثيل جميع شرائح اللبنانيين ويضع حدّا لتأثير السلاح هنا والمال هناك والمذهبية هنالك، الأمر الذي يعيد المجلس النيابي إلى لعب دور فعّال في استيلاد سلطات ومؤسسات فعّالة، حيث "الثواب والعقاب".

• سوف نتّجه إلى الجنّة بعدما أقفلنا الطريق المؤدي إلى "جهنّم".

نعم، جميل التفاؤل!

لكن، الكذب بشع!

ونحن، في بلاد، إذا تفاءلنا فيها نكون مجرد كاذبين، وإن تشاءمنا نكون... صادقين!

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.