طالما وُجّهت للتحليلات اللبنانية التي نكتبها تهمة "التشاؤم".
كثيرون يريدون أن نركّز على "فسحة الأمل". أن نرشدهم إلى "آخر النفق". أن نجترح معجزة تُشفي المريض الذي يحتضر.
سئم هؤلاء من توقّع الأسوأ. لم يعودوا يريدون من يندب لهم في مأتهم الذي لا ينتهي. هم يهربون إلى "التنكيت" على وقائعهم السوداء، ليلقوا عليها، بسخريتهم وبضحكاتهم، ألوانا وردية.
ونحن مثلهم أيضا.
ملّت أقلامُنا البؤس، وأرهق عقولنا وأتعب نفسياتنا.
نلهث وراء بشارة لننقلها، فلا نجدها. ننتظر في الباحة الخارجية لغرفة العناية الفائقة، فيخرج الأطباء إلينا مكفهرّي الوجوه. نذهب إلى "صانع قرار" متفائلين فنترك دارته مُحبَطين.
دائما، ثمة لون أسود يضاف على السواد الكالح. دائما، الحقيقة المرّة تغلب كل السكّر الذي نلبّسها إياه
لم نترك تحركا اعتراضيا إلا ودعمناه. لم نترك انتفاضة شعبية إلا وناصرناها. لم نترك مبادرة دولية إلا وبنينا عليها الآمال.
وضعنا انتقاداتنا جانبا. أهملنا الزوايا المظلمة. تغاضينا عن نقاط الضعف.
ولكنّنا، عبثا نسعى!
دائما، ثمة لون أسود يضاف على السواد الكالح. دائما، الحقيقة المرّة تغلب كل السكّر الذي نلبّسها إياه.
ماذا نفعل، إذا كان الواقع مكفهرا فيما التمنيات مشرقة؟
هل مسؤولية الكاتب والمحلل والصحفي أن يجمّلوا القباحة، أم أن يعكسوها بأمانة؟ هل هم من يصنعون القدر الوطني أم أنهم يتفاعلون معه، فيكشفوه هنا وينتقدوه هناك ويقاوموه هنالك؟
هل مهمة الكاتب والمحلل والصحفي أن يُرضوا آمال القرّاء، أم أن يقدّموا لهم الوقائع ليتفاعلوا هم معها، فيثوروا إن أحزنتهم، ويكافئوا إن أرضتهم، ويعاقبوا إن أمكنهم؟
هل حملة القلم هؤلاء هم مَن يستقوون على الدولة بالسلاح؟ هل هم من ينسفون المبادرات بالتعطيل؟ هل هم من يتّخذون القرارات السياسية؟ هل هم من يرفعون سقف المواجهة؟ هل هم من يسيئون لعلاقات لبنان العربية والدولية؟ هل هم من يطالبون بكلمة عليا في النظام؟ هل هم من يفرغون خزينة الدولة من المال؟ هل هم من ينفقون ودائع الناس المصرفية ويرفضون أن يعيدوها إليهم؟ هل هم من فجّروا مرفأ بيروت، مرة وحرقوه، مرة ثانية، وأشعلوا مخزن أسلحة "حزب الله" في بلدة عين قانا؟ هل هم من طلبوا من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن يراهن على الشياطين لصناعة الفردوس الجديد؟ هم من يفرّغون الحكومة العتيدة، قبل أن تولد، من عوامل الجذب الضرورية لتفقد المبادرة الفرنسية، حتى لو نجحت شكلا، من قدرة جذب الأموال الإنقاذية؟ هل هم من يتلهون باحتفالات حاشدة لإعلان الانتصار الوهمي على انتشار "كورونا فيروس" بدل تجهيز ما يلزم لمواجهة "الخلايا النائمة"؟ هل هم من يصنعون "قوارب الموت" لتنقل المواطنين اليائسين إلى ضفاف جديدة؟ هل هم من يوزعون الوعود في الانتخابات النيابية ويتراجعون عنها في مساراتهم السياسية؟
لا، ليس حملة القلم هم المتشائمون، بل الواقع المتروك على غاربه هو الشؤم بنفسه.
في زعم التفاؤل
ومع ذلك، تعالوا نخضع لتهويل صفة "متشائم" ونمارس، ولو من باب المِران، صفة "المتفائل".
إذا تصنّعنا التفاؤل، نكتب:
• حققت المبادرة الفرنسية نجاحا منقطع النظير، فهي لقيت دعما كبيرا من إيران والولايات المتحدة الأميركية ودول الخليج.
• الجميع بانتظار تشكيل الحكومة الجديدة ليضخوا لبنان بما يحتاجه من أموال.
• تأثّر "حزب الله" بانفتاح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على "جناحه السياسي" فقرّر أن "يقصقص" جناحه العسكري، ويضعه على طاولة حوار وطني، حيث سيتم قريبا رسم "استراتيجية دفاعية" تعيد للحكومة اللبنانية ولمؤسساتها الكلمة العليا في شؤون الحرب والسلم.
• سوف ينكب جميع اللاعبين السياسيين، في ضوء هذه التطورات، على إعادة صياغة النظام اللبناني، بعيدا من لعبة المحاصصة الطائفية، واستقواء طرف على آخر، بالسلاح هنا، وبالأجندات الإقليمية، هناك.
• سوف تضع الحكومة اللبنانية والمصارف خطة عمل مشتركة تُحرّر ودائع اللبنانيين، وتُعيد عوامل الجذب إلى القطاع المصرفي، بعد الأزمة "العابرة" التي عصفت به.
لا، ليس حملة القلم هم المتشائمون، بل الواقع المتروك على غاربه هو الشؤم بنفسه
• سوف تعقد "المجموعة الدولية لدعم لبنان" اجتماعا تحيّي فيه تنفيذ لبنان للقرارات الدولية، وتضع آلية لتشجيع الاستثمار المستدام في لبنان.
• سوف يتوحّد اللبنانيون في تحديد المشاكل التي يواجهونها مع إسرائيل، ويرفعونها إلى الأمم المتحدة، من أجل أن تعمل على إيجاد الحلول التي تسمح بالتطبيق الكامل للقرار 1701.
• سوف تسمح هذه التطورات بوقف حركة الهجرة الكثيفة، وتهيّء الأرضية لعودة المغتربين مع ثرواتهم إلى لبنان.
• سوف يوضع قانون انتخاب جديد يسمح بتمثيل جميع شرائح اللبنانيين ويضع حدّا لتأثير السلاح هنا والمال هناك والمذهبية هنالك، الأمر الذي يعيد المجلس النيابي إلى لعب دور فعّال في استيلاد سلطات ومؤسسات فعّالة، حيث "الثواب والعقاب".
• سوف نتّجه إلى الجنّة بعدما أقفلنا الطريق المؤدي إلى "جهنّم".
نعم، جميل التفاؤل!
لكن، الكذب بشع!
ونحن، في بلاد، إذا تفاءلنا فيها نكون مجرد كاذبين، وإن تشاءمنا نكون... صادقين!

