Motorists pass by a Popular Mobilization poster in Baghdad, Iraq, Friday, June 26, 2020. Iraqi security forces arrested over a…
لافتة دعائية للحشد الشعبي في بغداد

يميل زعماؤنا السياسيون إلى المهاترات السياسية، على عكس السياسيين في المعمورة الذين يدرسون المشاكل لتفاديها بأقل السبل وإثارة للشقاق. أما الزعماء عندنا فيتسلون بالمشاكل والغوص فيها وبإدامة الأزمات، لا بل أدمنوا عليها. 

يصف أستاذنا الراحل، عالم الاجتماع فالح عبد الجبار، السياسي عندنا عموما، وصاحب القرار خصوصا، يصفه بأنه يتسلى بالغوص في المشاكل، بل بات إنتاج المشاكل بالجملة أو بالتتابع لديه فولكلورا. هكذا هو طيف صدام حسين، من مجابهة إلى أخرى، من سعي لتدمير هذا إلى تدمير ذاك، ومن حرب إلى أخرى، لكأنَّ العنف بات نوعا من الإدمان، كوكايين الحياة، أو هيرويين العيش.

يمكن وصف المهاترات السياسية باعتبارها أنموذجا لشعبوية خطاب الطبقة السياسية، فهذه الطبقة تسوق نفسها على أنها ـ وهي دون غيرها من بقية الجماهير ـ تملك الحنكة والخبرة والدراية في معرفة دهاليز السياسة، وما يخطط له الأعداء من مؤامرات. ولذلك، تجدها تقاتل على أكثر من جبهة، تارة تجدها تهاجم خصوها من السياسيين، وأخرى تجدها تهاجم دولا من الجوار الإقليمي أو دولا كبرى باعتبارها تملك مشروعا يستهدف العراق وشعبه. ويتم تسويق ذلك في خطاب سياسي مشحون بالعبارات الطائفية والقومية ضد الآخر الشريك بالوطن وتخوينه.

لا تبنى ولا تعمر الأوطان بوجود زعامات تتناحر فيما بينها في وسائل الإعلام، وتجلس على طاولة واحدة عندما يحين موعد تقاسم المناصب والحصص في مؤسسات الدولة

وتتعالى أصوات زعماء المهاترات السياسية في مواسم الانتخابات، وتكون البوصلة مفقودة بشأن التمايز بين الحلفاء والأعداء، إذ نعيش أجواء حربا باردة حتى بين القوى السياسية التي تدعي أنها تمثل مكوّنا أو طائفة. ولا يكاد يخلو حديثهم عن المتآمرين الذين أفشلوا مشاريعهم السياسية التي كان هدفها بناء دولة! وعن المنجزات والعمل بظروف صعبة وتحديات أمنية وسياسية لم تواجهها أي دولة أخرى في العالم! ويبدو أنهم لم يقرؤوا عن صدارة العراق لتصنيفات الدول الأكثر فشلا وفسادا، وإن الكثير من مدنه غير صالحة أو غير آمنة للعيش فيها.

قبيل فترة الانتخابات يقدم الزعماء أنفسهم بعناوين حُماة الطائفة أو المذهب أو القومية، ويكون هناك ما يشبه الاتفاق الضمني لتحشيد الجمهور واستغلاله من خلال المهاترات، وما إن تنتهي الانتخابات تجدهم يجلسون على طاولة واحدة للتفاوض بشأن تقاسم المناصب الحكومية. وهذا اللعبة يكون الجمهور شريكا فيها لأنها تتكرر في كل دورة انتخابية ولكنه لا يعاقب اللاعبين فيها على محاولتهم التلاعب فيه.

تمثّل المهاترات السياسية أنموذجا لخطاب سياسي مأزوم بالشخصنة، وتعبر عن محاولة اختزال الوطن والدولة بمزاج الأشخاص الذين تحولوا بفضل وصولوهم إلى السلطة أو عناوينهم الرمزية إلى قادة في بلد يعشق فيه الجمهور الزعامات والذوبان في أوصافهم ومقولاتهم من دون تقييم أفعالهم. ولذلك تكون أغلب مواضيع المهاترات السياسية محاولة استغفال الجمهور من خلال تشتيت أنظار الرأي العام بسجالات سياسية استعراضية عن القضايا الرئيسة والمصيرية التي تتعلق بحياة المواطن، وهنا يتبادل الزعماء الأدوار وحاشيتهم من الأتباع والانتهازيين في الترويج لمثل تلك المهاترات.

ويتحول الخطاب السياسي إلى نوع من المهاترات عندما يفتقد إلى المرجعية أو المبادئ السياسية والقانونية التي يُحتَكَم إليها في حلحلة الخلافات والنزاعات. ولذلك تجد الخلافات بين حكومة إقليم كردستان والحكومة الاتحادية، والخلافات بشأن الموازنة وإدارة الموارد، وتعيين القيادات العليا في الدولة، وأي محاولة لفرض هيبة الدولة وسيادة أحكام القانون...إلخ كلها تتحول مناسبة إلى خطابات وعنتريات غايتها تقزيم الدولة.

وفي مجتمعاتنا التي تعاني من التضخم المفرط بالسجالات السياسية، وغياب الدولة ومؤسساتها عن ممارسة السياسي، تكون المهاترات وسيلة لتضليل الجماهير والتعمية على الحقائق وتسويق الخلافات السياسية على أنها تعبر عن قضايا مصيرية لحقوق المكونات والطوائف والقوميات، ويتحول زعماء الأحزاب وتابعيهم إلى ضيوف دائمين في البرامج التلفزيون الحوارية.

عندما يتخلى البرلمانيون عن وظيفتهم بالرقابة والتشريع ويتحولون إلى ضيوف دائمين في البرامج الحوارية في الفضائيات، ويعبرون فيها عن قناعات زعمائهم، وتكون خلافاتهم عن توزيع الحصص في المناصب العليا، فهذا النموذج من المهاترات السياسية لا يوجد إلا في بلد مثل العراق.

عندما تكون المنظومة السياسية محكومة وفق رؤية المغانم فلا يمكن التعويل على هذه المنظومة أن تسلم قيادة البلد إلى من يملك مشروعا حقيقيا لبناء الدولة

وكل زعيم من زعماء المهاترات يريد أن يخبرنا بأنه يملك القدرة على حل جميع الأزمات في العراق، لكن المشكلة في الآخرين الذين يعرقلون مسيرته! وبالنتيجة أصبحت المهاترات السياسية واحدة من أهم معوقات وجود زعامة سياسية تؤهلها إلى أن تكون كاريزما وطنية. ولذلك لم تترك المهاترات رمزية وطنية إلا وحولتها إلى مصدر للجدل وحتى التسقيط السياسي؛ لأنها لا تؤدي إلا وظيفة واحدة فقط وهي تفرقة المجتمع وتمزيقه أو الإبقاء عليه ممزقا بكانتونات طائفية وقومية وحزبية.

والمهاترات السياسية تعبر عن نوع من الانفصام بين الزعامات والجمهور، باستثناء جمهور الأحزاب السياسية، وإن أغلب الخطابات يمكن وصفها بأنها عبارة عن توهم بوجود معركة بين الحق والباطل يقودها زعماء الأحزاب، وإن القدر قد اختارهم ليقودوا هذه المعارك التي تعبر عن شعارات وأيديولوجيات لا علاقة لها بمعاناة المواطن ومتطلباته معيشته، لذلك تجدهم يرفعون شعار المقاومة وهم بيدهم مقاليد السلطة والحكم!

لا تبنى ولا تعمر الأوطان بوجود زعامات تتناحر فيما بينها في وسائل الإعلام، وتجلس على طاولة واحدة عندما يحين موعد تقاسم المناصب والحصص في مؤسسات الدولة. وعندما تكون المنظومة السياسية محكومة وفق رؤية المغانم فلا يمكن التعويل على هذه المنظومة أن تسلم قيادة البلد إلى من يملك مشروعا حقيقيا لبناء الدولة، لأنهم يدركون تماما أن وجود الدولة لا يمكن أن يجمع المتناقضات بين مصالح مافيات حزبية وسلطوية وبين تحكيم القانون في إدارة أمور المجتمع.

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.