German Chancellor Angela Merkel leaves after a statement about latest developments in the case of Russian opposition leader…
تتعرض سياسة ميركل المتأرجحة تجاه بوتين إلى ضغوط داخلية

مرة جديدة تعود برلين لتكون مسرحا لأحداث روسية داخلية على خلفية محاولة تسميم المعارض الروسي ألكسي نافالني ونقله إلى برلين للعلاج، حيث نجح الأطباء الألمان في إنقاذ حياته في ثاني حادثة تسمم يتعرض لها، ولكن اختيار نقل نافالني إلى برلين وتدخل حكومة المستشارة ميركل بشكل مباشر وضاغط في هذه القضية يعيد الذاكرة السياسية الأوروبية إلى أكثر من محطة مفصلية في تاريخ روسيا السياسي، أدت إلى تحولات كبرى في روسيا وأوروبا والعالم.

ففي الذاكرة الأوروبية لا تزال علامات الاستفهام الكبيرة والتساؤلات حول القطار الذي نقل زعيم الثورة البلشفية فلاديمير لينين ورفاقه من سويسرا إلى الحدود الروسية عبر ألمانيا التي توقف فيها، ومن ثم السويد حتى فنلندا التي عبر منها إلى بيترغراد. وبعد أكثر من قرن على العبور الغامض للقطار، أو كما أسماه المؤلف مايكل بيرسون "القطار المغلق"، لم يزل الجدل مستمرا بين المؤرخين وبين أنصار وخصوم الثورة البلشفية حول علاقة أجهزة الدولة الألمانية والتوقيت الذي اختير لحركة القطار ومناطق عبوره وركابه، وفي كيفية تسهيل وصول لينين إلى روسيا، حيث لا يستبعد بعض المؤرخين أن أهدافا سياسية واستراتيجية مرتبطة بالصراعات الأوروبية وأعباء الحرب العالمية الأولى ساهمت في تلاقي المصالح الألمانية مع لينين ورفاقه، وهي عملية نقل لأفراد وصفها رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل بقوله "نقلت القيادة الألمانية السلاح الأكثر رعبا إلى روسيا".

ذاكرة فلاديمير بوتين، الذي يُتقن الألمانية، مليئة بالمحطات الألمانية السيئة

في أكتوبر 1989 عادت ألمانيا لتكون حدثا روسيا داخليا، حيث كشفت بعض الوثائق السوفياتية التي أفرج عنها بعد سقوط النظام الشيوعي أنه في هذا الشهر  أبرق  الكولونيل في الاستخبارات الخارجية الروسية فلاديمير بوتين، العامل في برلين الشرقية، إلى قيادته في موسكو بضرورة التحرك لإنقاذ الموقف تجنبا لحصول الأسوأ، وفي تلك اللحظة كان الأسوأ لبوتين مشهد التسلق الألماني لجدار برلين إيذانا بسقوط معسكر الشرقي الذي انتهى بسقوط الاتحاد السوفياتي.

في ذلك التاريخ خيبت القيادة السوفياتية أمل الكولونيل بوتين ولم تستجيب لطلبه، لكنه حفظ المشهد لعقود في ذاكرته، واعتبر عندما أصبح حاكما لروسيا أن سقوط جدار برلين هو ثاني أسوأ لحظة في تاريخ روسيا السياسي والاستراتيجي بعد سقوط الاتحاد السوفياتي.

مما لا شك فيه أن ذاكرة فلاديمير بوتين، الذي يُتقن الألمانية، مليئة بالمحطات الألمانية السيئة. فقد نشأ بوتين استخباراتيا ضمن المجموعة المتشددة التي كانت تحاول الحفاظ على الاتحاد السوفياتي، هذه المجموعة حاولت إقناع المستشار الألماني الأسبق هلموت كول بأهمية الحفاظ على الاتحاد السوفياتي الصديق من أجل إبقاء التوازن بين ضفتي الأطلسي. 

حينها، كانت أبرز التقاطعات بين القيادة السوفياتية وحكومة المستشار هلموت كول هي ضرورة الاتفاق على موقع ألمانيا السياسي والاستراتيجي بعد الوحدة وعلاقتها بالناتو والاتحاد الأوروبي. وقد حاول السوفيات حينها مقايضة كول بين مساعدته في فرض شروطه على واشنطن وبروكسل، مقابل أن تحصل موسكو على قرض بقيمة 4 مليار مارك من أجل إنقاذ الميزانية السوفياتية، لكن الألمان امتنعوا تحت الضغوط الأميركية حيث تمكنت واشنطن من فرض شروطها الاستراتيجية على اتفاقية توحيد ألمانيا.

تتعرض سياسة ميركل المتأرجحة تجاه بوتين إلى ضغوط داخلية خصوصا من داخل حزبها والرأي العام الألماني الذي يطالب بوقف تعاون ألمانيا مع روسيا في مشروع "السيل الشمالي 2"

على الأرجح أن خيار نقل المعارض الروسي نافالني إلى برلين وتمكن الأطباء الألمان من إنقاذه وضع العلاقة الألمانية الروسية على المحك، وتحولت برلين من جديد إلى لاعب داخلي في روسيا، وقد تسببت بأزمة في العلاقات الألمانية ـ الروسية والأوربية ـ الروسية، كما أنها قد تضع حدا للسياسات المرنة التي تمارسها حكومة المستشارة ميركل مع الكرملين، حيث تتعرض سياسة ميركل المتأرجحة تجاه بوتين إلى ضغوط داخلية خصوصا من داخل حزبها والرأي العام الألماني الذي يطالب بوقف تعاون ألمانيا مع روسيا في مشروع "السيل الشمالي 2"، وهو ما تطرق إليه رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الألماني ومنافس ميركل على زعامة الحزب نوربرت رويتغن أن هذه "الطقوس الدبلوماسية لم تعد كافية"، وبعد تسميم نافالني، نحتاج إلى رد أوروبي قوي يفهمه بوتين: يجب أن يقرر الاتحاد الأوروبي بشكل مشترك وقف نورد ستريم 2".

منذ أيام أعلن ألكسي نافالني أنه سيعود إلى موسكو، بعد أن أدت محاولة اغتياله إلى جعله رقما صعبا في المعادلة الداخلية الروسية، أكثر شجاعة على الاستمرار في استراتيجية المعارضة التي تحولت إلى أمر واقع لا يمكن للكرملين تجاوزها مهما كان حجمها. فبالنسبة إلى نافالني ورفاقه أن المواهب التي يتمتع بها رجال "الكي جي بي" السابقين في تصفية الخصوم في الداخل أو الخارج تعرضت لنكسة قوية ستمنحهم مزيدا من أوراق القوة والحصانة.

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.