Sudanese women gather during a demonstration to commemorate the first anniversary of a deadly crackdown carried out by security…
الموجة الثانية من الربيع العربي شملت لبنان والعراق والجزائر والسودان

عنوان هذا المقال، مستوحى بتصرف، من عنوان كتاب صدر في العام 2008 عن مركز القدس للدراسات السياسية في عمان، وكان بمثابة توثيق لوقائع مؤتمر إقليمي بحث في طوفان الانتخابات العامة، من بلدية وبرلمانية ورئاسية، الذي اجتاح العالم العربي في العقد الأول من الألفية الثالثة... يومها تكشفت مداولات المؤتمر عن مفارقتين كبريين: الأولى: كثرة كاثرة من الانتخابات العامة من جهة، وتعثر وصل حد انسداد مسارات الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي من جهة ثانية، لكأن الوظيفة التي وضعها صناع القرار للاستحقاقات الانتخابية كانت تنحصر في تأبيد الاستبداد وتجميله وإعادة إنتاجه... أما المفارقة الثانية، التي تنبأ بها المؤتمرون، وتجلت بعد عامين اثنين فقط مع اندلاع الموجة الأولى من ثورات "الربيع العربي" وانتفاضاته.

لا شيء جوهريا تغير حتى الآن، على الرغم من انقضاء عقد كامل على اندلاع شرارات "الربيع العربي" شهد خلالها دول المجموعة العربية تنظيم العشرات من الانتخابات العامة... الأردن ومصر، تتجهان في توقيت متزامن، لإجراء انتخابات تشريعية خريف العام الجاري، وسط حالة من "اللامبالاة" تهيمن على جمهور الناخبين والمواطنين، وتوقعات "سوداء"، بأن الحال صبيحة اليوم التالي للاستحقاق، لن يكون مغايرا لما كان عليه قبله... انتخابات تجري بانتظام، وجوه تتغير وأسماء تتبدل، لكن "واقع الحال مقيم".

يدفعنا ذلك للتأمل في حال الانتخابات في العالم العربي، حيث يمكن تقسيم دوله، إلى ثلاث مجموعات رئيسة من حيث نزاهة الانتخابات وتوفر متطلباتها، والأثر المترتب عليها لجهة تغيير وتبديل الطبقة السياسية ورسم اتجاهات جديدة في السياستين الداخلية والخارجية، وسنرى أن هذه التقسيمات، تتخطى انقسام الدول العربية إلى ملكية وجمهورية، فثمة ملكيات تتوفر على هوامش حرية وتعددية وديمقراطية أكبر بكثير مما لدى بعض الجمهوريات، وثمة جمهوريات أكثر إفراطا في القمع والاستبداد، من ملكيات سلالية:

ليس لدى شعوبنا ومجتمعاتنا ما تخسره سوى قيودها وأغلالها، فقرها وبطالتها، وتربح من ورائها مستقبلا بأسره

المجموعة الأولى؛ دول لم تعرف الانتخابات أصلا، وتضم عددا متناقصا من الدول العربية، لم يبق منها سوى السعودية والإمارات وقطر، هذه الدول ما زالت تقترب بحذر من فكرة الانتخابات العامة، وهي وإن قررت تنظيم انتخابات بلدية وقروية، بيد أنها لا تتوفر على برلمانات أو مجالس شورية منتخبة بالكامل، بصلاحيات رقابية وتشريعية، ومن باب أولى، فهي لا تعترف حتى الآن، بمفهوم الحزب أو الجمعية السياسية، ولا تقر بوجود تعددية حزبية ـ فكرية، وتفضل نظام "البيعة والولاء" على مفهوم الاقتراع والتمثيل، ومفهوم "الرعية" على مفهوم "المواطنة"، ومفهوم "ولي الأمر" على مفهوم "العقد الاجتماعي"... مجالس الشوري في هذه الدول، معينة بالكامل، ومجالسها البلدية "تنتخب" بعناية فائقة، ووفقا لتصنيف يميز بين "مواطنة متوارثة" و"مواطنة بالتجنيس".

المجموعة الثانية؛ وتضم معظم الدول العربية، وفيها انتخابات برلمانية (وبلدية وأحيانا رئاسية)، غير حرة ونزيهة وشفافة، أو حرة نسبيا وجزئيا، لا تستوقف انتخاباتها أحدا، فالسلطة التشريعية مهمشة في الأصل، ولا موقع جوهريا لها في النظام السياسي القائم، والانتخابات لا تملي تشكيل حكومات برلمانية، فآليات تشكيل الحكومات فيها، منفصلة عن نتائج الانتخابات ولا تتأثر بها أو تتقرر في ضوء نتائجها... ثمة تفاوتات واسعة من بين هذه الدول، أكثرها تقدما المغرب، الذي يجري انتخابات ولديه برلمان قائم على التعددية الحزبية، وحكومات يشكلها حزب الأغلبية، لكن "الولاية العامة" و"الصلاحيات الأساسية" ما زالت تقع في مكان آخر، خارج البرلمان والحكومة، في القصر وما يتبعه من أجهزة وأذرع طويلة، كفيلة باستلاب الحكومة للكثير من صلاحياتها، ورسم سقوف خفيضة، لقدرتها على صنع السياسة واتخاذ القرار، لا سيما في القضايا الأمنية والدفاعية وفي السياسة الخارجية، وأحيانا في التوجهات الكبرى للسياسات الاقتصادية والمالية.

أما أكثر دول هذه المجموعة استبدادا، فربما تكون سوريا تحت حكم البعث والأسد (الأب والابن)، حيث تمر الاستحقاقات النيابية والبلدية والرئاسية، من دون اهتمام أو اكتراث، طالما أن نتائجها مُعدّة سلفا، وليس لها من أثر في تجديد وإعادة إنتاج الطبقة السياسية الحاكمة، أو التأثير على مجرى السياسات العامة، داخليا وخارجيا، أمنيا ودفاعيا، اقتصاديا واجتماعيا... وبين المغرب وسوريا، تتموضع دول عديدة، كالأردن ومصر والكويت وعمان والبحرين والجزائر والسودان واليمن (قبل الثورة، فبعدها لم تجر انتخابات.

المجموعة الثالثة؛ وتضم دولا تحظى انتخاباتها العامة، برلمانية ورئاسية باهتمام كبير، محلي وإقليمي ودولي، على الرغم من تردي كثير منها في مستنقعات لا قعر لها، من الفشل الاقتصادي والمالي والاقتصادي والأمني، وتضم هذه المجموعة عددا قليلا من الدول، لبنان والعراق وتونس، هنا تلعب الانتخابات دورا محوريا في إعادة "توزين" القوى السياسية والاجتماعية، وتتشكل الحكومات بناء على توافقات وتفاهمات بين القوى الفائزة في الانتخابات والمُشكلة للبرلمان... تختلف هذه الدول بعضها عن بعض، لبنان والعراق، يعتمدان نظام المحاصصة الطائفية وقوانين الانتخابات فيهما تسهر على تكريس التوازنات بين الطوائف المختلفة، في حين أن تونس، تتقدم دول هذه المجموعة لجهة اعتماد قواعد أكثر مدنية وديمقراطية لإدارة التعدد وتداول السلطة وتقاسمها.

ما زالت المنطقة العربية اليوم، كما كانت عليه قبل عقدين من الزمن: مزيد من الانتخابات وقليل من الديمقراطية

يصعب إدراج فلسطين في أيٍ من هذه التصنيفات الثلاثة، لسببين، فهي تخضع بالكامل للاحتلال والحصار، والسلطة هناك لا "سلطة" لها، وجغرافية الدولة "قيد الإنشاء" منقسمة ومتباعدة، لا تواصل جغرافيا يربط شطريها في الضفة والقطاع، وفي أول اختبار لتداول السلطة عقب انتخابات 2006 التشريعية، سقطت التجربة الفلسطينية في الخيبة والفشل ومستنقع الانقسام، بانتظار "مسلسل" الانتخابات المتعاقبة الذي توافقت الفصائل على الشروع في إتمامه في غضون ستة أشهر، بدءا بانتخابات المجلس التشريعي، مرورا بالانتخابات الرئاسية ومن ثم، انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني.

نعود إلى الانتخابات المصرية والأردنية التشريعية المتزامنة، والمقررة في غضون الأسابيع القليلة القادمة... حيث السؤال الذي يطرق الأذهان باستمرار: ما قيمة هذه الانتخابات إن لم: (1) تنته إلى تجديد الطبقة السياسية وتوسيع نادي عضويتها الذي يكاد يكون حكرا على فئات وشرائح وعائلات بعينها... (2) وأن تفضي إلى بلورة التعددية السياسية والفكرية في المجتمع وتحديد حجوم وأوزان التيارات المختلفة... (3) وأن تنبثق بنتيجتها حكومات جديدة، تعبر عن توازنات القوى الجديدة في الدولة والمجتمع، وأن تقود هذه الحكومات الائتلافية البرلمانية البلاد على سكة جديدة، وبسياسات داخلية وخارجية مغايرة... (4) وأن تنتهي إلى إعادة الاعتبار لدور البرلمان في النظام السياسي، وهو الدور الذي جرى تهميشه وتهشيمه، بعد أن تغوّلت السلطة التنفيذية وأذرعها الأمنية على السلطة التشريعية واستتبعتها لها.

ما زالت المنطقة العربية اليوم، كما كانت عليه قبل عقدين من الزمن: مزيد من الانتخابات وقليل من الديمقراطية... وكما كان كتاب "الانتخابات والتحولات الديمقراطية في العالم العربي... خطوة للأمام أم خطوة للوراء؟" فألا حسنا باندلاع الموجة الأولى من موجات الربيع العربي، فإن الأمل (اقرأ اليقين) يحدونا، بأن يكون المقال الذي يحمل اسم الكتاب ذاته وإن "بتصرف"، فألا حسنا باندلاع موجة ثالثة من موجات هذا "الربيع" (الموجة الثانية شملت لبنان والعراق والجزائر والسودان)، فليس لدى شعوبنا ومجتمعاتنا ما تخسره سوى قيودها وأغلالها، فقرها وبطالتها، وتربح من ورائها مستقبلا بأسره.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.