Lebanese citizens stand next to a windmill while watching the sunset, at the coast of Tripoli city, north of Lebanon, Thursday,…
يشاهدون الغروب في طرالبس شمال لبنان

تستبدل بعض الدول العربية أولوياتها التاريخية بتغليب صراعها مع إيران على صراعها مع إسرائيل. ما ترجم تسريعا للتفاهم مع هذه الأخيرة. والملفت أن الشعوب العربية استقبلت الخبر ببرود. فالموضوع أصبح صراعا معلنا بين نفوذين، إسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، في ظل تهديد تركي مستجد.

الأمر الذي سينعكس بطريقة ما على لبنان. ويحيلنا إلى سؤال: ماذا عن الفلسطينيين في إسرائيل وما هو مصير حقهم بدولة سيدة مستقلة!

مؤخرا، وبينما كنت أعيد ترتيب مكتبتي بعد أن تضررت جراء انفجار مرفأ بيروت، عثرت على قصاصة كنت قد احتفظت بها من مجلة أخبار الأدب منذ 22\3\2009، تحمل عنوان: "إسرائيل مصابة بصدمة عصبية". وهي جملة من مقالة نشرها الروائي هاروكي موراكامي في مجلة يابانية بعد عودته من زيارته إسرائيل لاستلام جائزة القدس. كان قد تردد في قبولها، لكنه قرر استلامها ما دام لديه فرصة التعبير عن رأيه بحرية. وهكذا كان. طبعا أثارت زيارة موراكامي هذه جدلا واسعا، وتزامنت مع زيارة أخرى للكاتب العراقي نجم والي، رواها في كتابه المترجم إلى العبرية تحت عنوان: "رحلة إلى قلب العدو".

الفارق بين الزيارتين كان كبيرا. فموراكامي، صاحب جائزة نوبل، كتب بعد عودته إلى طوكيو يدين السياسات الإسرائيلية بقوة، ويصفها بالدولة العدوانية، المتعصبة، والمصابة بصدمة عصبية بعد الهولوكوست. قرر ألا ينتقد الإسرائيليين مباشرة، كي لا تشتغل منظومتهم الدفاعية النفسية لتغلق آذانهم عن سماعه، لأنه يرى المشكلة مركبة وليست أبيض أو أسود، خطأ أو صوابا. انتقد إسرائيل في خطابه بتشبيهها بالجدار الحصين الذي تنكسر عليه البيضة. والبيضة هم الفلسطينيون العزل الذين قتلوا في الحرب على غزة عام 2008. مستنتجا أنه لا يستطيع سوى الوقوف مع البيضة الهشة.

والي لا يشير إلى الواقع كما هو، فلقد ترك جانبا موضوع الضفة الغربية وغزة لشركاء السلام من المثقفين الإسرائيليين

بينما يظهر نجم والي في كتابه منبهرا بإسرائيل. وانبهاره أكثر مما يحتمله بعض الإسرائيليين أنفسهم. فمثلا السياسي يوسي ساريد (رئيس حزب ميريتس) كتب أن إسرائيل ليست بالصورة المثالية التي صورها والي في كتابه. ويرى أنه لا يقول شيئا عن الواقع. كتابه مجرد دليل سياحي فحسب. أضاف ساخرا من انبهاره: "هناك حقيقة مفرحة في هذا التقرير الأدبي، فلقد أحب والي إسرائيل وأحبنا، وهذا جيد ومشجع. كل من التقاهم في زيارته، بلا استثناء، من سائقي التاكسي إلى الأكاديميين، هم أناس على ذوقه. مستنيرون ولطفاء. حتى نحن لم نكن نعرف أننا على هذه الشاكلة..".

والي لا يشير إلى الواقع كما هو، فلقد ترك جانبا موضوع الضفة الغربية وغزة لشركاء السلام من المثقفين الإسرائيليين. كنت قد وضعت كل هذا جانبا إلى أن قرأت، في منتصف أكتوبر، بوست لصديقة فلسطينية ـ إسرائيلية تثير فيه النقاش حول فيديوهات لشاب فلسطيني من الداخل باسم ناس دايلي Nas Daily، يريد منها التعريف بفلسطين. لكن الفيديوهات أثارت الجدل بين الفلسطينيين. فنادت حركة المقاطعة بمقاطعته بدعوى أنه عميل لحركة الهسبراة الإسرائيلية والتي هدفها باختصار تلميع صورة إسرائيل في العالم وإقناع الناس بالسردية الإسرائيلية، بينما تطمس أعمال الفلسطينيين وسردياتهم.

حرّض الجدل صديقتي لمشاهدة الفيديوهات لمعرفة الحقيقة. وجدت أنها تقدم بروح شبابية "كول ونغشة"، إضافة إلى أنه وسيم الطلعة وحيوي. فما المشكلة بتعريف الناس بالمناطق وبأناس يبدعون ويقومون بأعمال مميزة إيجابية! "فنصير" يقول إن هدفه بث الروح الإيجابية. وهذا صحيح بالفعل.

لماذا إذن يجدون أنه يدعم الهسبراة الإسرائيلية؟! يبدأ الفيديو بشكل يبدو جميلا ومقنعا، إذ يقول: بعضكم ينكر فلسطين، يقول إنها ليست حقيقية، ولكن ها هي فلسطين، إنها حقيقية! فيعرّف المشاهد بمناطق جميلة في فلسطين لا يشوبها ولا يمس جمالها وجاذبيتها وجود حواجز، مخيمات لجوء، وجدار عازل والتي يمر على وجودها مر الكرام.

صديقتي الفايسبوكية استجوبت نفسها: لماذا نفرت من أول جملة افتتح فيها الفيديو ولماذا قلبت معدتها هذه الروح الإيجابية؟! "ألهذه الدرجة أنا أسيرة النكد والتباكي على الأطلال؟! ألهذه الدرجة أنا أسيرة مشاهد الدم وصور الشهداء؟"

بدت فلسطين موجودة طبعا وحقيقية وليست اسم مكان في قصة خرافية. لكن المشكلة كمنت تماما في شكل هذا الوجود، وكيفية عرضه. يُفهم من الفيديو أن فلسطين، country ما يعني في السياق *دولة*، فيها مدن قديمة وحديثة وقرى جميلة وأناس يمارسون حياتهم الطبيعية، بوجود بعض المنغصات!

عندما يتلقى هذا الطرح، مشاهد لا يعرف شيئا، أو قليلا فقط، عن القضية الفلسطينية، سيأخذ انطباعا أن فلسطين دولة! دولة عادية كمعظم الدول التي تنمو وتتطور وتنشئ فيها المدن الجديدة رغم الصعوبات.

وسيتساءل؛ ما المشكلة إذا؟! ماذا الذي يريده الفلسطينيون؟! لماذا يقومون بأعمال "تخريبية"، لماذا لا يعيشون بسلام مع الإسرائيليين؟

وسيكون الاستنتاج الذي يطرح نفسه "متفعفلا"؛ أي أنهم إرهابيون، لا يرغبون العيش بسلام. وربما يستنتج أنهم يكرهون اليهود جزافا لعنصريتهم أو لاساميتهم. وهنا بيت القصيد، هذا الفيديو الذي ينضح إيجابية! ينقصه التوازن وكشف الصورة كاملة.

كان بإمكانه إنتاج فيديو لا يقل إيجابية دون أن يغفل أو يتجاهل عمدا، أن الفلسطينيين موجودون كلاجئين. وهم موجودون ووطنهم موجود، لكنه مجزأ، مفتت ومحتل.

وطنهم موجود، لكن هناك من لا يتمكن من التواجد فيه. ويمكنه القول إن إسرائيل بنت الجدار كي تتحكم بكل ما يدخل ويخرج من هذا المكان الذي يسميه دولة فلسطين. وبعد ذلك يمكنه الإشارة إلى إيجابيات العيش في إسرائيل.

لكن هل يعني هذا أنه عميل؟ وهل تعني شيئا هذه الصفة.؟

النقد الإيجابي يمكنه إصلاح نظرته إلى الأمور إذا كان ما يقدمه خطأً بريئا قبل إدانته. وحين يعجز الطرف المنتقد عن تقيم بديل مقنع عما يدينه، فلا يحق له النقد والإدانة.

السؤال الذي يتبادر إلى ذهني كلبنانية في بلد المقاومة المنتصرة على العدو الاسرائيلي: ما هو الفرق بين الوضع في غزة ووضعنا في لبنان؟

نشر في نفس الوقت مقالا لحنان عشراوي تعلق فيه على التطبيع الجاري مع إسرائيل. سأنقل بعض ما ورد فيه عن غزة: "اكتمل الحصار الخانق تماما على غزة منذ عام 2013. تقرير برنامج الأغذية العالمي الصادر هذا الأسبوع يقول إن 86% من أطفال القطاع دون سن الخامسة لا يحصلون على المواد الغذائية الضرورية لنمو طبيعي و28% من النساء المرضعات لديهن نقص في مادة الحديد، وأن معظم سكان القطاع اضطروا للتخفيف من كمية وأنواع الغذاء، للتعامل مع نقص المواد الغذائية. لقد ارتفعت نسبة الانتحار في غزة بشكل غير مسبوق، بسبب انسداد أبواب الأمل، فخلال الأسبوع الأول من شهر يوليو انتحر ثلاثة شبان. وتكمل اللائحة لتستنتج: كل هذا ناتج عن الحصار الظالم الذي تفرضه دولة الاحتلال".

السؤال الذي يتبادر إلى ذهني كلبنانية في بلد المقاومة المنتصرة على العدو الاسرائيلي: ما هو الفرق بين الوضع في غزة ووضعنا في لبنان؟ وإذا كان الجواب هناك الاحتلال! فأي احتلال صنع هذا بنا في لبنان؟ 

ما يتبادر أيضا إلى الذهن، ما الذي جاء بالسيد إسماعيل هنية إلى بيروت من اسطنبول بعد الدوحة مكان سكنه؟ بدل البقاء هناك في غزة وتدبر أمر مواطنيه فيها! ولو أنه تنبه وعزّى بضحايا كارثة تفجير مرفأ بيروت لهان الأمر. لكنه جاء ليصب الزيت على النار، ملبيا أوامر سادته في طهران. جاء ليزور المخيمات، فينكأ الجراح، محمولا على الأكتاف دون كلمة عزاء أو تأبين لشهداء لم يمض أربعينهم بعد.

ماذا يبقى لنا أمام هذه الجدران التي تنافس جدار إسرائيل سوى تهديد بيروت وتهميش لبنان ليحل محل زعم ثنائية "حزب الله" ـ "حركة أمل"، تهميش الشيعة؟

إن ظلم ذوي القربى أشد مضاضة!

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.