Former Iranian president Mohammed Khatami signs the VIP guest book at the Arab League's headquarters after a meeting with Arab…
إذا كان خاتمي ـ وهو الرئيس المثقف الذي تصفه بعض المنصات الثقافية الغربية بـ"الرئيس الليبرالي" ـ يُعاين الغرب بكل هذه السلبية، فماذا يقول الفصيل المقابل له: الفصيل الأصولي المتشدد

يعاني العالم العربي من عطالة على مستوى إنجاز الائتلاف الداخلي، وما يسبقه ويتبعه من اشتراطات ثقافية ومؤسساتية، كما يعاني من عطالة أوضح على مستوى الإنجاز التنموي الحقيقي القادر على توفير الحد الأدنى من العيش الكريم. ومرجع ذلك ـ في تقديري ـ إلى الانفصام بين وعي قروسطي تراثي يدير به شؤونه، وواقع لا يستجيب له؛ جراء متغيرات واستحقاقات تقع خارج نطاق التصورات التراثية من الأساس.

الأمور هنا تتشعب في مسارات يصعب حصرها وضبطها في حدود مقال. لكن، مجمع كل ذلك ـ أو معظمه ـ معلل بغياب الوعي الحداثي الذي يعني: غياب الحس المحايد في العمل العام، من حيث كون جميع المؤسسات العمومية في هذا العالم العربي الحائر تتمفصل على هموم انتمائية ضيقة، تستبعد الوعي بالوطن والمواطنة. وهذا من شأنه أن يفتح الباب أيضا على ما وراء هذه الانتماءات الضيقة، حيث المصالح الفردية الخاصة ذات التشكل العصابي، والتي يستحيل تتبعها في ظل غياب الوعي المؤسساتي المحايد الذي يشترط "العلمانية" ابتداء.

صحيح أن الحياد أمر نسبي؛ ما دام أن المؤسسات تُدار من بشر لا يستطيعون تجاوز الانتماءات الأسرية الأولى، ولا المكونات الفكرية اللاحقة، ولا التفضيلات العاطفية... إلخ، لا يستطيعون تجاوز ذلك بالكامل، لكنهم يستطيعون تحييد ذلك إلى حد كبير، خاصة إذا ما توفّرت الثقافة (بالمفهوم الأوسع للثقافة) الداعمة لذلك، وتوفرت المؤسسات الناظمة للعمل على ضوء ذلك، إضافة إلى كونها ـ أي المؤسسات ـ بما تقدمه من خدمات على مستوى الحياد؛ تدعم رصيد القناعة به؛ بقدر ما تسحب من رصيد الانتماءات الأخرى التي ستستمر محاولاتها لاختراق هذا الحياد، وستحقق بعض النجاح بين الحين والآخر في هذا المضمار أو ذاك، ولكن مهمة "الضمير التنويري/ المستنير" أن يجعل هذا الاختراق في أضيق الحدود.

لا يمكن أن تستفيد ـ استفادة حقيقية من الآخر ـ وأنت تعاديه، وتتخيّله متربصا بك على الدوام

العلمانية ـ في نمطها الحيادي ـ هي الضامن لمثل هذا العمل المؤسساتي المتجرّد من التحيزات الانتمائية. والعلمانية ـ بما هي كذلك ـ منجز غربي بامتياز؛ رغم كل صور التقاطع التشابهي مع التجارب اللاغربية على اتساع الجغرافيا وامتداد التاريخ. وأي تأمّل في حياديتها ونجاعتها على المستوى الإنساني الخالص (حقوق الإنسان)، وعلى مستوى المنجز التنموي المادي؛ سيظهر مستوى الحاجة إليها. ولكن تكمن مشكلة العالم العربي، والشرق الأوسط على وجه العموم، مع العلمانية أنه استقبل الحداثة ـ المتضمنة للعلمانية ضرورة ـ على صورة تهديد خارجي/ استعمار يستعيد ذاكرة الغزوات / الحروب الدينية التي كانت هي منطق حراك القرون الوسطي. ومن حيث كون تلك الحروب دينية في شعاراتها المعلنة التي كانت تحشد بها أتباعها، والتي كانت تواجه بها أعداءها، فقد بدت له هذه الإطلالة الاستعمارية في بداياتها لا تختلف الأولى؛ حتى وإن جاءت بشعارات تقطع مع الديني.

رُهَاب العلمانية في الشرق الأوسط، والعالم العربي خاصة، ليس إلا تفريعا على رُهَاب التغريب. حتى وصل الأمر بكثير من التقدميين/ الحداثيين العرب الذين امتهنوا طرح الخيار العلماني كخيار حتمي لتجاوز العطالة في الشرق الأوسط، أنهم لا يطرحون العلمانية إلا من خلال التاريخ/ التراث، أي من خلال محاولة البحث لها عن مشروعية ما، داخل السياق الحضاري للأنـا. وهذا هروب ـ واعٍ أو غير واعٍ ـ من تهمة: التغريب، وهي التهمة التي يتوقعون أنها ستكون حائلا دون استقبال العلمانية استقبالا إيجابيا في الوعي العام.

لا يمكن أن تستفيد ـ استفادة حقيقية من الآخر ـ وأنت تعاديه، وتتخيّله متربصا بك على الدوام. هكذا هي ـ للأسف ـ صورة الغرب في الشرق الأوسط، لا عند الأصوليين المتطرفين فحسب، بل كذلك عند كثير من "المستنيرين" الداعين للانفتاح الثقافي والحضاري. يقول الرئيس الإيراني الأسبق/ محمد خاتمي: "بلحاظ الأزمات التي أوجدها العالم الغربي لنفسه وللآخرين، هل من الحكمة تبنّي أطروحة التغرّب من أعلى الرأس إلى أسفل القدمين؟!" (من بحث له بعنوان: "الدين في العالم المعاصر"، منشور في كتاب: "تمهيد لدراسة فلسفة الدين" تحرير: عبدالجبار الرفاعي) فإذا كان خاتمي ـ وهو الرئيس المثقف الذي تصفه بعض المنصات الثقافية الغربية بـ"الرئيس الليبرالي" ـ يُعاين الغرب بكل هذه السلبية، بكل هذا المستوى من التحفّز الضدي الذي يقود في النهاية إلى الانكفاء على الذات؛ فماذا يقول الفصيل المقابل له: الفصيل الأصولي المتشدد/ الانغلاقي الذي يتحكم اليوم بدولة من أكبر دول الشرق الأوسط: إيران؟!

إن هذه النظرة إلى الغرب بكل مكوناته وبكل حراكه في القديم والحديث على أنه حراك استعماري، اختصاره في هذا الموقف الضدي الممعن في ضديته، تَمثّله كوريث لـ"الحملات الصليبية" التي لم تغب عن وعي العالم العربي الغارق في تاريخه، الذي لا يزال يعيش عصر "صلاح الدين" في كل أحواله، في تصوره للمواجهات العسكرية، كما المواجهات الثقافية... كل هذا ليس حدثا طارئا أو تعبير عن تصورات هامشية، بل هو السائد. 

فمنذ مطلع القرن العشرين، وعندما كان الوطنيون المصريون يناضلون ضد "الاستعمار"، كان مصطفى صادق الرافعي ـ المُعبّر عن الأصالة/ عن الوعي الجماهيري التراثي ـ يقول: "ومن البلاء على هذا الشرق أنه ما برح يناهض المستعمرين ويُوَاثِبهم، غافلا عن معانيهم الاستعمارية التي تُنَاهِضه وتُوَاثِبه، جاهلا أن أوروبا تستعمر بالمذاهب العلمية كما تستعمر بالوسائل الحربية، وتسوق الأسطول والجيش، والكتاب والأستاذ، واللذة للاستمتاع، والمرأة والحب"؛ حتى يقول: "فكيف ـ لعمري ـ غَفَل الشرقيون عن أخلاق ناريَّة حمراء يأكلهم بها المستعمرون أكلا كأنما ينضجونهم عليها ليكونوا أسهل مساغا، وألين أخذا، وأسرع في الهضم" (وحي القلم، الرافعي، ص209).

المسلمون لا يعيشون التغريب من خلال أفعالهم، بل يتعاطون مع التغريب في صورته المادية، في منتجه الاستهلاكي، وهي صورة خارجية

يمكنك هنا أن تلاحظ كيف أن الرافعي ربط كل صور التحديث بالتغريب، وربط التغريب بالاستعمار. وهو يرى أن الغرب لا يهيمن بجيوشه فقط، وإنما بعلمه (الكتاب والأستاذ)، وبالتصورات الكلية التي تغزوهم فلا ينبرون لصدها كما يتصدون للجيوش. ثم هو يتألم كيف أن النسق العام للقيم (نسق القيم الحداثية التي تعولمت) أخذ ـ في تصوّر الرافعي ـ يتغرّب بإرادة استعمارية واعية، وكأنها تهيئة غربية للهيمنة الشاملة المباشرة. وما قاله الرافعي هنا قبل قرن كامل، استمر يتردد على ألسنة وأقلام المؤثرين في صياغة الوعي الكلي للأمة حتى يومنا هذا. وما إيغال الحركات الأصولية في الانغلاق من جهة، واستبطان النفس الضدّي من جهة أخرى، إلا رجع صدى لهذه الصيحة المذعورة في عشرينيات القرن العشرين.

قليل هم من ينظرون إلى الغرب والتغريب بعين الإنصاف، بعين الفعل والتفاعل الإيجابي. وحتى هذا القليل إذا اعترف ـ على حين غرّة ـ بالأثر الإيجابي للغرب فإنما يفعل ذلك بحذر شديد، وكأنه يمشي على شفرات السيوف. يقول الباحث التونسي محمد الحداد: "التدخل الخارجي لئن لم يكن إيجابيا كله فلم يكن سلبيا كله. لم يبن الدولة الحديثة لكنه وضع نواة الإدارة الحديثة، لم يبن الاقتصاد الحديث ولكنه نشر التقنية الحديثة، لم يبن الثقافة الحديثة لكنه أدخل التعليم العصري" (الإسلام ونزوات العنف، ص117). ومع كل هذا الحذر من تهمة التغريب في مقاربة الأثر الإيجابي للغرب في حالته الاستعمارية؛ إلا أن ما يقوله محمد الحداد هنا ليس الاستثناء، ليس إلا خروجا على التصور العام العربي/ الشرق أوسطي الذي لا يزال عالقا في ثنائية ضدية تمنعه من الاستجابة الحضارية اللائقة بحجم التحديات التي يواجهها.

يرى الباحث الفرنسي المتخصص في شؤون الحركات الإسلامية المعاصرة/ أولفيه روا أن تحدي التغريب يظهر جليا عند المسلمين، لكنه يقول: "ومع ذلك، فإن المؤمنين بمجملهم يعيشون التغريب ويطبقونه بسهولة من خلال أفعالهم" (عولمة الإسلام، أولفيه روا، ص17). وهذا ليس واقع الحال، فالمسلمون لا يعيشون التغريب من خلال أفعالهم، بل يتعاطون مع التغريب في صورته المادية، في منتجه الاستهلاكي، وهي صورة خارجية؛ بينما طريقة التعامل مع هذا المنتج، وما وراءها من تصورات راسخة قادرة على تحديد الخيارات الكبرى على نحو حاسم، بقيت تراثية، ومن حيث هي كذلك؛ فهي تقف على الضد من أهم مقومات النموذج الحضاري الغربي.

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.