The windows of the Tel Aviv-Yafo Municipality building illuminated with the word "Peace" in English on September 15, 2020 to…
كلمة سلام على مبنى بلدية تل أبيب بعد التوصل التوقيع على اتفاقيات السلام بين إسرائيل والإمارات والبحرين

التطبيع المطلوب في التواصل مع إسرائيل هو اعتماد الندية في التعامل مع خصم الأمس، الإقرار بحقوقه، اعتبار وجهة نظره، والتوافق على حل الخلافات على أساس السلمية وافتراض حسن النية. التطبيع مع إسرائيل لا يلزم تبني قراءاتها، ولا يستوجب تغيير الموقف المبدئي، ولا استبدال الوقائع التاريخية.

أهل فلسطين قد تعرّضوا لظلم سافر ساعة اختارت عصبة الأمم انتداب بريطانيا لإقامة وطن قومي يهودي على أرضهم. ولأنه لا يجوز أن تبقى الأجيال الفلسطينية المتعاقبة، ومعها محيطها بأكمله، أسيرة الفشل على مدى قرن كامل في محاولات الاعتراض على هذا الظلم وتعديله، ولأنه قد استقرت على هذه الأرض أجيال إسرائيلية، هي أيضا، كما نظيراتها الفلسطينية، صاحبة حق بالحياة والكرامة والأمن، فإنه لم يعد من الجائز الاقتصار على المطالبة بعودة عقارب الساعة إلى ما قبل قرن كامل.

التطبيع، المصاحب بالدعوة الواضحة إلى اعتبار حقوق الجميع، يصبح بالتالي السبيل الواقعي والمنطقي والأخلاقي لبلوغ الهدف المبدئي، أي فك قيد الإنسان والمجتمع في فلسطين والسير باتجاه عدالة تراعي حقوق الفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء.

لا شك أن بعض من يسعى إلى التطبيع، بل ربما جلّهم، يريد أغراضا أكثر "دنيوية". إسرائيل نموذج ناجح، متفوق، في مجالات علمية إنتاجية شتّى، والشراكة الاقتصادية معها مرغوبة. إسرائيل قوة سياسية وعسكرية نافذة، في المنطقة والعالم، والتحالف الأمني والاستراتيجي معها مفيد. ثم أن إسرائيل، أخيرا لا آخرا، ذات وزن وحضور وتأثير لدى القوة العظمى الوحيدة في العالم، وفي العلاقة منها استرضاء لعاصمة القرار الدولي، وصولا لإيفاء حاجات لا بد منها للعديدين.

أس الخطأ هو الدمج ما بين المسألة الفلسطينية الإسرائيلية المعاصرة والتاريخ اليهودي، وجعل التطبيع، بدلا من أن يكون بين الإمارات وإسرائيل، أو بين البحرين وإسرائيل، مثلا، تطبيعا بين "اليهود" و"المسلمين"

على أن كل هذا، وإن صاحبته لدى البعض لامبالاة إزاء الفلسطينيين، أو حتى أقدار من التشفي الصبياني والذي يصبغ للأسف العديد من السجالات التصعيدية على منصات التواصل الاجتماعي، لا ينفي أن مسار التطبيع هو الأقرب إلى تحقيق الصالح الفلسطيني، في مقابل مسار المقاومة. فهذا الصالح لا يقاس بصدوح الصوت الزاعم التزامه، بل تبعا لحساب مقارن بين المسارين.

المقاومة هي الوعد بتحقيق الحق بالكامل وبالاقتصاص الصارم من العدو. هدفها مطلق العدالة، ومطلق الثأر. ولكن، بعد انقضاء ثلاثة أرباع القرن على إطلاق الوعد، ليس ثمة اقتراب من الوفاء، بل تراجعات متكررة، من النكبة إلى النكسة إلى الاستيطان المتعاظم، ومن كامل التراب إلى حل الدولتين إلى الحاجة إلى مصالحات لا تتحقق داخل الصف الوطني. 

في المقابل، فيما الوفاء بالوعد يبقى غائبا، فإن الثمن الذي كان على الإنسان والمجتمع الفلسطينيين تسديده، للمحافظة على عناوين هذا الوعد، كان التضحية بالحاضر والمستقبل، وبالقيم المعنوية والطاقات المادية. وإذا كانت العدالة متعذّرة، فإن السعي إلى الثأر، بما يشفي الغليل ويقنّع الفشل، وجد بعض السبيل من خلال التأييد الضمني أو الصريح للقتل والأذى والإضرار بالعدو، وإن استدعى الفعل ردات فعل أكثر إيلاما، مع تطويع الدين والمنطق للتبرير. المقاومة العنيفة فشلت في وجه العدو، بل هي أيضا صعّدت من الاستثمار المعنوي بالحاجة إلى نصر ما، في مقابل هدر متعاظم للطاقات والإمكانيات.

التطبيع ليس الاستسلام ولا الانهزام إلا من منظور من يريد أن "يقتل الناطور"، لا أن "يأكل العنب"، وفق المثل المشرقي. هو الإقرار بأن التوجه الذي كان معتمدا لم يحقق النتيجة المطلوبة، وبأن هذه النتيجة بحد ذاتها أضحت بحاجة إلى مراجعة بناءً على ما استجد على مدى قرن أو ما يقارب. الحق لا ينتفي بالتقادم، ولكن سياقه يتبدل. رفض قيام دولة يهودية في خضم الانتداب البريطاني كان موقفا مبدئيا أخلاقيا في مطالبته ألا يكون حلّ المسألة اليهودية الغربية على حساب أهل فلسطين. أما بعد ثلاثة أرباع القرن على توالي أجيال إسرائيلية وليدة هذه الأرض، ومتمسكة بدورها بها، فالموقف المبدئي الأخلاقي يتطلب اعتبار حقوق الجانبين وعدم تجاهل الحقوق الناشئة، إذ هي بدورها حقوق إنسانية غير قابلة للتصرف. وإلا فالتجانس في الموقف المخالف، الرافض لاعتبار الظرف التاريخي، يستوجب أن يدعو إلى قلب الكرة الأرضية رأسا على عقب وإخلاء معظم البلدان، بما في ذلك عودة عربية إلى الحجاز ونجد واليمن.

التطبيع المشرّف هو الذي ينتهج الإقرار بالحقوق الأصلية والمستجدة، يحافظ على تمسكه بحقوق الفلسطينيين، ويعترف بحقوق الإسرائيليين دون تحفظ، على قاعدة المساواة بالإنسانية. والشروع به يتطلب مراجعة للخطاب السياسي وللطروحات الفكرية والمواقف السياسية، ويستلزم تصحيح التفريط السابق بحقوق الإسرائيليين.

على أن الخطر قائم للانتقال من التفريط في إهمال هذه الحقوق إلى الإفراط في إبرازها أو اعتناق ما يشبهها. هو منزلق حاضر للتوّ في بعض الإعلام العربي، ولدى بعض الكتاب العرب.

أس الخطأ هو الدمج ما بين المسألة الفلسطينية الإسرائيلية المعاصرة والتاريخ اليهودي، وجعل التطبيع، بدلا من أن يكون بين الإمارات وإسرائيل، أو بين البحرين وإسرائيل، مثلا، تطبيعا بين "اليهود" و"المسلمين".

الخطاب العربي كان تسطيحيا متعسفا بأمسه حين خلط ما بين "إسرائيل" و"اليهود"، والأجدر به، إذ ينتقل من لهجة العداء إلى كلام الصداقة، أن يصحّح اليوم خطأه، لا أن يسقط في أخطاء جديدة.

مجتمع الانتداب اليهودي، إذ انتظم باتجاه تأطير سياسي، ليصبح بعدها إسرائيل، هو هنا الموضوع، لا الجماعات اليهودية التاريخية في الحقبة الإسلامية وما سبقها، أو المجتمعات اليهودية التي عاشت وزالت في الغرب، ولا القصص الديني اليهودي السابق لها.

فإذا كان من حقّ اليهود المتدينين أن يبنوا على أساس افتراض صحة التواصل بين التاريخين الديني والوقائعي، فليس من داعٍ، عند السعي إلى التطبيع مع إسرائيل الحديثة، إلى إلزام التاريخ الوقائعي لدى الجميع بأن ينسجم مع هذه السردية، والتي تفتقد أدنى درجات التأييد من العلوم التاريخية المختلفة.

بوضوح، حق إسرائيل في الوجود، والتأكيد على وجوب استمرارها، نابع من توالي أجيال من الإسرائيليين ولادة ونشأة وتضحية لبلادهم وأرضهم خلال القرن الفائت. فقط. لا حاجة أبدا، بل لا جواز إطلاقا، لبناء هذا الحق، من الجانب العربي، على السردية الدينية اليهودية، والتي تستعيد مملكتي إسرائيل ويهودا التوراتيتين، كأساس مؤسس لإسرائيل المعاصرة. مجددا، للإسرائيليين أنفسهم أن يتمسكوا بالرواية الدينية اليهودية إن شاؤوا، والعديد منهم يشكك بها على أي حال.

أما أن يعمد البعض في الجانب العربي إلى أحد توجهين للمصادقة على الرواية الدينية اليهودية، فليس تطبيعا، بل هو انبطاح مجاني من شأنه الإضرار بالحقائق والحقوق.

التوجه الأول هو السعي لدى البعض إلى اقتباس نصوص قرآنية تمنح "اليهود" صك ملكية الأرض المقدسة. فبالإضافة إلى التدليس والمغالطة، بل ربما إلى النفاق، في هذه الاقتباسات، فإن المنهج الذي تعتمده، في تأسيس العلاقة مع "اليهود" على النص المقدّس، يفتح الباب على مصراعيه أمام القراءة المواجهة، والتي ترى في العداء لليهود واجبا دينيا. وإذا كان أصحاب الانفتاح الديني القسري الارتجالي هذا إزاء اليهود قادرين على إيجاد الآية أو الآيات القليلة، والتي من شأنهم تطويعها وليّ عنقها لتقدّم لهم القراءة المتوافقة مع مزاعمهم، فإنه لدى خصومهم من وافر الآيات ما يجعل المبارزة بين الفريقين محسومة سلفا لصالح الداعين إلى العداء.

أما التوجه الثاني فهو الذي يتطوع في بناء الحق اليهودي على إسقاط القصص الديني الإسلامي، دون تعريض ما يقابله يهوديا للمعيار نفسه. نموذج من حواضر "من زاوية أخرى" في هذا الصدد هو ما نقله الزميل توفيق حميد، بموافقة واضحة، عن "صديق يهودي" له شكك برواية الإسراء والمعراج وبانطباق "المسجد الأقصى" على بيت المقدس، حيث الهيكل وقدس الأقداس للدين اليهودي.

الإشكالية العميقة في حوار توفيق حميد مع "صديقه" هو في الخلط بين المسألة السياسية الحديثة والبعد الديني المنفصل عنها موضوعيا والبعيد عنها زمانيا. على أن تبديد رواية الإسراء والمعراج، وتركها لتبدو على أنها من نسج الخيال، لانعدام الشهود ولعدم توافقها مع المنطق المفترض، دون تطبيق المعيار نفسه على الرواية الدينية اليهودية بشأن الموقع عينه، ليس استفاقة نقدية، بل زلة باتجاه الانبطاح.

"صديق" توفيق حميد اليهودي (لم يرد اسمه في المقال) على صواب. لم يكن للإسراء والمعراج شهود في بيت المقدس. والرواية مبنية حصرا على سند ديني إسلامي. على أنه ليس لها أن تكون خلاف ذلك، إذ أنها موجهة للإيمان القلبي للمؤمن لا التصديق العقلي لغيره.

أن يعمد البعض في الجانب العربي إلى أحد توجهين للمصادقة على الرواية الدينية اليهودية، فليس تطبيعا، بل هو انبطاح مجاني من شأنه الإضرار بالحقائق والحقوق

ولكن، في المقابل، "الهيكل الأول" اليهودي بدوره لا شهود على وجوده، لا في الحفريات (ويمكن لتوفيق حميد وصديقه أن يكونا على اطمئنان بأن الهيئات الإسرائيلية المختصة قد أشبعت صخور القدس ورمالها نبشا وغربلة بحثا عن أدنى أثر، دون أن تجده) ولا في السجلات التاريخية المعاصرة للشعوب والمجتمعات والتي من المفترض أن تكون مجاورة. أي أن "الهيكل" هو كذلك من القصص الديني، اليهودي في هذه الحالة، المنقول أحاديا، وتلقيه يكون إيمانيا قلبيا، لا تصديقا عقليا، وإن ارتأى المؤمن التساوي بين هذا وذاك.

أما من لا يشارك المؤمن، اليهودي أو المسلم، بإيمانه الديني، فليس ما يلزمه التسليم بالحقيقة الوقائعية للقصص الديني، وليس ما يدعيه حكما إلى القبول بالبناء عليها كأساس للحقوق. ينطبق هذا على رواية الإسراء والمعراج، ولكنه ينطبق أيضا على رواية الهيكل.

النصيحة لصديق توفيق حميد اليهودي، وللزميل توفيق حميد نفسه، هي أنه خارج إطار الجماعة الدينية الواحدة، الأصلح التخلي عن القصص الديني في البحث عن تأصيل الحقوق، فما هو يقين إيماني للبعض قد يكون باطلا كفريا، أو خلطا منطقيا، أو نفاقا أخلاقيا، للبعض الآخر.

لإسرائيل الحق بالوجود، والتطبيع معها فعل إيجابي لصالح الحق الفلسطيني كما الإسرائيلي. هو إقرار موضوعي بفشل توجه المقاومة العنيفة وجنوحها إلى ما يحقق الأذى، دون العدالة. ولكن التطبيع، كذلك، لا يبنى على التخلي عن قراءات تسطيحية لاستبدالها بانبطاح فكري أمام ما يحاكي هذه القراءات التسطيحية لدى الطرف الآخر.

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.