Ali Moheiddin al-Qaradaghi, Secretary-General of the International Union for Muslim Scholars (IUMS), speaks during a press…
الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، علي محي الدين القره داغي

دعا الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، علي محي الدين القره داغي، الأسبوع الماضي إلى حماية المحتجين في مصر ونادى بضرورة الاستجابة لمطالبهم قائلا إن الاعتداء عليهم "محرم شرعا" وذلك في أعقاب خروج متظاهرين ضد الحكومة المصرية بإحدى قرى محافظة الجيزة المتاخمة للعاصمة القاهرة.

الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين مؤسسة تتبع للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين، مقرها العاصمة القطرية، الدوحة، وقد قام بتأسيسها الشيخ يوسف القرضاوي في عام 2004 وظل يترأسها حتى عام 2014 حيث تم استبداله بالمغربي أحمد الريسوني.

في تدوينة الفيسبوك تعليقا على ما يجري في مصر، أورد القره داغي 8 نقاط أولها أن "التظاهر السلمي حق مشروع في جميع الشرائع والمواثيق الأممية" وفي ثاني وثالث هذه النقاط قال: "نطالب بحماية المتظاهرين في مصر وغيرها"، مؤكدا أن "الاعتداء على المتظاهرين محرم شرعا". وشدد داغي في النقطة الرابعة على أن "من قتل نفسا بريئة واحدة (كمن قتل الناس جميعا)"، لافتا في الخامسة إلى "إجماع المسلمين على أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق".

وبين في النقطة السادسة أن "من قُتل في سبيل إيصال الحق ومنع الظلم والطغيان يدخل في قول الحبيب المصطفى:”سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام فأمره ونهاه فقتله“"، وتابع في النقطة السابعة: "هؤلاء المتظاهرون دفعهم الظلم والفقر والفشل السياسي الاقتصادي والغذائي والصحي وهدم البنيان والمساجد والتنازل عن أراض مصرية وعن حق مصر في النيل الذي هو كما يقال مصر هبة النيل للمظاهرات فينبغي حمايتهم لا قمعهم فهم في ألم".

إن الموقف المبدئي ضد العسف والاضطهاد والظلم الواقع على مختلف الشعوب يجب ألا يتأثر بالتوجهات الأيديولوجية

واختتم القره داغي تدوينته بالنقطة الثامنة، قائلا: "نطالب بالاستجابة لمطالب الشعب، ونطالب شرفاء العسكر والشرطة في مصر بالقيام بواجبهم نحو شعبهم العظيم صاحب الحضارات المتعددة. ولا تهنوا ولا تحزنوا".

دأبنا على القول إن مواقف شيوخ الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين تعكس سعيهم الدائم والمستميت للخلط بين الديني والسياسي خدمة للمصالح الأيدولوجية لتيار الإسلام السياسي، وهو الأمر الذي تكشفه النقاط أعلاه التي كتبها القره داغي، والتي تتناقض مع مواقفه من الثورة السودانية التي اندلعت ضد نظام الإخوان المسلمين الذي ترأسه الطاغية المخلوع عمر البشير.

في أوج تصاعد المقاومة الشعبية لنظام الطاغية البشير العام الماضي خرج داغي بتصريح عبر فيه عن قلقه لما يجري في السودان ودعا "الحكومة والمتظاهرين إلى الالتزام بحرمة القتل والتخريب والإفساد"، كما حث الجانبين على "احترام الإنسان وحقوقه، والتعبير عنها بجميع الوسائل السلمية المعروفة".

إن النظرة الفاحصة للكلام أعلاه تبين بجلاء التحيز الأيديولوجي لداغي لصالح نظام الإخوان إذ أنه ساوى بين الجلاد والضحية ووضعهما في كفة واحدة حينما دعا الشعب والنظام "للالتزام بحرمة القتل والتخريب والإفساد" رغم علمه التام أن من كان يقتل ويخرب ويفسد هو الطاغية البشير الذي سلب رصاص زبانيته وميليشياته أرواح مئات المتظاهرين السلميين الذين أشهروا في وجهه سلاحهم الوحيد المتمثل في الهتاف.

قد تبدى تدليس داغي للحقائق عندما حث الجانبين على احترام "الإنسان وحقوقه"، مع أنه يعي كل الوعي أن الذي كان ينتهك حقوق الإنسان هو النظام الفاسد وليس المتظاهرين الأبرياء الذين خرجوا للمطالبة بالخبز والحرية التي ظل ينتهكها الطاغية المُطارد من قبل المحكمة الجنائية الدولية بسبب جرائم الحرب والإبادة التي ارتكبها في دارفور.

واحدا من شيوخ الإسلام السياسي أفتى للطاغية المخلوع بأن المذهب المالكي المأخوذ به في السودان يبيح له قتل ثلث المواطنين المحتجين ليعيش البقية بعزة وكرامة!

وفي الوقت الذي برر فيه داغي خروج التظاهرات في مصر وقال إن الظلم والفقر والفشل السياسي والاقتصادي دفع المحتجين للخروج للشارع، لم يفتح الله عليه أو على الاتحاد العالمي بكلمة واحدة تفضح الفشل السياسي والظلم والكبت الذي عانى منه السودانيون طيلة ثلاثين عاما من حكم نظام الإخوان الاستبدادي الذي قتل الآلاف وشرد الملايين وأشعل الحروب الأهلية!

بينما كان رصاص مليشيات النظام الإخواني يحصد أرواح الشباب المتظاهرين وكانت المعتقلات تضج بآلاف المعارضين في مختلف ولايات السودان، لم يتبرع داغي أو أي شيخ من شيوخ الاتحاد العالمي بمناشدة شرفاء العسكر أو الشرطة للقيام بواجبهم تجاه شعبهم المبتلى بحكم الإخوان مثلما فعل في تدوينته التي كتبها بخصوص الاحتجاجات في مصر.

فوق هذا وذاك، لم يوجه داغي رسالة مباشرة للطاغية البشير يقول له فيها إن الاعتداء على المتظاهرين السلميين "حرام شرعا"، والجميع يعلمون الآن أن واحدا من شيوخ الإسلام السياسي أفتى للطاغية المخلوع بأن المذهب المالكي المأخوذ به في السودان يبيح له قتل ثلث المواطنين المحتجين ليعيش البقية بعزة وكرامة!

إن الموقف المبدئي ضد العسف والاضطهاد والظلم الواقع على مختلف الشعوب يجب ألا يتأثر بالتوجهات الأيديولوجية وخصوصا تلك التي تستخدم الدين كغطاء لتأييد أو تبرير مواقف سياسية لجماعات معينة حتى تكتسب مشروعية باسم السماء بينما يكون غرضها الخفي هو السيطرة وبسط النفوذ على الأرض.

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.