Iraqi demonstrators carry the portraits of slain protesters during a demonstration in Tahrir Square in the centre of Iraq's…
متظاهرون عراقيون يرفعون صور متظاهرين قتلوا خلال التظاهرات في العراق في الذكرى السنوية الأولى لانتفاضة الأول من أكتوبر 2019

اجتمعت الرئاسات الثلاث في العراق وبحضور رئيس مجلس القضاء الأعلى، وتذكّر المجتمعون بأن هناك من يوازي الدولة في وظيفتها باحتكار العنف المنظَّم ـ كما يقول ماكس فيبر ـ ولذلك سارعوا إلى إصدار بيان يؤكد على أن "ليس من حق أي طرف إعلان حالة الحرب أو التصرّف على أساس حالة الحرب داخل الأراضي العراقية". ويبدو أنهم استشعروا الخطر بعد رسائل التهديد بإغلاق السفارة الأميركية في بغداد بعد عجز الحكومة عن حمايتها من صواريخ الكاتيوشا.

وقبل هذا الاجتماعات، اتفق الفرقاء السياسيون ـ وهم نادرا ما يتفقون إلا على صفقاتهم في تقاسم المناصب ـ في بيانات الشجب والإدانة لاستهداف مقرات البعثات الدبلوماسية في المنطقة الخضراء. لكن لا بيان الحكومة ولا بيانات القوى السياسية التي تمثل الفصائل المسلحة كانت قادرة على منع تكرار إطلاق الصواريخ على مطار بغداد التي أخطأت أهدافها كالعادة، وليكون ضحيتها عائلة عراقية من سبعة أفراد.

تخبرنا تجارب الأمم، أن رجالات الدولة لا يظهرون في أيام الرخاء، وإنما يكون حضورهم التاريخي في أيام المحن والشدائد. أما في العراق فإن الفرقاء السياسيين منذ بدايات مشاركتهم في العمليّة السياسية بقوا منشغلين في سؤال من يحكم، وليس كيف يحكم؟ فمن يحكم، لا يحكم وفق معايير رجال الدولة والتحدي الذي تواجهها، وإنما على وفق معاييرهم التي تحكمها مصالحهم الخاصة، والبحث عمَّن يمكن أن يقدم لهم من ضمانات للحفاظ على تلك المصالح، فضلا عن ذلك يجب أن يكون من ضمن منظومتهم السياسية حتى إذا فكَّرَ بترسيخ سلطته، فيجب ألا يمس تمرّده منظومة التوافقات والصفقات التي تأتي به إلى سدة الحكم.

تجمعنا الآن رغبة بالخلاص أو الحد من نفوذ مافيات سياسية باتت تتحكم بمصير العراق ومستقبل أجياله لا تجيد غير لغة العنف والدمار والإثراء على حساب المال العام

لم نكن نتأمل من حكومة الكاظمي صناعة المعجزات ولم ننخدع بشعارات "حصر السلاح بيد الدولة" ولا بـ"استعادة هيبة الدولة" ولا "العراق أولا"، فالمواطن العراقي بات خبيرا بشعارات الحكومات الزائفة. كل ما تأملنا منه هو أن يوقف التدهور الذي يعيشه العراق عند حدود الفوضى التي خلفتها الحكومات السابقة لا أكثر من ذلك ولا أقل. ولذلك كان التعويل على حكومة الكاظمي، باعتبارها كسرت الاحتكار السياسي للزعامات والأحزاب السياسية في منصب رئيس الوزراء، أن تدير منظومة الخراب بأقلّ الخسائر وأن تحدّ من تراكمه حتى يكون هناك أمل بالإصلاح وتصحيح مسار النظام السياسي.

لكن مبررات قيام أي حكومة وأساسيات أدائها تعتمد على فاعليتها السياسية؛ رغم ذلك، لم نتحدث عن رفع مستوى دخل الفرد ومعالجة مشكلة الفقر ولا عن إعادة دورة الحياة الاقتصادية، ولا عن رفع الناتج والدخل القومي في ظل جائحة كورونا، ولم نتحدَّث حتى عن الارتقاء بالبنى التحتية أو عن شوارع نظيفة، ولا عن انتظام الكهرباء، ولا عن حق البصرة في الماء الصالح للشرب، ولا عن معالجة مشكلة النازحين والمهجَّرين. فكل هذه أصبحت ترفا بجانب حق المواطن في عدم الموت المجاني والخطف والاغتيال. فالحكومة التي لم تستطع فرض القانون وسلطة ووجود الدولة على المنطقة الخضراء كيف لها أن تأمن أمن المواطن في الشارع؟

ثمة من يرى أن الحكم على حكومة الكاظمي وتقييم أدائها متعجّل لأن عمرها لم يتجاوز الستة أشهر، وقد يكون هذا الاعتراض صحيح من حيث المبدأ. لكن المقدّمات الصحيحة تؤدي إلى نتائج صحيحة، ولحدّ الآن لم نتلمس أي خطوات توحي بوجود مشروع حقيقي لاستعادة هيبة الدولة، وهو يعرف جيدا بأن البداية تكون بالقرار الأمني. 

ومن جانب آخر، بعد أن حددت الحكومة موعد الانتخابات في الشهر السادس من العام القادم، فإن المراهنة على عامل الزمن ليس في صالحها، ووفقا لهذا التحديد ما تبقى من عمر حكومة الكاظمي هو ثمانية أشهر بصلاحيات كاملة ولا زلنا ننتظر القرارات والمواقف الحاسمة وليس التصريحات. ومن ثم، كيف يمكن التعويل على الانتخابات والمشهد الأمني تسوده الفوضى بوجود سلاح منفلت يتحدى الحكومة والدولة بالخطف والاغتيال وصواريخ الكاتيوشا؟

التحدي الذي تواجهه حكومة الكاظمي يختلف تماما عن التحديات الأمنية التي كانت تواجه الحكومات السابقة، من حيث الجغرافية فهو تحدي مركز العاصمة وتحديدا مركز القرار السياسي ومقرات السفارات والبعثات الدبلوماسية، وليس أطراف بغداد أو المحافظات. وثانيا من حيث الغاية من هذه الهجمات هي إحراج الحكومة أمام حلفائها الخارجيين، وثالثا الاختلاف في هوية وانتماء الجهات المهاجمة، فبعضها يجمع بين التمثيل السياسي في مؤسسات الدولة وبين امتلاكه السلاح خارج إطار الدولة.

ويستوجب مواجهة التحديات باستراتيجية أمنية واضحة وصريحة وليس بالبيانات الحكومة الرافضة. ولذلك لا يوجد أي تبرير مقنع أمام تراخيه في اتخاذ خطوات جريئة وحاسمة لاستعادة الدولة إلا إذا كانت هناك صفقة سياسية مع قوى اللادولة التي قبلت بوصوله إلى المنصب في قبال التعهد بعد المواجهة، لا سيما أن الكاظمي كان حاضرا في المشهد السياسي وشريكا في القرار الأمني منذ أيام حكومة حيدر العبادي.

كان التعويل على حكومة الكاظمي، باعتبارها كسرت الاحتكار السياسي للزعامات والأحزاب السياسية في منصب رئيس الوزراء، أن تدير منظومة الخراب بأقلّ الخسائر

والآن تحت إمرة الكاظمي قوات مسلحة بكامل عددها وعديدها، التي حولت الانكسار والهزيمة في الموصل 2014 إلى نصر وسحقت تنظيم "داعش" وأنهَت وجوده في العراق، ولوحت مرجعية السيد السيستاني بدعم مشروط في حال وجود قرارات ومواقف واضحة لاستعادة هيبة الدولة. كذلك، يحظى بدعم من زعيم التيار الصدري الذي لديه أكبر كتلة نيابية داخل مجلس النواب وكتل نيابية شيعية ذات حضور سياسي مؤثر، ناهيك عن دعم السياسيين الكرد الواضح والصريح وبعض القوى السياسية السنية.

تجمعنا الآن رغبة بالخلاص أو الحد من نفوذ مافيات سياسية باتت تتحكم بمصير العراق ومستقبل أجياله لا تجيد غير لغة العنف والدمار والإثراء على حساب المال العام، وبعضها لا زال يؤمن بأيديولوجيات شمولية لم تنتج إلا الخراب والدمار للبلدان التي حكمتها، ويبدو أنهم مغرمين باستنساخ تجارب الفشل والفوضى.

هذا الهاجس يدفع بالعراقيين إلى الوقوف بجانب أي حكومة تضبط الأمن وتحقق سيادة القانون والنظام، وإذا فشلت الحكومة في فرض رؤيتها للأمن مع شركائها السياسيين كيف لها أن تحقق الأمن للمواطن والمجتمع من جرائم القتل والتصفيات والخطف المستمرة؟

وفي حركة ارتدادية ما أن نتقدم خطوة نحو تحقيق الأمن والاستقرار حتى نتراجع خطوات في مجال بناء دولة المؤسسات!

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.