A handout picture released by the Jordanian Royal Palace on August 25, 2020, shows Jordanian King Abdullah II speaking during a…
قبل أن يختار الملك رئيس الحكومة المقبل أشعر بالحزن والشفقة عليه فأينما صوّب وجه فالأبواب موصدة

حُسم الجدل في الأردن وصدرت الإرادة الملكية بحل مجلس النواب في آخر يوم من عمره، وبموجب أحكام الدستور فإن حكومة الدكتور عمر الرزاز ستُقدم استقالتها في أقصى تقدير خلال أسبوع وسترحل، ولا يمكن لرئيسها أن يُشكل الحكومة القادمة.

سقطت كل السيناريوهات والتكهنات الأخرى، وتمسك النظام في الأردن بالأجندة والاستحقاقات الدستورية، وهو يمضي لإجراء انتخابات برلمانية في العاشر من شهر نوفمبر المقبل، ما لم تحدث ظروف وبائية قاهرة تمنع إجراءاها، وبذلك فإنه وقبل نهاية هذا العام الصعب سيكون لديه حكومة جديدة، ومجلس نواب مختلف، ومجلس أعيان أعيد تشكيله من جديد قبل أيام.

كان الرهان حتى اللحظة الأخيرة على استمرار حكومة الرزاز في السلطة، فهي الأكثر متابعة للتعامل مع ملف وباء كورونا الشائك والصعب، وهي بذات الوقت الأكثر معرفة بالاستحقاقات الاقتصادية المتفاقمة، لكن تحولا في "القصر الملكي" في اللحظات الأخيرة عجّل في إطلاق رصاصة الرحمة على الحكومة وإنهاء عمرها.

منذ لحظة حل البرلمان بدأت على الفور بورصة الأسماء المُرشحة لرئاسة الحكومة الجديدة تتناسل، وكل صاحب مصلحة يدس اسما لمرشح مُحتمل للرئاسة، وكل طامح بالحكم لديه جوقة من المطبلين في بعض وسائل الإعلام والسوشيال ميديا يسبحون باسمه كمنقذ للعباد والبلاد.

كان الرهان حتى اللحظة الأخيرة على استمرار حكومة الرزاز فهي الأكثر متابعة لملف كورونا ومعرفة بالاستحقاقات الاقتصادية

اختيار رئيس الحكومة في الأردن لا يرتبط بمرشح حزب الأغلبية في البرلمان، ولا تحكمه قواعد سياسية واضحة المعالم، والأمر في نهاية المطاف مرتبط بإرادة الملك ورؤيته لمن يشغل هذا المنصب الرفيع، ورئيس الحكومة مهما كان اسمه لن يحكم منفردا، وستُنازعه سلطته على الأقل مركزين لصناعة القرار الديوان الملكي، ودائرة المخابرات العامة، هذا عدا عن أطراف أخرى يدخلون إلى المشهد ويخرجون في ظروف مختلفة.

تشكيل مجلس الأعيان، وهو الغرفة الأولى للسلطة التشريعية، قُبيل إعلان الحكومة قطع الطريق على فرص أسماء سياسية واقتصادية كان يمكن أن يلمع اسمها لرئاسة الوزراء، والواقع أن أي رئيس قادم سيواجه تحديات لا مثيل لها منذ تأسيس الدولة الأردنية.

بقيت حكومة الرزاز ما يُقارب عامين وثلاثة شهور في السلطة، وحظيت بمديح قل نظيره في الأشهر الأولى من توليها زمام الأمور، غير أنها وقبل رحيلها بأشهر تعرضت للسخرية والتندر بسبب قراراتها وتوجهاتها، واليوم وهي تحزم حقائبها تنتشر حملة من التشفي برئيسها وفريقها.

صمد الرزاز أكثر من الرئيس هاني الملقي الذي أجبرته احتجاجات صاخبة على قانون ضريبة الدخل على الاستقالة، ورحلة الرزاز لم تكن طريقا مُعبدا بالورود، فقد بدأ عهده بأطول إضراب للمعلمين في تاريخ المملكة، وانتهى، وربما كانت الضربة التي قضت عليه، بحل مجلس نقابة المعلمين واعتقال وتوقيف كل قيادات مجلسه.

في أكثر من عامين انشغلت حكومة الرزاز وأرهقت بمعالجة قضية فيضان البحر الميت، وغرق وسط البلد، ولم ترحمها جائحة كورونا حين صنعت لها شعبية ونجومية مؤقتة، ثم استنفذت ما تبقى من رصيدها الشعبي وقضت عليها.

مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية وفي آخر استطلاع له قبل أيام قارن بين شعبية حكومة الرزاز في شهر مارس منذ بدء جائحة كورونا، وبعد ستة أشهر، وتحديدا في السابع والعشرين من شهر سبتمبر الجاري، فكانت النتائج فاجعة ومؤذية لحجم التراجع، فقد أظهرت الأرقام أن 10 بالمئة فقط اعتبروا أن الأمور تسير بالاتجاه الإيجابي في الأردن الآن، في حين كان 91 بالمئة يرونها كذلك في مارس.

مهما كان اسم الرئيس فإن "السيستم" يُخضعه لمنظومته وقواعده ويترك له هوامش ليتحرك بها

وأكثر من ذلك فإن 56 بالمئة لا يثقون بالأعداد التي تُعلنها الحكومة عن الإصابات بفيروس كورونا، و31 بالمئة غير راضين عن القرارات والإجراءات التي اتخذتها الحكومة بمواجهة الجائحة، و57 بالمئة يرون أن الحكومة لم تنجح في إدارة ملف التعامل مع الوباء.

لا تحظى نتائج استطلاع الرأي لمركز الدراسات الاستراتيجية بإجماع وثقة الأردنيين، وأحيانا كانت هناك أصوات تُشكك بها، وترى أنها توظف لخدمة مسارات سياسية، قد يكون من بينها كما همس في أذني وزير "حرق الحكومات".

تقييم مركز الحياة ـ راصد للأداء الحكومي وقبيل رحيلها الرسمي نبه إلى أن نسبة البطالة ارتفعت في عهد الحكومة من 18.7 بالمئة إلى 22 بالمئة، وأن المديونية زادت 4 مليارات لتصل إلى 32 مليار دينار، وأن الحكومة أنجزت 21 بالمئة من الالتزامات التي تعهدت بها، و54 بالمئة قيد التنفيذ، و20 بالمئة لم يبدأ العمل بها.

من السهل أن تدافع حكومة الرزاز عن نفسها لتفنيد هذه الأرقام، فالجائحة كارثة عالمية عابرة للحدود، وكل الاقتصاديات العالمية الكبرى تضررت، ومن الطبيعي أن تزيد البطالة والمديونية في الأردن.

جاهد الرئيس الرزاز للحفاظ على صورته حتى آخر لحظة، وكانت تمتلكه الهواجس في بداية عهده من الإضرار بإرث عائلته، فوالده هو المناضل القومي منيف وشقيقه الكاتب المبدع مؤنس، والمؤكد بعد خروجه أن الصورة تضررت، وتعرضت لشروخ عميقة، وليس من السهل ترميمها.

طوال العقود الثلاثة الماضية عرفت كل رؤساء الحكومات في الأردن، وربطتني بجلهم علاقات إيجابية دون تبعية، أو توقف عن انتقادهم، كلما شعرت أن هناك خللا، وأكثر حكومتين استأثرت باهتمامي حكومة عبد الكريم الكباريتي عام 1996 ووجدت في رئيسها كاريزما قيادية أعادت لموقع الرئيس هيبته، وتعلقت بحكومة الرزاز عند تشكيلها، فهو قريب من القيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، وكان هذا مبعث أمل بالتغيير حتى ولو كان نسبيا ومحدودا.

اختيار رئيس الحكومة مرتبط بإرادة الملك وهو لن يحكم مُنفردا

والنتيجة، من دون مبررات ومحاولات تجميل الرزاز وفريقه، مُحبطة ومُخيبة لرهان من تعلقوا بالأمل، ولن أقبل بتحميل أطراف أخرى بالسلطة مسؤولية وصولنا لطريق مسدود، فالمعادلة بسيطة عندي، إن لم تنجح، ولم تفتح للنور؛ استقل.

مهما كان الرئيس في الأردن ومهما كانت أفكاره فإن "السيستم" يُخضعه لمنظومته وقواعده، ولا يترك له سوى هوامش يتحرك بها، وحين يحاول أن يفرض بصمته أو يغرد خارج السرب، فإنه يجد نفسه وحيدا، وفريقه لا يسانده ويحميه، وبتكرار الفشل يرفع الراية البيضاء، ويتعلم الدرس فيصبح ترسا في ماكينة "السيستم".

مطلوب رئيس وزراء في الأردن بكفاءة وقوة "سوبرمان" قادر على مواجهة الكوارث والصعاب، وصناعة النصر مهما كانت الظروف.

قبل أن يختار الملك رئيس الحكومة المقبل أشعر بالحزن والشفقة عليه، فأينما صوّب وجه فالأبواب موصدة، وجائحة كورونا رمال متحركة ستُقلق حياته، والاقتصاد على شفير الهاوية.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.