سيد قطب
سيد قطب

يقول التاريخ إن سيد قطب تم إعدامه في أواخر الستينيات في مصر في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.

وتقول الروايات عن الحدث أنه عُرض على سيد قطب في يوم تنفيذ الإعدام بعد أن تم وضعه على كرسي المشنقة أن يعتذر عن دعوته لتطبيق الشريعة كي يتم إصدار عفو عنه فقال: "لن أعتذر عن العمل مع الله". فقالوا له إن لم تعتذر فاطلب الرحمة من الرئيس جمال عبد الناصر فقال: "لماذا أسترحم؟ إن كنت محكوما بحق فأنا أرتضي حكم الحق وإن كنت محكوما بباطل فأنا أكبر من أن أسترحم الباطل".

وروي أيضا أن الذي قام بعملية تلقينه الشهادتين قبل الإعدام قال له: "تشهد" أي انطق بالشهادتين فقال له سيد: "حتى أنت جئت تكمل المسرحية نحن يا أخي نعدم لأجل لا إله إلا الله وأنت تأكل الخبز بلا إله إلا الله".

وكان سيد قطب، كما يحكى، يبتسم عندما سيق إلى المشنقة ابتسامة عريضة نقلتها كاميرات وكالات الأنباء الأجنبية حتى أن الضابط المكلف بتنفيذ الحكم سأله: "من هو الشهيد؟ فرد عليه سيد قطب بثبات وعزيمة «هو من شهد أن شرع الله أغلى من حياته»". وقبل أن ينفذ الحكم أتوه برجل من الأزاهرة فقال له "قل لا إله إلا الله" فرد عليه سيد قطب: "وهل جئتُ هنا إلا من أجلها" وتم تنفيذ حكم الإعدام ونفذ فيه في فجر الإثنين 13 جمادى الأولى 1386 هـ الموافق 29 أغسطس عام 1966 م.

والسؤال المطروح هنا "هل تم إعدام سيد قطب؟". ليس سؤالا عبثيا أو خياليا، لأن سيد قطب ليس فقط هو الجسد الذي يأكل ويشرب ولكنه في حقيقة الأمر هو "فكر" أسس للعديد ـ إن لم يكن أغلب ـ الحركات الجهادية في العالم والتي تنتهج العنف الدموي كوسيلة لنشر الفكر الديني وفرضه على الناس.

فهل انتهى فكر سيد قطب وهل تم إيجاد فكر بديل له لفهم أسس الدين بطريقة ترفض جميع أنواع العنف والكراهية حتى نستطيع القول إنه تم فعلا "إعدام سيد قطب"؟

فسيد قطب الذي بنى أفكاره على مبدأ "الحاكمية لله"  كان يرى أن الجهاد الحقيقي يتمثل في غزو مختلف البلاد لإزالة حكم الطاغوت وذلك لأن الإسلام ـ من وجهة نظره ـ هو إعلان عام لتحرير الإنسان من العبودية للعباد، فهو كما يراه فهو نظام رباني يهدف إلى إزالة الأنظمة والحكومات التي تقوم على أساس حاكمية البشر للبشر ورد الحاكمية إلى الله، ولذلك فإن محاولات تعريف الجهاد في الإسلام بأنه مجرد حرب دفاعية لصد العدوان هي ـ في فكره ومفهومه ـ محاولات شيطانية تنم عن قلة إدراك لطبيعة هذا الدين، ولطبيعة الدور الذي جاء ليقوم به في الأرض.

والعجيب أنه بعد موت سيد قطب جسديا بقى فكره يعيش وينمو بل ويترعرع في العالم الإسلامي حتى رأينا فكره الجهادي ينتشر في ربوع الأرض من مشرقها إلى مغربها. فرأينا الحركات التكفيرية الجهادية تنموا في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا ويترعرع بعضها في مساجد في الغرب تحت شعار "الحرية الدينية"!

وكان ثمرة هذا الانتشار لفكر الرجل هي العديد من العمليات الإرهابية في شتى بقاع الأرض واعتداءات على المدنيين والمسالمين في أماكن عديدة مثل نيويورك ولندن وباريس وجنوب شرق آسيا وأفريقيا على أيدي تنظيمات مثل "القاعدة" و"بوكو حرام" و"داعش" و"الجهاد الإسلامي" وغيرها من التنظيمات الجهادية التي انتهجت فكر سيد قطب فعاش فكره المنحرف الدموي فيها حتى بعد "إعدامه" جسديا.

وأقرب مشهد يطل على ذهني من هذه العمليات هو الاعتداء الذي تم في باريس منذ بضعة أيام بالسواطير على أفراد مسالمين بسبب إعادة نشر صور كاريكاتور "شارلي إيبدو" الشهيرة!

فهل مات فعلا سيد قطب، فيما فكره ما زال يحرك الكثيرين حتى يومنا هذا في داخل عاصمة النور "باريس"؟

وهل تم إعدام الرجل في حين أن مبدأ "الجهاد لنشر الدين وإعلاء كلمة الإسلام" الذي آمن به سيد قطب لم يزل مبدأ أساسيا في الفكر الإسلامي ويتم تدريسه رسميا في كتب الفقه والشريعة؟

وبمنتهى الصراحة أقول إن إعدام سيد قطب الحقيقي لم يتم بعد وسيتم فقط ـ وأعني هذا بالحرف ـ حينما يتبنى رجال الدين وحماة الشريعة فكرا آخر يرفض بوضوح وبدون مواربة مبدأ القتال لنشر الدين ـ وهو المبدأ الذي قامت عليه ما يسمى بالفتوحات الإسلامية!

وحتى يتم هذا الأمر ويتغير الفقه الإسلامي في الكتب التي يدرسها الأزهر وغيره من الجامعات والمعاهد الإسلامية فيرفض بوضوح مبدأ العدوان لنشر الدين أي مبدأ "الفتوحات" ـ فإن سيد قطب سيكون حيا يرزق لأن فكره لم يزل حيا ومنتشرا داخل الكثير من العقول وفي العديد من الكتب التي يتم تدريسها باسم الدين!

فمتى يا ترى سيتم الإعدام الحقيقي لسيد قطب؟!

وللحديث بقية!

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.