شريف جابر نشر مقاطع اعتبرت مسيئة للإسلام
شريف جابر

أصوات كثيرة تعبر اليوم عبر الإنترنت بشكل علني عن مواقفها المنتقدة للدين الإسلامي الذي نشأت فيه و/أو عن إلحادها بشكل رسمي.

عدد من هذه الأصوات ينشر فيديوهات ومقالات بوجه مكشوف، والبعض الآخر يفضل عدم الكشف عن هويته الحقيقية لأسباب تتعلق بسلامته الشخصية، وهي أسباب نستطيع تفهمها.

بغض النظر عن اتفاقنا مع هذه الأصوات أو لا، وبغض النظر عن موقفنا من المحتوى الذي تقدمه، فهي تستدعي منا أن نتوقف عند عدد من النقاط:

النقطة الأولى تتعلق بالإمكانيات الرائعة التي تمنحها التكنولوجيا للتعبير بحرية. كثيرا ما ننتقد عبث ورداءة المحتوى على مواقع التواصل الاجتماعي وعلى الإعلام الإلكتروني. لكن الحقيقة أن هذه المواقع، بقدر ما توفر فرصة التواصل لخطابات التطرف أو الرداءة، فهي أيضا توفر الفرص لمحتويات رصينة في مختلف الميادين... محتويات ما كانت لتجد مكانا لها في المنابر الكلاسيكية! وهذا ربما مكسب علينا أن ننتبه له ونشيد به. مكسب يغني حرية التعبير ويساهم في النقاش وتطوير المعرفة، كما يُمَكن أصواتا كثيرة من الوصول إلينا.

هناك إحساس دفين في العقل الباطن المتدين بأنه وحده محق وأنه يملك الحقيقة المطلقة، وأن العالم والكون يتآمر ضده وضد تدينه

النقطة الثانية التي يثيرها هذا المحتوى مرتبطة بعلاقتنا بالتاريخ ونكراننا لعدد من فصوله. وجود شخصيات مثل شريف جابر أو قصي بيطار أو كافر مغربي أو غيرها، يعطينا الانطباع بأنها أولى الأصوات التي عبرت عن موقف منتقد صريح من الدين. التاريخ الإسلامي، على مدى أربعة عشر قرنا، عرف العديد من الأصوات المنتقدة. بعضها دمرت كتبه وبعضها سجن أو عذب أو قتل باسم حماية الدين...

القاعدة نفسها تستمر اليوم مع أصوات يعيش بعضها في مجتمعات ذات أغلبية إسلامية ويتعرض للهجوم الشنيع وأحيانا للتعسف من طرف السلطة، ويخاف بعضها الآخر على حياته.

لكن هذا لا ينفي وجود متابعين بعشرات الآلاف، بل وبالملايين بالنسبة لبعضهم.

متابعة التعليقات الواردة على محتويات هذه القنوات والمواقع، يجعلنا نقف على عينتين من الردود. العينة الأولى تجدها سخية في عبارات الشتم والسب والقذف والاتهامات المجانية، بشكل يجعلك تتساءل: كيف يتصور البعض أنه، باستعمال السب والشتم والعنف والاتهام بدون حجج، يدافع عن دينه ويقوي حجته؟ هل هذه هي الأخلاق المفترضة التي يعلمه إياها الدين؟

العينة الثانية تترجم تعليقات معجبة بمحتوى القناة، تناقشه وتعززه بحجج جديدة، بما يفيد بأن هاته الأصوات التي ترتفع لتنتقد الدين أو لتعلن عن إلحادها، ليست أصواتا وحيدة نشازا، بل لها من يشاركها الصدى في المجتمعات التي تنتمي إليها، وبالآلاف...

لو كان تدينك صادقا قويا، فلن تزعزعك أصوات الملحدين والناقدين.... اللهم إن كانت تجد لكلامها صدى في نفسك وإن كنت تخاف هذا الصدى!

هناك نقطة ثالثة يثيرها وجود هذه المواقع والقنوات، وهي مرة أخرى متعلقة بكم الهجوم الذي تتعرض له، لمجرد أنها اختارت أن تعبر عن مواقفها بشكل صريح وعلني. كيف يكون من حق الشيوخ ورجال ونساء الدعوة التعبير عن مواقفهم في التلفزيون الرسمي والقنوات الخاصة والمنابر المساجد وقاعات الندوات... ويعتبر البعض بأنه ليس من حق الأصوات النقدية أن تعبر عن نفسها في الوسيلة الوحيدة المتاحة لها، وهي الإنترنيت وعدد قليل من المنابر الإعلامية؟

لماذا يتساءلون عن "من وراء هؤلاء" ولا يتساءلون عن مصادر تمويل الشيوخ والقنوات الدينية ومواقع الرقية الشرعية والتداوي بالأعشاب؟

إن كان من حق الداعية أن يمارس الدعوة، ومن حق المفتي أن يفتي حتى وهم يدعون للإقصاء والتطرف والعنف، فمن حق أصوات مختلفة أخرى أن تعبر عن نفسها بحرية ومن حق الكثيرين أن يجدوا أنفسهم وذواتهم فيها.

لكن هناك إحساس دفين في العقل الباطن المتدين بأنه وحده محق وأنه يملك الحقيقة المطلقة، وأن العالم والكون يتآمر ضده وضد تدينه.

علما أنه، لو كان تدينك صادقا قويا، فلن تزعزعك أصوات الملحدين والناقدين.... اللهم إن كانت تجد لكلامها صدى في نفسك وإن كنت تخاف هذا الصدى!

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.