Lebanese Parliament Speaker Nabih Berri, speaks during a news conference, in Beirut, Lebanon, Thursday, Oct. 1, 2020. Berri…
بري خلال الإعلان عن الاتفاق الإطار

في الثامن من سبتمبر 2020 فرضت الولايات المتحدة الأميركية عقوبات على وزير المالية السابق علي حسن خليل، المعاون السياسي لرئيس مجلس النواب نبيه بري.

في اليوم التالي، تحدّث طرفان عن "الاتفاق الإطار" الذي يُفرض أن يجمع لبنان وإسرائيل في حوار مباشر لحل النزاع البحري بينهما على منطقة تمتد على مساحة 855 كيلومترا مربعا.

التصريح الأول كان لـ"هيئة الرئاسة في حركة أمل" التي جمعها برّي الذي يتولّى التفاوض مع الخارجية الأميركية حول "الاتفاق الإطار"، أما التصريح الثاني فكان لمساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى ديفيد شنكر، الذي كان آخر من تولّى هذه المهمة، من الجانب الأميركي.

"تصريح برّي" هو الذي ربط، مباشرة بين العقوبات التي استهدفت معاونه السياسي وبين "نقاط عالقة" في "الاتفاق الإطار" الذي بين يديه.

إسرائيل بدأت تحصد ما كان، حتى الأمس القريب، مستحيلا، فلبنان، بفتح مفاوضات مباشرة معها، تقدّم خطوة نوعية، وبموافقة من أعتى رافعي الشعارات ضدّ وجودها، نحو التسليم بوجودها كدولة

أمّا كلام شنكر الذي قاله في معهد "بروكينز"، غداة فرض تلك العقوبات، فأشار إلى أن هناك "نقاطا سخيفة" تشكّل "نقاط خلاف"، مبديا جهله بالأسباب التي تعرقل انطلاق المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، على الرغم أن المسألة تتعلّق بـ "أموال مجانية لدولة تمر بأزمة مالية"، وقال:" أنا محبط من حقيقة أن بيروت لم تُظهر أي عجلة لإيجاد طريقة لبدء التفاوض مع إسرائيل".

إلا أن لا برّي ولا شنكر كشفا مضمون هذه "النقاط السخيفة".

كل ما حصل بعد ذلك، أن برّي وشنكر، وبعدما تبادلا الرسائل عبر وسائل الإعلام وفهم أحدهما على الآخر، أعادا هذه الموضوع إلى خانة "السري للغاية"، فيما بدأت مبادرة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تشهد عرقلة، لم تكن في الحسبان.

وبات مؤكدا أن "الثنائي الشيعي"، وبعد العقوبات التي شملت إلى خليل وزير الأشغال السابق يوسف فنيانوس، بداعي تقديم "خدمات فاسدة" لـ"حزب الله"، تراجع عن "التسهيلات" التي كان قد قدمها لإنجاح المبادرة الفرنسية، فرفع شعار "الميثاقية" تمسّكا بحقيبة وزارة المال التي لم يشغلها وزير من الطائفة الشيعية من الطائف حتى حكومة حسّان دياب سوى بنسبة 36 بالمئة فيما شغلها وزراء من الطائفتين المارونية والسنية بما نسبته 64 بالمئة، كما أعلن تمسكه بتسمية الوزراء الشيعة، بما يتناقض كليا مع مضمون وروحية "حكومة المهمة" التي تقوم على دعم سائر الأطراف السياسية من دون أن تضم أي وزراء يمثلونها.

وكان لافتا للانتباه أنه في وقت دخل "الثنائي الشيعي" في "اشتباك لفظي" ـ ولو بقي مضبوطا في إطار عدم إغلاق الأبواب ـ مع الرئيس الفرنسي الذي جرى اتهامه بأنه انحاز لإرادة الولايات المتحدة الأميركية، تولى برّي، أحد ركني هذا "الثنائي" الإعلان عن الموافقة على "اتفاق الإطار" وتاليا عن بدء المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية.

والمهم في هذا الإعلان أن واشنطن التي كان قد جدّد الأمين العام لـ"حزب الله" اتهامها بأنها تحاصر لبنان، هي الوسيط المطلوب لتسهيل توصّل لبنان وإسرائيل إلى اتفاق من شأنه، وفق برّي، توفير ما يحتاجه لبنان من أموال لتسديد ديونه.

الخارجية الأميركية تريد أن تقفز "فوق التوقيت" لأن الإبحار فيه "غير دبلوماسي"، و"الثنائي الشيعي" كذلك، لأن السير بما كان سابقا يعرقله "لأسباب سخيفة"، وفق تأكيدات شنكر، يؤكد إصابته بوهن كان كثير من المراقبين قد بدأ الحديث عن عوارضه.

ولكن إذا كان التوقيت حمّال أوجه، فإن الظروف التي أحاطت بإعلان بري للاتفاق الذي على أساسه ستبدأ المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية، في مقر الأمم المتحدة في الناقورة بوساطة أميركية، لا يُمكن القفز فوقها.

وهذه الظروف يُمكن إدراجها، ولو من باب الاختصار، كالآتي:

1 ـ تقديم "الثنائي الشيعي" للبنانيين ما يمكن أن يُنسيهم التداعيات التي تترتب، ماليا واقتصاديا وسياسيا ودبلوماسيا، على نسف المبادرة الفرنسية، بتوليد آمال على "سمك في البحر"، بعدما جرى رمي "السمكة" التي كانت في "السلّة"، على اعتبار أن "اتفاق الإطار" هو خطوة أولى في رحلة محفوفة بكثير من الألغام التي تبدأ بثبات النيات ولا تنتهي بفرض شروط مستحيلة. محاولة ربط الترسيم البحري بالترسيم البرّي، في ظل عدم حسم ملكية لبنان لمزارع شبعا مع سوريا، قد يكون مثالا.

2 ـ الاعتقاد بأن دخول الولايات المتحدة وسيطا من شأنه أن يُخفّف من حجم هجمتها العقابية، في إطار اتباعها استراتيجية "الضغط الأقصى" الذي تمارسه على إيران وملحقاتها العسكرية في المنطقة، وذلك انتظارا لنتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية.

3 ـ إفهام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن الضغوط التي يمارسها على "الثنائي الشيعي" لا تُجدي نفعا، فإذا غاب هو حضر الأميركيون.

4 ـ إعادة إمساك "الثنائي الشيعي" بالواقع اللبناني، من خلال إرسال ما يكفي من أدلة بأن لديه ما يكفي من أوراق لتعويمه، حتى مع ألد أعدائه.

5 ـ إفهام المجتمع الدولي أن "الثنائي الشيعي" بما يملك من قوة وحده القادر على أن يُعطي في لبنان، فهو يُعرقل وهو يُسهّل، وهو يقبل وهو يرفض، هو يحل وهو يربط.

ولكن مهما كانت عليه الأسباب التي أدّت إلى إسقاط الثنائي الشيعي للـ"فيتو" عن انطلاق المفاوضات الحدودية بين لبنان وإسرائيل، فإنّ ثمة جمودا قد تحرّك فعلا، وقد يجد فيه جميع اللاعبين ضالتهم.

إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ومهما كانت عليه نتائج الانتخابات، أثبتت أن استراتيجيتها في الشرق الأوسط قد أنتجت، فهي فتحت الأبواب الموصدة لحل النزاعات من جهة أولى، ولخلق إطار سلمي ـ تسووي جديد بين العرب وإسرائيل، من جهة أخرى.

كما أن اتهامها بمحاصرة لبنان سقط، بمجرد توسلها لتكون وسيطة، في تسهيل إنجاح قضية من شأنها أن تدر أموالا طائلة على دولة متهالكة ماليا واقتصاديا.

إن "الشيطان الأكبر" تحوّل، بين ليلة وضحاها، إلى "ملاك الرحمة".

وإسرائيل بدأت تحصد ما كان، حتى الأمس القريب، مستحيلا، فلبنان، بفتح مفاوضات مباشرة معها، تقدّم خطوة نوعية، وبموافقة من أعتى رافعي الشعارات ضدّ وجودها، نحو التسليم بوجودها كدولة، بعدما كان الجميع يعتبر أنها "مجرد كيان مغتصب لفلسطين". قد يستعمل البعض هذا التعبير مجددا، ولكن، بعد الموافقة على إجراء مفاوضات مباشرة، فهذا النوع من الكلام، لم يعد له أي معنى جيوسياسي، بل يستحيل إخراجه من إطار المزايدات هنا والتلهّي بالشعارات هناك.

اتهام واشنطن بمحاصرة لبنان سقط، بمجرد توسلها لتكون وسيطة، في تسهيل إنجاح قضية من شأنها أن تدر أموالا طائلة على دولة متهالكة ماليا واقتصاديا

وثمة حلفاء لـ "حزب الله" استغلوا هذه المناسبة لإيصال رسالة إلى واشنطن. يتقدّم هؤلاء الوزير السابق جبران باسيل، الذي ومن دون أن تكون له أي صلة، لا سابقا ولا راهنا، بالمفاوضات المرتقبة مع إسرائيل، سارع إلى تدبيج بيان يؤشّر فيه إلى التبرّؤ من كل صلة بإيران، من خلال إشارته إلى أن لبنان لن يفاوض لا على الطريقة العربية ولا على الطريقة الفارسية.

استفاد جبران من صلة المصاهرة برئيس الجمهورية ميشال عون ليكتب هذه الرسالة. هو أيضا لديه ما يخسره في واشنطن، من دون أن يكون لديه ما يبيعه، سوى... المصاهرة.

على أي حال، لبنان اجتاز مفرقا استراتيجيا جديدا، على وقع غبار أثاره قصف معلوماتي بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو وبين الأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصرالله.

نتنياهو بثّ معلومات عن مخاطر مخازن أسلحة "حزب الله" على المدنيين. نصرالله كذّبه.

ليس المهم من هو الصادق ومن هو الكاذب، لأن الأهم أن الاثنين يجيدان لعبة تبادل الخدمات!

حتى تاريخه، اتفاق الإطار، يبقي في خانة تبادل الخدمات هذه.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.