In this combination image of two photos showing both President Donald Trump, left, and former Vice President Joe Biden during…
بايدن وترامب خلال المناظرة الأولى

تحظى الانتخابات الرئاسية الأميركية الحالية بمتابعة حثيثة نادرة من جانب مراكز المتابعة المختصة في العديد من دول العالم، لأسباب ليست خافية على أحد. فنحن هنا إزاء مقاربتين مختلفتين للتعاطي الأميركي مع الشؤون الدولية، كما التعاطي مع الأصدقاء والأعداء على حد سواء.

درءا للمفاجئات

ويعتبر الشرق الأوسط من الأقاليم التي تتابع هذه الانتخابات عن كثب مشوب بالقلق. وقد قيل بأن توقيت التوقيع على اتفاقات السلام بين الإمارات والبحرين وإسرائيل قد صمم بعناية قد يعطي دفعة للحملة الانتخابية للرئيس دونالد ترامب فيما يتعلق بتحقيق مكاسب على صعيد السياسة الخارجية. وبصرف النظر عما إذا كان ذلك صحيحا أم لا، فمن المؤكد أن عددا من العواصم العربية اكتشفت في السنوات الأخيرة فضيلة الاستثمار (وإن بحذر) في السياسة الداخلية الأميركية، إما بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

أكثر من ذلك قيل بأن خطوة إقامة العلاقات بين الدول الخليجية وإسرائيل، وفي صيغة أخرى التحالف مع إسرائيل، هي خطوة استباقية لما قد ينجم عنه فوز الحزب الديمقراطي بالرئاسة من تغير في سلم الأولويات الأميركية في المنطقة، وبالتحديد العلاقة مع إيران وربما تركيا أيضا. بمعنى أن هذه الدول لا تريد أن تترك نفسها فريسة للمفاجئات التي قد يجلبها فوز المرشح الديمقراطي جو بايدن. أما في حالة فوز ترامب بولاية ثانية فهي تستطيع أن تبني على ما حققته.

الصورة الأكبر

لكن الأمر الذي يركز عليه المحللون الاستراتيجيون بالنسبة للسياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط، هو ليس المقاربات التكتيكية التي قد تلجأ إليها هذه الإدارة الأميركية أو تلك، وإنما في الصورة الأكبر لما تريد أن تراه الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وكيف تتصور نفسها ودورها ومصالحها في هذه المنطقة الحيوية من العالم.

هذه الصورة ليست معطى جاهزا أو منجزا بطبيعة الحال، ولكنها آخذة بالتطور والتبلور خلال العقود القليلة الماضية. ثمة محاولات واستفزازات لهز هذه الصورة، من جانب هذا الطرف الإقليمي أو ذاك، لكنها تبدو عاجزة حتى الآن عن منعها من التبلور أو تحديد مسارها، والاتجاه العام لها هو أن هذه المنطقة بدأت تفقد أهميتها الاستراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة.

ماذا يعني ذلك؟

هذا الاتجاه لم يبدأ الآن كما هو معروف ولكن منذ سنوات عدة. وهو لم يعد محل جدل أو خلاف بين المحللين وصناع السياسة، ولكن الخلاف هو حول نوعية الاستخلاصات التي تتوصل لها كل إدارة أميركية بشأن ماذا يعني بالتحديد: خفض أو إنهاء الانخراط الأميركي في شؤون الشرق الأوسط؟

هل يعني مثلا أن الولايات المتحدة سوف تخرج من المنطقة كليا؟ هل يعني أنها سوف تستبدل الوجود العسكري أو التدخل العسكري بأشكال مختلفة تجمع ما بين النشاط الدبلوماسي والسياسي والمساعدات؟ هل هو يعني الاعتماد على التحالفات الإقليمية والدفع بترتيبات خاصة تشمل تموضعات للقوات الأميركية في قواعد محددة في المنطقة؟

هل يعني مواصلة الاعتماد على أسلوب العقوبات، مع التلويح بالقوة كلما كان ذلك ضروريا، لكن من دون أي التزام على المدى الطويل؟

اختلافات طفيفة

في هذا الصدد يمكننا أن نميز بين السياستين الخاصتين بترامب وبايدن.
فرغم أن كلاهما لا يختلفان بشأن الصورة الكبيرة، والمتمثلة في دعم إسرائيل، و"وضع حد للحروب التي لا نهاية لها" وسحب معظم القوات الأميركية من المنطقة، والاحتفاظ ببعضها لمواجهة تنظيمي "القاعدة" و"داعش". بل هناك مؤشرات على أن بايدن (في حال فوزه) ربما يحافظ على العديد من السياسات التي اتخذها ترامب مع بعض التغييرات الطفيفة، حيث تعهد بالإبقاء على السفارة الأميركية في القدس، وكذلك تشجيع المزيد من الدول العربية على إقامة علاقات مع إسرائيل.

إلا أن ثمة بالطبع تفاصيل تستحق الذكر هنا. على سبيل المثال، تعهد بايدن (الذي يفضل تبني أسلوب الدبلوماسية) في الجزء الخاص بالسياسة الخارجية من برنامجه الانتخابي، بإنهاء الدعم الأميركي للحرب التي تقودها السعودية في اليمن، وكذلك وقف صادرات السلاح إليها وربما اتخاذ موقف متشدد مع المملكة. كذلك تعهد بايدن بالعودة إلى الاتفاق النووي مع إيران، مع التعهد بممارسة الضغط على طهران وربما صياغة اتفاق إضافي يشمل النشاطات الإيرانية غير النووية. أما بالنسبة لتركيا فتصريحات بايدن تشير إلى عزمه اتباع نهج متشدد تجاه حكومة الرئيس رجب طيب إردوغان.

المحاور والتحالفات

لكن هذه التمايزات والاختلافات على أهميتها تبقى عرضة للانزياح بسبب الشد والجذب والمفاوضات والحسابات السياسية المختلفة، فضلا عن المصالح الأميركية وتطور الوضع على الأرض. وهي لا تغير من الصورة الأكبر: أن الولايات المتحدة آخذة في التخفف من شؤون الشرق الأوسط، وعاجلا أو آجلا سوف يتعين على دول المنطقة أن تتعلم كيفية حل مشاكلها بنفسها، أو تغرق في المزيد من الفوضى والدمار. ربما من هذا السياق نستطيع أن نفهم الاتجاه المتزايد في العالم العربي لإقامة علاقات مع إسرائيل.

طبعا لو كان ثمة حد أدنى من الثقة وتوفر أطر سياسية فعالة بين دول المنطقة، لرأينا حلولا واتجاهات أخرى أيضا، لكن للأسف فإن السائد بين هذه الدول هو منطق الاستحواذ والغلبة والتآمر السياسي والإعلامي والقضم والتدخلات. ولأن الأمر هو كذلك يصبح اللجوء إلى سياسة المحاور والتحالفات هو الوصفة المفضلة، وهو أمر يبدو أننا سنعيش معه سنوات طويلة قادمة.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.