People take refuge in a bomb shelter in Stepanakert, the self-proclaimed Republic of Nagorno-Karabakh, Azerbaijan, Tuesday, Oct…
الاختباء من القصف في أحد الملاجئ

الغالب على الشعب الأذري، في أذربيجان نفسها كما في إيران (حيث يشكل زهاء ربع مجموع السكان)، الإسلام على مذهب الشيعة الإمامية. هو شعب ناطق بلغة تركية قريبة من تلك السائدة في تركيا نفسها، وإن اختلفت مصادر إثرائها بالمصطلحات المستحدثة. اللغات التركية بعيدة في أصولها عن الهندو ـ أوروبية، العائلة اللغوية الكبيرة والتي تقع اللغة الأرمنية عند أطرافها. دينيا، الشعب الأرمني وثيق الارتباط بالمسيحية، كنيسته مستقلة، سابقة للمجمع الخلقدوني والذي إليه ينتسب الأرثوذكس والكاثوليك. وإيمانها، كما الكنيسة القبطية قائم على الطبيعة الواحدة للسيد المسيح. وقد كان لمملكة أرمينيا السبق في مطلع القرن الرابع أن كانت الدولة الأولى التي تشهر المسيحية دينا رسميا.

يمكن بالتالي، كما يجري في الكثير من المتابعات في المحيط العربي، تأطير الصراع في أبعاده القومية والدينية، المستدعية للاصطفافات. ويقوّي هذا التوجه أن من يدعم الأذريين هو الرئيس التركي نفسه، وهو وفق الخطاب التبجيلي مجدد العزّة العثمانية وناصر قضايا المسلمين في كل مكان ـ على ما يبدو باستثناء الأويغور، والذين لم يشفع لهم دينهم الإسلامي، ولم تنفعهم قوميتهم التركية ولغتهم التركستانية، ليجدوا حظوة لديه يعترض معها لدى الصين عمّا تقترفه بحقّهم من الإذلال والإبادة والتذويب. وأن من يدعم الجانب الأرمني هي روسيا، والتي أعلنت نفسها حامية للمسيحيين في هذا الشرق المتعب. يسهل مع هذا التأطير بالتالي الفصل بين من يستحق الدعم، وبين من تتوجب عليه الإدانة.

ومن ثم، بعد انجلاء ذلك، يمكن استرجاع المعطيات التي تبرّر الموقف وتؤصله، من المعتدي ومن المعتدى عليه، من صاحب الأرض ومن الطارئ عليها، من الضحية ومن الجلاد.

سواء كان الدافع منطق "فرّق تسُد" أو الإيمان الشيوعي، فإن الحصيلة، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي كانت استفحال الصراع، لا زواله

توجه الاصطفاف هذا تعسفي من حيث الموضوع، وربما استشفائي، من حيث الذات. أي أن الغرض منه ليس تقصي الوقائع، بل إدارة العواطف الفائضة في شؤون لا علاقة مباشرة لها بالقوقاز. وإذا كان ثمة خطر للانزلاق والإثارة هنا، فإن في الأمر أيضا فرصة للمراجعة النقدية.

السجال مستمر بشأن من باشر الأعمال العدوانية التي أدّت إلى اندلاع الحرب الجارية. على أن الواضح هو أن الجيش الأذربيجاني أفضل تجهيزا وأكثر استعدادا وأوضح خطة، ثم أن القرار في العاصمة باكو، بشأن ضرورة حسم هذه القضية المفتوحة من أكثر من ربع قرن، والمتمثلة بواقع انفصالي قد استهلك خمس مساحة البلاد، أصبح أكثر إصرارا مع تحسّن الأحوال الاقتصادية لأذربيجان.

وبالإضافة إلى اقتناع أذربيجاني بأن المسألة هي ابتداءً استعادة لحق سيادي، فإن الاعتراض الصادح كان ولا يزال بأن الأسرة الدولية، إذ رضيت بالأمر الواقع الانفصالي، وإن بزعم المؤقت، بحجة ضمان حقوق مئة وخمسين ألف من السكان الأرمن في المقاطعة، إذ هم مصرّون على حقّهم بتقرير المصير، فإن هذه الأسرة الدولية قد تطبّعت مع الواقع الوقح، دون استهجان مناسب، بأن ضمان هذه الحقوق قد صاحبه تهجير أعداد كبيرة من الأذريين وغيرهم من ديارهم، يناهز خمسة أضعاف مجموع عدد السكان الأرمن في المقاطعة المنفصلة.

القراءات الأرمنية لا تقبل بأن يبتدئ النظر بالحقوق، والأعداد، من مطلع تسعينيات القرن الماضي، بل تطالب باعتبار القضية في سياقها الأطول، وإن بالعودة كحد أدنى لعقود قليلة قبل هذه الحوادث. فالتمسك بأراضي أرتساخ، وهي الراسخة تاريخيا في صميم الهوية الذاتية الأرمنية، هو رد فعل مقاوم إزاء فعل اعتداء مثابر، وإن تبدلت أسماء الفاعل، لاجتثاث الوجود الأرمني من أرضه التاريخية. فمنذ القرن التاسع عشر، وبمزيج متصاعد من الإهمال والاستغلال والقمع والقتل والترحيل، تبدلّت التركيبة السكانية لهذه المنطقة الواقعة حينها وإلى اليوم عند تقاطع نفوذ ثلاثة دول مهيمنة، الدولة العثمانية وتركيا من بعدها، ثم إيران، ثم روسيا.

وإذا كانت روسيا القيصرية قد شكّلت دعما ثابتا للحضور الأرمني، فإنها خلال الحقبة السوفياتية، وبعد أن استقر لها الحكم على المنطقة بأكملها، هي متّهمة بأنها لم تسعَ لإخماد التوتر بل تعمّدت إبقاء النار تحت الرماد، ولم تعمل على حل القضايا القومية، بل بطّنتها في "الجمهوريات" النظرية الوهمية في القوقاز الجنوبي، أرمينيا، أذربيجان، وجورجيا، والتي كانت خاضعة بالكامل لسلطة الحزب الشيوعي في موسكو، وذلك في إعادة توزيع متكرر للأراضي والنواحي والأقضية، وفي إنشاء باقة منوّعة من مناطق الحكم الذاتي على أسس قومية ولغوية مفترضة.

الرد، من جانب من لا يفترض سوء نية في المسلك السوفياتي، هو أن موسكو قد سعت إلى إدارة التجاذب بدلا من الإقدام على خطوات فعلية لتبديده، وذلك لإدراكها تشعّب تعقيداته ولقناعتها بأن تحقيق المجتمع الاشتراكي العتيد من شأنه أن يؤدي إلى تجاوز التجاذب والخلافات تلقائيا.

الإشكالية من وجهة نظر إيرانية، هي أن أذربيجان، وهي الدولة الثانية عالميا في نسبة المسلمين الشيعة فيها إلى مجموع السكان (أي بعد إيران)، تقدّم نموذجا علمانيا نقيضا للحكم الديني القائم في إيران

سواء كان الدافع منطق "فرّق تسُد" أو الإيمان الشيوعي، فإن الحصيلة، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي كانت استفحال الصراع، لا زواله. وقد تنضوي الاتهامات الموجهة لروسيا ما بعد الاتحاد السوفياتي بأنها قد ساهمت استخباراتيا وسياسيا بتأجيج الصراع لا بإطفائه على قدر من الجزافية، غير أنه لا يبدو أن موسكو قد وظّفت نفوذها لدى كل من أذربيجان وأرمينيا لحل هذا الصراع.

وإذا كان الدور الروسي هو الأقوى وطأة، فإن اعتبارات الموازنة بين الروابط وإمكانية توظيفها من جهة، والمصالح من جهة أخرى قد حكمت ولا تزال سلوك كل من تركيا وإيران في هذا الملف. أذربيجان تشبه تركيا في لغتها وفي التوجه شبه العلماني أو اللاديني لأجزاء من مجتمعها، والأهم هو أنها تتلاقى معها في مصالح اقتصادية تكرّست مع إنجاز خطوط النفط والغاز الطبيعي. أما بين أرمينيا وتركيا، فجوار منتج وإن متقطع ربما، ولكن تاريخ أليم بالتأكيد، مع استمرار الرفض تركيا الإقرار بحجم المأساة التي ألحقتها السلطات التركية، بثوبها العثماني ثم الطوراني ثم الجمهوري، وصولا إلى إنهاء الحضور الأرمني التاريخي في الأناضول.

إيران أكثر التباسا. هي تشترك مع أذربيجان بالدين والمذهب. الإشكالية من وجهة نظر إيرانية، هي أن أذربيجان، وهي الدولة الثانية عالميا في نسبة المسلمين الشيعة فيها إلى مجموع السكان (أي بعد إيران)، تقدّم نموذجا علمانيا نقيضا للحكم الديني القائم في إيران. وفي حين أن الأذريين في إيران يتعاطفون في السر والعلن مع أذربيجان، فإن إيران الرسمية تلتزم اليوم الحياد إزاء الحرب القائمة وتدعو إلى حلّ سلمي كانت قد سعت إليه دون تحقيق كامل النتيجة قبل عقدين ونيف.

الواقع هو أن القوقاز يشكل حالة أخرى، مشابهة للمشرق، في توالي أنماط سياسية اجتماعية فكرية حاكمة، متعارضة في أصولها ومقتضياتها وعواقبها، دون أن تصل إلى تحقيق المبتغى من الاستقرار والرضا. لا الحكم السلطاني الحاضن للملل والإقطاع كان قابلا للاستمرار، ولا الوعد بالمجتمع الطوباوي الجامع، حيث تزول الفوارق، كان حلا واقعيا. ولا الدولة الوطنية نجحت، ولا الدولة القومية تحققت.

في القوقاز، كما في المشرق، البحث التاريخي الوقائعي، المدعوم بالأدوات التي تطوّرت على مدى القرنين الماضيين، الحفريات، ثم اللسانيات، وأخيرا النسليات (أي تحليل الحمض النووي للأفراد وصولا إلى التوضيح الإحصائي للتحول التاريخي لحركة السكان)، لا يدعم السرديات القومية أو الفئوية إلا من خلال انتقائية أهوائية تتمسك بالضئيل المؤيد لها وتتجاهل أو تطعن بالوفير الذي يعارضها.

فقد تلتقي السرديتان الأذربيجانية والأرمنية على إعلان التمايز القاطع بين الشعبين، المختلفين باللغة والدين، وصولا إلى إضفاء كل منهما برواية حول أصولهما تعود بكل منهما إلى منطقة ما وتجربة ما، تتداخل فيها المقومات المادية بالغيبية. ولكن الدراسات المستجدة والقائمة على الحمض النووي تكشف عن تشابه واسع النطاق بين الشعبين، يرجّح القراءة التي تفيد بأن التمايز حصل مع دخول مقومات فوقية ترشّحت إلى عامة السكان عبر الزمن لتغيّر المعالم الثقافية والهوية الذاتية، وليس من خلال استبدال كامل لشعوب بأخرى.

لا ينفي هذا بالطبع الحالات الموثقّة والباقية في الذاكرة للقتل والترحيل والتهجير، ولكنه يشير إلى صمود وثبات، وإن صامتين، للسكان المحليين، بوسائل عدة، منها التماهي مع الهوية الغالبة.

والشعوب التركية تقدّم نموذجا واضحا بهذا الشأن. هي متجانسة ومتشابهة، بما يقارب التطابق أحيانا، لغويا ودينيا وثقافيا وعلى مستوى الهوية، من أقصى تركستان الشرقية إلى أدنى تراقيا، المقسّمة بين تركيا واليونان. غير أنه لهذه الشعوب، من حيث ملامحهم الظاهرة، واقع مختلف. فالأويغور يشبهون الصينيين، والأذريون يشبهون الأرمن، والأناضوليون يشبهون الأكراد، والتراقيون يشبهون اليونان، فيما هم مختلفون بملامحهم عن بعضهم البعض كأتراك. فإما أن الأتراك "لاماركيون" سريعون جدا، يمتثلون لنظرية العالم الفرنسي لامارك، من القرن الثامن عشر، السابق لداروين، والذي افترض أن التطور يتحقق بالتأقلم، ونظريته هذه خاطئة بائدة، أو أن انتشار الهوية التركية من آسيا الوسطى إلى أوروبا مرورا بالشرق الأوسط والقوقاز قائم على غلبة فوقية أكثر منها على نزوح سكاني. وما ينطبق على الهوية التركية ينطبق حكما كذلك على غيرها.

الواقع القوقازي هو أيضا دعوة لمراجعة ذاتية في الإطار العربي، تبينا وتفنيدا للهويات القاتلة، أصولها وظلالها

لا تسقط هذه المعطيات والطروحات صلابة التمسك بالهوية، مهما كانت، ولكنها تسمح بإعادة تقديرها خارج إطار المغايرة النافية، بل ربما تفتح المجال أمام تطوير الهوية الوطنية وعدم إقصارها على تحييد المقومات الثقافية والتاريخية، بل مطالبتها باستيعابها خارج إطار الحصرية التي تلتزمها الدولة القومية. أي أنه من شأن أذربيجان أن تكون وطن الأذربيجانيين الأذريين، كما الأذربيجانيين الأرمن، وغيرهم، دون افتراض أصالة لهولاء وإلحاق أو طروء لأولئك، بل مع التأكيد على أصالة الانتماء للجميع. وكذلك حال أرمينيا، مع الأرمينيين الأرمن والأرمينيين الأذريين وغيرهم.

التوجه البحثي يشير إلى أن التمايز بين معظم من هم اليوم الأذريون والأرمن قد ابتدأ بالولاء للمتغلب، ثم باعتناق الدين، ثم بالتزام اللغة، وصولا إلى تشكيل رواية للهوية تفرزها وتحصنها. هو بحاجة إلى استفاضة ونقد وتأكيد وتحصين، ولكنه أساس وربما بديل للاختزالات المجترحة للهويات القاتلة.

وإذ فشلت التهدئة السياسية والدولية بين أذربيجان وأرمينيا، فإن المقاربة اليوم عسكرية واقتصادية، من شأنها أن تؤدي إلى أمر واقع جديد، أو أن تفشل لمعاودة الكرة بعد حين. أزمة أرتساخ / قره باغ الجبلية لن تحلّها المراجعات الفكرية. ولكن أي حلّ لا يراعي هذه الاعتبارات يبقى آنيا عرضة لتحديات قادمة مع تبدل موازين القوى.

ما ينطبق على القوقاز ينطبق على المشرق وعلى عموم المحيط العربي. لا فائدة ترجى للثقافة السياسية في هذا المحيط من الانجرار إلى المواقف العاطفية المبنية على قراءات تعسفية بشأن الحرب الدائرة في أرتساخ / قره باغ الجبلية. غير أن الواقع القوقازي هو أيضا دعوة لمراجعة ذاتية في الإطار العربي، تبينا وتفنيدا للهويات القاتلة، أصولها وظلالها.

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.