Sudan's ousted president Omar al-Bashir (C) gestures as he arrives for his trial in the capital Khartoum, on October 6, 2020,…
الرئيس المخلوع عمر البشير خلال محاكمته

سأتناول في هذا المقال (من جزأين) بالمقارنة نموذجين من نماذج التطبيق العملي لمشاريع الدولة التي اختارت أن تتبنى برامجا تعكس رؤاها ومفاهيمها الخاصة للكيفية التي يمكن بها استلهام معاني الدين الإسلامي لتحقيق القيم الكبرى كما يفهمها القائمون على أمر تلك المشروعات. النموذج الأول يُعبِّر عن "الإسلام الرسالي" كما تم تطبيقه في السودان بينما يعكس النموذج الثاني ما أطلق عليه مسمى "الإسلام الحضاري" الذي تبنته دولة ماليزيا.

في أعقاب قيام جماعة الإخوان المسلمين بانقلابها العسكري على النظام الديمقراطي في السودان عام 1989 سأل الروائي الكبير، الطيب صالح، زعيم الجماعة وعراب الانقلاب الدكتور حسن الترابي السؤال التالي: من الذي فوضكم كي تحملوا أهل السودان على ما يكرهون؟ فأجابه الدكتور الترابي بالآية القرآنية: "ونُريد أن نمُّن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين".

إجابة الدكتور الترابي هذه تنقل مجال التفويض من الأرض (البشر) إلى السماء (الله) ومعها تتحول الدولة من دولة واقعية إلى دولة رسالية ذات أهداف كونية. وعي الدولة الرسالية في جوهره وعي أيديولوجي كاذب لكونه يتفتق عن وهم، وهم يُغيِّب العقل وما هو ممكن لصالح العاطفة وما هو مرغوب فيه، وتكمن خطورة هذا الوهم في عدم اكتراثه بالتفكير الاستراتيجي وفي رفعه سقف الطموحات لدى القائمين على أمر الدولة الرسالية وبما لا يتناسب مع الامكانيات المتاحة والظروف الإقليمية والدولية المحيطة بتلك الدولة.

كان الوهم قد زيَّن لدولة الإخوان الرسالية إعلان الحرب على أكبر دولة في العالم ـ أميركا

دولة الإخوان المسلمين الرسالية التي حكمت السودان ثلاثين عاما كان مخزونها من الوعي الكاذب ومن الوهم جد كبير. قال شيوخها وقادتها إن الله اختار أهل السودان لقيادة مشروع وراثة الأرض وانبثاق نور الاسلام على العالم من جديد. جيشوا الجيوش وأخذوا يدعون إخوة الدين من كل أرجاء المعمورة للحضور لبلد المستضعفين ومركز الاشعاع الذي سيضيئ ظلمات الأرض ويزينها بالعدل بعد أن طفح منها الجور.

لم يعصم الجماعة من الخوض في وحول الوهم كون قادتها وشيوخها وكادرها من صفوة المتعلمين وأصحاب الدرجات الأكاديمية العليا، فالعلة كانت أساسا في الأفكار التي تحكمها اليقينية المطلقة وتتحكم فيها الإقصائية والوصاية وفي المنهج الذي يغلب عليه التكتيكي والمرحلي ويغيب عنه الاستراتيجي والبعيد المدى.

طفق منظرو الجماعة يتحدثون عن ضرورة تغيير موازين القوة في المنطقة عبر دعم المسلمين المضطهدين في أثيوبيا وأرتيريا واختراق دول الجوار الأفريقي وتغيير النظام المصري الذي يحارب الثوريين الإسلاميين، ومن ثم فُتحت أراضي السودان لكل مطاريد العالم (أسامة بن لادن، أيمن الظواهري... إلخ) مما أدخل البلاد في حالة غير مسبوقة من العداء مع محيطها الإقليمي العربي والأفريقي وكذلك المجتمع الدولي.

قال الطيب صالح إن قادة الجماعة توهموا أن إرادة الله قد اختارتهم ليكتبوا السطر الأخير في سفر التاريخ، وهم يحلمون بإقامة خلافة إسلامية سودانية يبايعها أهل الشام ومصر والمغرب واليمن والعراق وبلاد الجزيرة العربية، ولكن الأديب الراحل تنبأ بعين الحكيم الفاحصة أن هذه الخلافة لن تكون إلا "جثة السودان المسكين"، والسبب في ذلك هو خطأ المسلك والوجهة والاختيار ومحاولة تغيير عجلة التاريخ دون وعي بسنن التغيير وإمكانيات الواقع على النهوض بالمهمة التي يراد له حملها.

كان الوهم قد زيَّن لدولة الإخوان الرسالية إعلان الحرب على أكبر دولة في العالم ـ أميركا. خرجت المسيرات تبشر بدنو عذابها وتمت التعبئة الجماهيرية بشعارات منددة بسياساتها وتم تجميع كافة المعارضين لتوجهاتها فيما عرف "بالمؤتمر الشعبي العربي الإسلامي" الذي ترأسه الترابي وأراد له أن يكون سلطة بديلة للحكومات العربية، حتى انطلق صاروخ موجه بالليزر من بارجة حربية في خليج عدن ليحطم مصنع الشفاء للدواء ويحرر الحكومة من وهمها الرسالي، وجاءت الإفاقة الإخوانية بأكثر مما توقعت أميركا خصوصا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، تعاونا استخباراتيا وثيقا وحوارا سياسيا مستمرا ومحاولات متصلة للتقارب.

غير أن تلك الإفاقة جاءت متأخرة جدا، حيث دفعت البلاد أثمانا باهظة بسبب التوجه الرسالي فتم فرض عقوبات اقتصادية قاسية من قبل الدول الغربية وفي مقدمتها أميركا منذ عام 1997 كما تم وضع اسم السودان في القائمة الأميركية للدول التي ترعى الإرهاب في عام 1993 وما يزال البلد يعاني من الآثار السياسية والاقتصادية الناجمة عن وجود اسمه الذي لم يشطب من تلك القائمة حتى اليوم.

الوعي الرسالي الكاذب أدى لتحويل الحرب الأهلية في جنوب السودان من حرب ذات جذور وأسباب سياسية واقتصادية إلى حرب عقائدية وجعل من أرض الجنوب ساحة للجهاد والاستشهاد وطريقا للمرور السريع إلى جنان الخلد حيث الحور العين والفاكهة والعسل، وبعد عقدين من الزمن دفع السودان فاتورة ذلك التوجه الواهم، ثمنا باهظا يقارب نصف الشعب والتراب والأرض حيث انفصل جنوب البلاد وأقام دولته المستقلة.

غابت عن النموذج الرسالي القيم العليا للدين المتمثلة في الحرية والعدل، واكتفى أصحاب ذلك النموذج باستدعاء شكلي للدين يتمحور حول وضع "الحدود الشرعية" ضمن القانون الجنائي واعتبروا أن ذلك يمثل الاستقلال الحقيقي والانتصار لهوية السودان متغافلين عن قضايا وموضوعات أهم بكثير تخدم الإنسان وتضع البلد في مصاف الأمم مثل التنمية الاقتصادية والتطور الاجتماعي.

الحصاد الأخير للدولة الرسالية تمثل في خلق نموذج استبدادي للحكم أدخل السودان في متاهة الحروب الأهلية والقطيعة مع العالم والتدهور الاقتصادي

استشرى الفساد في جسد الدولة الرسالية بشكل مثير للدهشة لأن الأخيرة اختارت القطيعة مع العصر وعجزت عن تبني أفضل أنظمة الحكم التي توصلت إليها البشرية (الديمقراطية)، وبحكم منطلقاتها النظرية التي أكدها النموذج التطبيقي فإنها منحت القائمين على الأمر صلاحيات مطلقة وحصانة كاملة ضد المحاسبة والمساءلة بافتراض أن قيم الدين تكفي وحدها لمنع الفساد وهو الأمر الذي أثبت فشله عبر التجربة.

إن الكوابح الشخصية الداخلية مثل الضمير والتقوى والخوف من الله التي عول عليها أصحاب الدولة الرسالية لم تكن تكفي وحدها لمنع الانحراف والفساد بل كان يتوجب أن يضاف إليها كوابح خارجية موضوعية مثل النظم واللوائح والقوانين تعمل على ضمان ضبط الانحراف وتجويد الأداء فضلا عن تحجيم السلطة ووضع أسس لتداولها وكبح جماحها عبر سلطتي الرقابة والقضاء مضافا إليهما الإعلام والرأي العام وهو الأمر الذي نجح فيه النظام الديمقراطي أكثر من أية نظام حكم آخر.

الحصاد الأخير للدولة الرسالية تمثل في خلق نموذج استبدادي للحكم أدخل السودان في متاهة الحروب الأهلية والقطيعة مع العالم والتدهور الاقتصادي مما أدى لخروج الجماهير في ثورة شعبية عارمة أسقطت تلك الدولة، وللمفارقة، فإن الأب الروحي للدولة الرسالية الدكتور الترابي الذي برر الانقلاب العسكري باعتباره عملا يهدف لتمكين المستضعفين من وراثة الأرض كان قد نعى تلك الدولة قبل سقوطها بعدة سنوات قائلا إنها "مارست الغش والخداع والفساد"!

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.