The new Kuwaiti crown prince Sheikh Meshal al-Ahmad al-Jaber Al-Sabah (R) gestures next to Parliament speaker Marzouq al-Ghanem…
ولي العهد الكويتي الجديد مشعل الأحمد الجابر الصباح

رحل أمير الكويت الشيخ صُباح الأحمد الصُباح بعد عقود من العمل السياسي والدبلوماسي دفعته إلى واجهة الأحداث حتى أطلقت عليه الأمم المتحدة لقب "قائد العمل الإنساني"، وسماه الناس "أمير الإنسانية".

اقترن اسم الكويت بالأمير الراحل، فقد ظل وزيرا لخارجية بلاده أكثر من 40 عاما، وعرفه العالم بـ "عميد" الدبلوماسيين، ورغم كل الأزمات التي مرت بالكويت والعالم العربي والإقليم بقيَ قادرا على التمسك بالوساطة خيارا وحيدا لنزع فتيل الأزمات المتفجرة.

منذ كنت طفلا كان الشيخ الصُباح يحمل حقيبته الدبلوماسية ليجوب العالم، وحين أسعفني الحظ لأعمل صحفيا في الكويت عرفته سياسيا مُحنكا لا تُفارقه ابتسامته في أوج الصراعات والمُناكفات تحت قبة البرلمان "مجلس الأمة".

رحيل الأمير أعادني 25 عاما إلى الوراء، وتحديدا في شهر أغسطس من عام 1995 حين أصدرنا جريدة الحدث الأسبوعية في الأردن، في ذلك الوقت كانت القطيعة بين عمّان والكويت ما تزال مستمرة بسبب اتهام الأردن بأنه ساند الاحتلال العراقي عام 1990، وانصب تفكيري أن تلعب الحدث كجريدة دورا في تجسير العلاقات بين البلدين، وهذا ما نجحنا به حين وافق الأمير الراحل ـ وكان وزيرا للخارجية آنذاك ـ على إجراء حديث خاص مع "الحدث"، وبذات الوقت اتفقنا مع جريدة السياسية الكويتية أن تفتح صفحاتها لوزير خارجية الأردن عبد الكريم الكباريتي ليطل على الجمهور الكويتي.

كان سبقا صحفيا بكل تفاصيله، و"ضربة معلم" سياسية كسرت جليد العلاقات، وما يُستذكر عن تلك اللحظات أن الأمير الراحل رغم وجع الغزو العراقي ظل متمسكا في "الحس العروبي"؛ ولهذا كان "مانشيت" اللقاء "نحن عرب مهما حصل ولن نُغير لون بشرتنا أو لغتنا أو انتماءنا".

تحتاج الكويت إلى "بيريسترويكا" لمُجابهة انقلابات الإقليم القادمة، وإلى ضخ دماء جديدة في الحكم

في اللقاء تحدث الشيخ صُباح بألم وحسرة، وقال "بعد خمس سنوات ما زلنا نتساءل لماذا، تحت أي ذريعة احتل بلدي، وجرت محاولة لشطبه من الخارطة، وطمس هوية شعبه، وتعريضه لشتى أنواع التنكيل والعذاب".

الطريف ما استذكره الراحل أن صدام حسين لقبه بوزير خارجية العراق تقديرا لجهوده وخدماته، وبعد الاحتلال اتهمه بالعمالة لأميركا.

لم يضع الشيخ صُباح شروطا لإعادة العلاقات مع الأردن وفلسطين في الوقت الذي كانت تُصنف عمّان من "دول الضد"؛ مما مهد الطريق للقاءات مباشرة بينه وبين الكباريتي لاحقا.

في شهر أغسطس الماضي مرت 30 عاما على الاحتلال العراقي للكويت، ولم يكن الأمير الراحل مهتما بنبش الماضي المؤلم، بل مُصّرا على فتح صفحة جديدة لأن الجغرافيا لا تتغير، والعراق سيبقى جارا مهما حدث، وتكريسا لهذا النهج زار بغداد بعد 29 عاما من قطع الزيارات ليُطفئ جذوة "خطاب الثارات".

طمع الجيران بالكويت البلد الصغير والغني والذي تحكمه هوامش من العمل الديمقراطي لم ينشأ مع الراحل صدام حسين، بل كان ـ وربما سيبقى هاجس مؤرق ـ تجلى خلال حكم شاه إيران، واستمر في حكم ملالي الثورة، وكان في العهد الملكي في العراق، ولم يغب في عهد البعث، وقد يُداعب جموح زعماء الطوائف، وقد يتجلى في هيمنة وإملاءات الأشقاء الخليجيين.

منذ استقلال الكويت عام 1962 وحتى هذا اليوم ظلت الكويت مختلفة، فقد عرفت دستورا عصريا، وبشّرت ولادتها بإمارة ديمقراطية نسبيا وسط الصحراء، وعاشت تجربة برلمانية غنية سمحت بمُكاسرة سياسية بين النواب والحكم حتى وإن كانت نتيجتها حجب الثقة، واستجواب رؤساء حكومات من الأسرة الحاكمة، وهذا تجديف عكس التيار في المنظومة الخليجية، وتراث وقيم لا ترغب بتعميمها وانتشار عدواها دول الجوار.

طمع الجيران بالكويت تجلى خلال حكم شاه إيران، واستمر في حكم ملالي الثورة، وكان في العهد الملكي في العراق، ولم يغب في عهد البعث

الكويت كانت مختلفة ولا تُشبه محيطها كثيرا، فمنذ ما قبل الاستقلال ساهمت شخصيات كويتية مرموقة بتأسيس حركة القوميين العرب، واحتضنت أرضها قادة منظمة التحرير منذ انطلاقها، وظلت "دواوينها" برلمانات يومية مُشاكسة ومزعجة للسلطة، ولم تغب الأحزاب عنها وإن تدثرت برداء الجمعيات، فكان اليسار والقوميون حاضرا، وكذا الأمر "الإخوان المسلمين".

لم تتغير الكويت كثيرا في العقود الثلاث ما بعد الاحتلال العراقي، وقد يُعزى الفضل للأمير الراحل الذي كان رُبانا ماهرا للسفينة، رغم التقلبات والعواصف السياسية، وهو ما يستدعى التساؤل القلق عن مستقبل الكويت في ظل العهد الجديد، والأمير الجديد الشيخ نواف الأحمد الصُباح.

الأمير الجديد ليس حديث العهد بالسلطة، فمنذ 16 عاما وهو يتقلد منصب ولي العهد، وقبلها لعقود طويلة تدرج في مواقع متعددة أهمها وزيرا للداخلية والدفاع.

قد لا يكون الأمير الحالي ببراعة ومهارة سلفه دبلوماسيا، لكن الكويت كدولة تحكمها موازين وتقاليد سياسية ليس من السهل الانقلاب عليها سواء في الداخل أو الخارج.

داخليا ستبقى الهوامش الديمقراطية ناظمة للعلاقة بين السلطة والمجتمع، ولا يستطيع الأمير الحالي تغيير قواعد هذه اللعبة التي استقرت منذ الاستقلال، وخارجيا فإن الكويت ستتمسك بالحياد الإيجابي، والابتعاد عن الاستقطابات السياسية حتى ولو تعرضت للضغوط والعُزلة.

أول الاختبارات والتحديات للسياسة الخارجية الكويتية واستقرارها ما أثارته جريدة وول ستريت جورنال على لسان الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعد لقائه نجل الأمير الراحل ناصر الصُباح "أن الكويت ستُصبح قريبا البلد الذي سيُطبع علاقاته مع إسرائيل".

رسميا أكدت الكويت أنها ستبقى رافضة لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، وشعبيا حظيَ هذا الكلام باستنكار واستهجان واسعين، وهو ما دفع أستاذ التاريخ بجامعة الكويت بدر السيف للقول "لسنا دولة تتغير بين ليلة وضحاها.. والأمر لا يسير على هذا النحو؛ فالرأي العام يُعارض التطبيع لذلك يُطلق أي حاكم جديد النار على قدميه بفعله هذا"، في إشارة للأمير الجديد للكويت.

لقب صدام الشيخ صُباح بوزير خارجية العراق وبعد الاحتلال اتهمه بالعمالة لأميركا

تعيش الكويت تحديات غير مسبوقة؛ فعجز الموازنة وصل إلى نحو 46 مليار دولار، واتهامات الفساد تتصاعد أصواتها، والاستقطابات الطائفية والقبلية تجذرت، والتيار الديمقراطي انحسر وتراجع.

تزكية أمير الكويت بسرعة للشيخ مشعل الصُباح ليكون وليا للعهد تعكس تماسك الأسرة الحاكمة، وقدرتها على التغلب على خلافاتها، وحسم خياراتها في وقت ترددت فيه أسماء كثيرة أخرى.

ولي العهد الذي رشحه الأمير نواف الصُباح سيخضع لموافقة وتصويت مجلس الأمة الكويتي، وهو أمر شبه محسوم، ولكنه يؤشر إلى تعاظم الاستحقاقات الأمنية التي تواجه الإمارة، فولي العهد المرشح الشيخ مشعل بنى جهاز أمن الدولة في الكويت، وشغل آخر 17 عاما من سلطته في الحكم كنائب لرئيس جهاز الحرس الوطني.

الصورة في الكويت أصبحت جلية ومستقرة، ورحيل الشيخ صُباح لم يتركها للفوضى، بل أظهر قدرة مؤسساتها على تجاوز الصعاب والمحن، ومع ذلك فإن الكويت تحتاج رغم وجود أمير وولي عهد جديدين إلى "بيريسترويكا" لمُجابهة انقلابات الإقليم، وإلى ضخ دماء جديدة في الحكم يعد أن "شاخ"، والتمسك أكثر بهوامش الديمقراطية التي تُمكنها من الصمود في مواجهة المتغيرات، وجعلها نظاما مُختلفا يُمتدح بعد أن عمّ الهجاء.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.