Mask-clad pedestrians walk past a mural painting on September 4, 2020, depicting a young Lebanese girl who suffered a face…
جدارية لإحدى جرحى تفجير المرفأ في بيروت

بينما كان شريك "حزب الله" اللبناني في المذهب وفي السلطة رئيس مجلس النواب نبيه بري يعلن بدء التفاوض مع إسرائيل على الحدود البحرية بينها وبين لبنان، كان مساعد الأمين العام لـ"حزب الله" نعيم قاسم يعلن أن الوقت غير ملائم لتغيير قواعد اللعبة السياسية في لبنان، وأن على الحكومة العتيدة أن تسعى لأوسع تمثيل نيابي حتى تتمكن من العمل! 

قد لا يرتبط ما ذهب به الرجلان بعلاقة مباشرة، لكن إيجاد سياق لعلاقة بينهما يساعد على فهم شيء تدعيه هذه المقالة. "حزب الله" هو السلطة في لبنان. هو خط الدفاع الأول عنها، وهو لم يكترث لحقيقة أنها وضعته في موقع لم يكن يتمناه لنفسه. لا قدرة للفاسدين، كلهم على التقاط نفس واحد من دون حماية "حزب الله". ما قاله نعيم قاسم لا يعني أكثر من أن الحزب لن يسمح بمس فاسد واحد، وإلا انهار جبل الجليد على رأسه. والحزب أيضا بصدد الانتقال من موقع "المقاوم" على رغم كل ما تنطوي عليه هذه العبارة من ابتذال، إلى موقع المفاوض، أيضا مع ما يحمله هذا الموقع من احتمالات.

الحزب لن يفاوض على الحدود، فأغلب الظن أن المساحات البحرية آخر همومه. الحزب سيفاوض على موقعه في السلطة، وعلى احتمالات عقوبات جديدة قد تصدع هذا الموقع. الانتقال من ذروة الخطاب "الأيديولوجي" إلى براغماتية مبتذلة لطالما كان دأب الأنظمة الشمولية. والحزب بهذه الانعطافة يعرض ما لديه من بضاعة يريد في مقابلها "fresh mony"، واللبنانيون في هذه الأيام يعرفون تماما ما تعنيه هذه العبارة، في ظل إطباق المصارف على ودائعهم.

لا شك في أن هناك انعطافة في موقف "حزب الله" وفي موقعه، على رغم أن هذه الانعطافة محفوفة بالكثير من المعطيات غير اللبنانية، لعل أبرزها الحسابات الإيرانية ونتائج الانتخابات الأميركية

الـ"fresh mony" الذي يريده الحزب في مقابل خوضه تجربة المفاوضة على الحدود البحرية يعني أولا الحد من رُزم العقوبات الأميركية. وهذا ما يبدو أنه وُعد به، ذاك أنه من غير المنطقي أن ترعى من جهة الولايات المتحدة الأميركية مفاوضات بين طرفين، ومن جهة أخرى أن تتولى هي نفسها إصدار عقوبات بحق أحد هذين الطرفين. ثم أن مساعد وزير الخارجية الأميركي ديفيد شنكر الذي كان له دور في صياغة السياسة العقابية تجاه "حزب الله"، هو نفسه من تولى ترتيب عملية المفاوضة على الحدود البحرية.

لا شك في أن هناك انعطافة في موقف "حزب الله" وفي موقعه، على رغم أن هذه الانعطافة محفوفة بالكثير من المعطيات غير اللبنانية، لعل أبرزها الحسابات الإيرانية ونتائج الانتخابات الأميركية. لكن اللحظة اللبنانية في هذه الانعطافة تؤشر إلى اختناق الحزب في موقعه الداخلي، ذاك أنه على رأس سلطة ونظام على وشك التفكك والتحلل لمصلحة فوضى أهلية قد لا يتمكن في ظلها من الاستمرار في موقعه. وفي ظل هذه الاحتمالات رأى الحزب أن حماية السلطة تتطلب تنازلا لواشنطن، وبالتالي لإسرائيل. والخيار أن يحتفظ الحزب بالخطاب الأيديولوجي "الصراعي" في مقابل براغماتية تنازلية سبق أن مارسها حافظ الأسد، وهي مكنته من حكم سوريا لعقود طويلة.

ما سقط من حسابات "حزب الله" على ما يبدو، هو أن لبنان العصي على الإصلاح بصيغته الراهنة، عصي أيضا على الاندراج بخطاب أيديولوجي

تسييل هذا الكلام لبنانيا يعني أن التغيير في لبنان ممنوع، وأن "حزب الله" يسعى بكل ما أوتي من طاقة على التنازل للخارج، لأن يحمي سلطة الفساد والارتهان، وسيضاف إلى خصائص النظام خاصية جديدة تتمثل في رفع منسوب القمع، فهذا أمر ضروري لتأمين تنفيذ المهمة. و"حزب الله" يعرف أن صاحب هذه المدرسة، أي حافظ الأسد، انتزع إقرارا دوليا بـ"حقه" في قمع السوريين، لقاء صونه الحدود مع إسرائيل، ولقاء تسديده أثمانا في الكثير من الميادين، وما علينا إلا أن نبحث عن أسباب صمت العالم عن المجزرة التي ارتكبت في مدينة حماه في العام 1982.

لكن ما سقط من حسابات "حزب الله" على ما يبدو، هو أن لبنان العصي على الإصلاح بصيغته الراهنة، عصي أيضا على الاندراج بخطاب أيديولوجي. الحزب اليوم يحكمه بتوازنات أخرى غير تلك التي حكم فيها حافظ الأسد سوريا. الشريكان، المسيحي والسني، لن يستقيما في شراكة تنجلي فيها السلطة للحزب على نحو حاسم، على ما يقتضيه "تبعيث" النظام أو "حزبلته". وحتى فكرة الشريك الأكبر سيتم ابتذالها في عملية التفاوض حول الحصص، إذا ما عاد النظام والتقط أنفاسه في ظل وعود "الأنقاض" التي لاحت بعد الموافقة على التفاوض.

وهذا السيناريو يستبق حقائق ثقيلة تتمثل في أن لا فرصة أمام لبنان تجنبه الغرق، وأنه من المرجح أن لا تحمل لنا الحدود البحرية أكثر من حقل غاز صغير لم تعد الأسواق تتسع لضآلته.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.