جدارية لإحدى جرحى تفجير المرفأ في بيروت

بينما كان شريك "حزب الله" اللبناني في المذهب وفي السلطة رئيس مجلس النواب نبيه بري يعلن بدء التفاوض مع إسرائيل على الحدود البحرية بينها وبين لبنان، كان مساعد الأمين العام لـ"حزب الله" نعيم قاسم يعلن أن الوقت غير ملائم لتغيير قواعد اللعبة السياسية في لبنان، وأن على الحكومة العتيدة أن تسعى لأوسع تمثيل نيابي حتى تتمكن من العمل! 

قد لا يرتبط ما ذهب به الرجلان بعلاقة مباشرة، لكن إيجاد سياق لعلاقة بينهما يساعد على فهم شيء تدعيه هذه المقالة. "حزب الله" هو السلطة في لبنان. هو خط الدفاع الأول عنها، وهو لم يكترث لحقيقة أنها وضعته في موقع لم يكن يتمناه لنفسه. لا قدرة للفاسدين، كلهم على التقاط نفس واحد من دون حماية "حزب الله". ما قاله نعيم قاسم لا يعني أكثر من أن الحزب لن يسمح بمس فاسد واحد، وإلا انهار جبل الجليد على رأسه. والحزب أيضا بصدد الانتقال من موقع "المقاوم" على رغم كل ما تنطوي عليه هذه العبارة من ابتذال، إلى موقع المفاوض، أيضا مع ما يحمله هذا الموقع من احتمالات.

الحزب لن يفاوض على الحدود، فأغلب الظن أن المساحات البحرية آخر همومه. الحزب سيفاوض على موقعه في السلطة، وعلى احتمالات عقوبات جديدة قد تصدع هذا الموقع. الانتقال من ذروة الخطاب "الأيديولوجي" إلى براغماتية مبتذلة لطالما كان دأب الأنظمة الشمولية. والحزب بهذه الانعطافة يعرض ما لديه من بضاعة يريد في مقابلها "fresh mony"، واللبنانيون في هذه الأيام يعرفون تماما ما تعنيه هذه العبارة، في ظل إطباق المصارف على ودائعهم.

لا شك في أن هناك انعطافة في موقف "حزب الله" وفي موقعه، على رغم أن هذه الانعطافة محفوفة بالكثير من المعطيات غير اللبنانية، لعل أبرزها الحسابات الإيرانية ونتائج الانتخابات الأميركية

الـ"fresh mony" الذي يريده الحزب في مقابل خوضه تجربة المفاوضة على الحدود البحرية يعني أولا الحد من رُزم العقوبات الأميركية. وهذا ما يبدو أنه وُعد به، ذاك أنه من غير المنطقي أن ترعى من جهة الولايات المتحدة الأميركية مفاوضات بين طرفين، ومن جهة أخرى أن تتولى هي نفسها إصدار عقوبات بحق أحد هذين الطرفين. ثم أن مساعد وزير الخارجية الأميركي ديفيد شنكر الذي كان له دور في صياغة السياسة العقابية تجاه "حزب الله"، هو نفسه من تولى ترتيب عملية المفاوضة على الحدود البحرية.

لا شك في أن هناك انعطافة في موقف "حزب الله" وفي موقعه، على رغم أن هذه الانعطافة محفوفة بالكثير من المعطيات غير اللبنانية، لعل أبرزها الحسابات الإيرانية ونتائج الانتخابات الأميركية. لكن اللحظة اللبنانية في هذه الانعطافة تؤشر إلى اختناق الحزب في موقعه الداخلي، ذاك أنه على رأس سلطة ونظام على وشك التفكك والتحلل لمصلحة فوضى أهلية قد لا يتمكن في ظلها من الاستمرار في موقعه. وفي ظل هذه الاحتمالات رأى الحزب أن حماية السلطة تتطلب تنازلا لواشنطن، وبالتالي لإسرائيل. والخيار أن يحتفظ الحزب بالخطاب الأيديولوجي "الصراعي" في مقابل براغماتية تنازلية سبق أن مارسها حافظ الأسد، وهي مكنته من حكم سوريا لعقود طويلة.

ما سقط من حسابات "حزب الله" على ما يبدو، هو أن لبنان العصي على الإصلاح بصيغته الراهنة، عصي أيضا على الاندراج بخطاب أيديولوجي

تسييل هذا الكلام لبنانيا يعني أن التغيير في لبنان ممنوع، وأن "حزب الله" يسعى بكل ما أوتي من طاقة على التنازل للخارج، لأن يحمي سلطة الفساد والارتهان، وسيضاف إلى خصائص النظام خاصية جديدة تتمثل في رفع منسوب القمع، فهذا أمر ضروري لتأمين تنفيذ المهمة. و"حزب الله" يعرف أن صاحب هذه المدرسة، أي حافظ الأسد، انتزع إقرارا دوليا بـ"حقه" في قمع السوريين، لقاء صونه الحدود مع إسرائيل، ولقاء تسديده أثمانا في الكثير من الميادين، وما علينا إلا أن نبحث عن أسباب صمت العالم عن المجزرة التي ارتكبت في مدينة حماه في العام 1982.

لكن ما سقط من حسابات "حزب الله" على ما يبدو، هو أن لبنان العصي على الإصلاح بصيغته الراهنة، عصي أيضا على الاندراج بخطاب أيديولوجي. الحزب اليوم يحكمه بتوازنات أخرى غير تلك التي حكم فيها حافظ الأسد سوريا. الشريكان، المسيحي والسني، لن يستقيما في شراكة تنجلي فيها السلطة للحزب على نحو حاسم، على ما يقتضيه "تبعيث" النظام أو "حزبلته". وحتى فكرة الشريك الأكبر سيتم ابتذالها في عملية التفاوض حول الحصص، إذا ما عاد النظام والتقط أنفاسه في ظل وعود "الأنقاض" التي لاحت بعد الموافقة على التفاوض.

وهذا السيناريو يستبق حقائق ثقيلة تتمثل في أن لا فرصة أمام لبنان تجنبه الغرق، وأنه من المرجح أن لا تحمل لنا الحدود البحرية أكثر من حقل غاز صغير لم تعد الأسواق تتسع لضآلته.