French President Emmanuel Macron delivers a speech in Breil-sur-Roya, southeastern France, on October 7, 2020, during a visit…
تصريح ماكرون هو تعبير عن صدمة فرنسا من حجم ورقعة الأدلجة والتأثير السلبي والانغلاقي الذي تمارسه جماعات الإسلام السياسي على المجتمعات المسلمة المحلية

بالتأكيد هو في أزمة، وإلا ماذا نسمي كل هذه الحروب والانقسامات وأعمال القتل والإرهاب التي تدور في المنطقة وخارجها منذ سنوات؟ بل ماذا نسمي هذا الاستعصاء والممانعة لدى أجزاء كبيرة من العالم الإسلامي على الخروج من الصراعات المذهبية والعداء للآخر والحنين إلى الماضي.

تصريح ماكرون

وأن يصرح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بأن "الإسلام ديانة تعيش اليوم أزمة في كل مكان في العالم"، فتلك لم تكن زلة لسان أو ردة فعل غاضبة على الاعتداء بالساطور الذي نفذه شاب باكستاني في باريس والمحاكمة الجارية في قضية الهجوم على شارلي إيبدو عام 2015 والذي أودى بحياة عدد من موظفيها.

تصريح ماكرون هو تعبير عن صدمة فرنسا من حجم ورقعة الأدلجة والتأثير السلبي والانغلاقي الذي تمارسه جماعات الإسلام السياسي على المجتمعات المسلمة المحلية، والتي تستغل المساجد والمنابر والقوانين لهذا الغرض. وإن شئت قل إن تصريح ماكرون يعبر عن فيضان كيل فرنسا مما وصل إليه الحال هناك من نشر للأفكار المتطرفة والتأسيس المنظم للجماعات التي تعمل بالضد من قوانين وثقافة هذه الدولة.

لم يكن عصيا على الفهم أن الجماعات التي تعارض نشر العلمانية والحداثة وتناهض الحريات العامة والخاصة في المجتمعات العربية هي نفسها التي انتقدت تصريحات الرئيس الفرنسي

والقول بأن الإسلام يعيش أزمة المقصود به ليس الدين نفسه (فالدين، أي دين لا يفعّل نفسه إلا من خلال البشر الذي يؤمنون به) وإنما عجز المجتمعات المسلمة عن إنتاج ثقافة دينية متصالحة مع العصر ومع القيم المجتمعية الحديثة. عجزها عن إنتاج خطاب متسامح يقبل التعايش مع الآخر، ولا يرى في نفسه تفوقا على الآخرين.

الرهاب المرضي

في الغرب توجد مجتمعات دينية كثيرة ومتنوعة، صغيرة وكبيرة، بعضها مغلق على أتباعه وبعضها منفتح على الغير، لكن من النادر أن تجدها في حالة تصادم أو تعارض مع ثقافة وقوانين هذه الدول. وبالطبع لن تجد أيا من أفرادها يخرج على الناس بساطور يريد أن يقتل من يصادفه في الشارع وهو يصيح "الله أكبر" أو يقود شاحنة لدهس المارة الذين صادف أنهم كانوا يتنزهون في إحدى الحدائق في يوم عطلة أو بعد يوم عمل شاق.

فرنسا، شأنها شأن العديد من الدول الأوروبية، عاشت في سبات عميق وغير واعية لما تشكله جماعات الإسلام السياسي من خطورة على السلم الأهلي. كان التركيز كله منصب على الجماعات المسلحة مثل "القاعدة" و"داعش" وحزب التحرير وغيرها.

لم ينتبه هؤلاء إلى أن جماعات الإسلام السياسي من إخوان مسلمين وسلفيين وغيرهم، لا يقلون خطورة عن المسلحين إن لم يكونوا أكثر منهم خطورة. لأنه في حين يمكن رصد وتحييد العناصر المسلحة فإن هؤلاء يمارسون عملهم بحرية في ظل القوانين والتشريعات النافدة. بل ويستغلون ذلك الرهاب المرضي المنتشر في بعض المجتمعات الغربية من كل انتقاد يوجه للممارسات الدينية غير المنضبطة، خوفا من أن يفسر ذلك على أنه انتقاد للإسلام.

يكرهون العلمانية 

ما يثير استغرابي، وأتصور أنه يثير استغراب القارئ أيضا، هو أن الدول الأوروبية عرفت عصر التنوير بعد حروب دينية وطائفية طاحنة، وخرج منها فلاسفة ومفكرون ودعاة للدولة المدنية وحرية الاعتقاد وفصل الدين عن الدولة، هل يعقل أن تسمح بأن تعشعش فيها جماعات ظلامية ومعادية للعلمانية والتنوير وتريد إعادة الاعتبار للمؤسسة الدينية وللدين في الحياة العامة؟ هذا أمر لا يصدق.

تصريح ماكرون هو تعبير عن صدمة فرنسا من حجم ورقعة الأدلجة والتأثير السلبي والانغلاقي الذي تمارسه جماعات الإسلام السياسي على المجتمعات المسلمة المحلية

إن العلمانية كفلت الحرية الدينية وممارستها للجميع، وجعلت المسافة متساوية بين الدولة والأديان والاعتقادات كافة، بل أنها كفلت الدعم والرعاية من قبل الدولة لدور العبادة ومنحتها مميزات كثيرة.

ومع ذلك يرفض الإسلاميون العلمانية، والسبب هو ليس لأنها معادية للدين كما يقولون، فمن الواضح أنها ليست كذلك، وإنما لأنها ـ وهذه هي الحقيقة التي ينبغي التركيز عليها ـ تحرم جماعات الإسلام السياسي من تحقيق طموحها في إقامة الدولة الدينية وفرض سلطتها السياسية. بل هي تحرم هذه الجماعات من إمكانية التحكم والتسلط على رقاب المسلمين وغسل أدمغتهم. ومعظم الحملات التي شنت على العلمانية في العالم العربي خلال العقود الماضية إنما جاءت من دعاة يمثلون هذه الجماعات بشكل أو بآخر.

آن له أن يتوقف

لهذا لم يكن عصيا على الفهم أن الجماعات التي تعارض نشر العلمانية والحداثة وتناهض الحريات العامة والخاصة في المجتمعات العربية هي نفسها التي انتقدت تصريحات الرئيس الفرنسي.

فإضافة إلى مؤسسة الأزهر، التي أصبحت خارج نطاق العصر منذ زمن بعيد، خرج ما يسمى "الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين" وهو منظمة إخوانية، ترعاها وتستضيفها وتصرف عليها دولة قطر، ليكيل الاتهامات للرئيس الفرنسي. بل أن أمينها العام "علي محي الدين القرة داغي" صدق نفسه أو نسيها بالأحرى، وهو يقول "السيد الرئيس ماكرون: أنتم في أزمة، أزمة انتكاس أخلاقي وإنساني وسياسي... نحن نشفق على حاكم ما زال يعيش أزمة وشبح حروب دينية، يعيش في قرونها الوسطى ونحن في القرن الحادي والعشرين. الإسلام حقائق وجودية خالدة تملك حلا للمشاكل المستعصية على السلطات، فهو دين الله وليس نظام حكم يعتمد على مزاج الناخبين ولا تزييف الوعي".

طبعا ليس من الصعب التخمين من يعيش في القرن الحادي والعشرين ومن لا يزال يعيش في القرن السابع الهجري، لكن الأمر المؤكد هو أن إسلام المتطرفين والإخوان المسلمين لا يعيش في أزمة، لأنه يحصل عل التمويل من قطر والرعاية من تركيا، والنفوذ من جماعات الإخوان المتلونة التي يسمح لها الغرب بالعمل والنشاط على أراضيه واستغلال قوانينه ومنظوماته المالية. وهو أمر آن له أن يتوقف.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.