A handout picture provided by the Saudi Royal Palace on March 22, 2018 shows former Saudi Ambassador to the United States…
مضمون سرديات الأمير بندر بن سلطان قاس

في "ثلاثية تلفزيونية" يمكن إدراجها في إطار تحديث "أدب المرافعات"، قدّم الأمير بندر بن سلطان، الذي لم يعد يشغل أي وظيفة دبلوماسية أو سياسية أو أمنية في المملكة العربية السعودية، مطالعة زاوجت بين الذكريات من جهة والوثائق من جهة أخرى، ضد السلوك السياسي للقيادات الفلسطينية بحق قضيتهم.

المبرّر المباشر لإطلالة الأمير السعودي الذي طالما أثار الجدل، هنا والإعجاب، هناك ـ فكثر كارهوه كما محبّوه ـ الرد على هجوم تخويني شنّته شخصيات فلسطينية على دول الخليج عموما وعلى الإمارات العربية المتحدة والبحرين خصوصا، بسبب توقيعهما اتفاقيتي سلام منفصلتين مع إسرائيل، في ظل معلومات عن استعداد دول أخرى على الإقدام على خطوة مماثلة.

وكان هدف بندر بن سلطان من "سردياته" التي عاد فوثّقها في مدوّنة إلكترونية أنشأها، بالتزامن مع بث "ثلاثيته" على قناة "العربية" السعودية، الدفاع أمام الشعب السعودي عن "تضحيات" قياداته، منذ نشوء القضية الفلسطينية حتى تاريخه.

الدرس الذي قدّمته "الثلاثية التلفزيونية" كبير: من الآن فصاعدا، لن تجدوا من يضحّي بمصالحه من أجلكم، وقد أصبحتم مادة استغلال

وبيّن "أمير المهمّات الصعبة" أن القيادات الفلسطينية تميّزت بقاسم مشترك، وهو "تضييع الفرص"، من جهة والرهانات الخاسرة، من جهة أخرى.

ولكن ثمّة ما هو أبعد من المضمون في هذه الثلاثية التلفزيونية، وأهم، وأخطر. إنه التعب العربي عموما والخليجي خصوصا من الصراع العربي ـ الإسرائيلي، تحت عنوان عريض اسمه القضية الفلسطينية.

هذه القضية، بغض النظر عن الإجماع العربي، على أنها قضية عادلة، أصبحت، بعرف كثير من الدول المعنية بها، تاريخيا وراهنا، عبئا، لأنّ الممسكين بهذه القضية لا يفتشون عن حل حقيقي، بل يجهدون في تضييع الفرصة تلو الأخرى، وكلّما ندموا كانت ساعة الندم قد ولّت.

وأخطر ما أصاب القضية الفلسطينية أنها تحوّلت، في ظل "صراعات الإلغاء" التي تقودها قياداتها وتياراتها وأحزابها، إلى مطية يستغلّها الأعجمي، من أجل الانقضاض على الدول العربية عموما والخليجية خصوصا، للنيل من استقرارها واستقلاليتها ونموّها.

وتندرج، في هذا السياق الاستغلالي، إيران وتركيا. إيران لبسط هيمنتها على الدول العربية. وتركيا لتغيير أنظمة الحكم فيها.

وهذا يفيد بأن الجهة التي ينتمي إليها الأمير بندر تجد أنّ القضية الفلسطينية، في ما ينشأ عنها وفي ظل مساراتها، لم تعد قضية بل أصبحت حجة يتم استغلالها لأهداف لا علاقة لها لا بفلسطين ولا بشعب فلسطين ولا بحقوق فلسطين، ولا حتى بالصراع مع إسرائيل.

"الثلاثية التلفزيونية"، بسياقها ومضمونها، كانت دليلا صارخا على أن الزمن قد تغيّر كليا، وأن الأنظار لم تعد شاخصة إلى فلسطين، بعدما استغلّ الأعجمي فلسطين، ليثير قلق الدول العربية عموما والدول الخليجية خصوصا على نفسها، وذلك على قاعدة "قُلْ لي من يحمل قضيتك أقلْ لكَ من أنت".

صحيح أن مضمون سرديات الأمير بندر بن سلطان قاس، إلا أن سبر أبعاده يمكن أن يخدم الفلسطينيين وغيرهم من الشعوب العربية المستتبعة للأجندة الإيرانية، من خلال إدراكهم أن الأقربين قبل الأبعدين تعبوا منهم، ومن نواحهم، ومن فقرهم.

الفلسطينيون يلمسون ذلك، موتا ودمارا وحرمانا ولجوءا. السوريون واليمنيون والليبيون والعراقيون والإيرانيون كذلك.

اللبنانيون الذين كانوا ضحايا حرب أهلية طاحنة وطويلة بدأت لأسباب فلسطينية، ها هم يقتحمون نادي الدول التي تأكل شعارات وتموت جوعا.

بيّن "أمير المهمّات الصعبة" أن القيادات الفلسطينية تميّزت بقاسم مشترك، وهو "تضييع الفرص"، من جهة والرهانات الخاسرة، من جهة أخرى

الدرس الذي قدّمته "الثلاثية التلفزيونية" كبير: من الآن فصاعدا، لن تجدوا من يضحّي بمصالحه من أجلكم، وقد أصبحتم مادة استغلال. بات عليكم أن تنقذوا أنفسكم بأنفسكم، أن تفتّشوا عن خلاصكم، أن تستفيدوا من الفرص المتاحة أمامكم، وأن تقيموا دولكم، وفق مقتضيات المصلحة العامة وليس وفق مقتضيات المزايدات التدميرية.

وليس في كل ذلك خدمات تُقدّم لإسرائيل، لأن العداوة لها لم تُفقرها، لم ترمها في بؤرة الحرمان، لم تؤخّر نموّها، لم تمنعها أن تكون رائدة في كل المجالات الاقتصادية، ولم تؤخّر انضمامها الى أكثر الدول تسجيلا لبراءات الاختراع.

إن تقدّم إسرائيل وتراجع أعدائها، لا سبب له إلا أنها لم تربط نفسها بأجندات غيرها، ولم تضحِ بنفسها من أجل تقوية أيّ دولة أخرى، ولا هدرت الفرص السانحة في المزايدات، ولا خاضت حروبا من دون أفق، ولا استخفّت بالتدمير، ولا غرّدت فرحا بسقوط قتلاها، ولا استهانت بغضب المجتمع الدولي، ولا راهنت على المأزومين.

يمكن أن يفرح البعض بشتم الأمير بندر بن سلطان، ويمكن أن يُهلّل البعض لمديحه، إلا أن كل ذلك تفصيل جانبي، لأنه المهم يبقى في قراءة أبعاد حدث لا مثيل له في العالم العربي.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.