في "ثلاثية تلفزيونية" يمكن إدراجها في إطار تحديث "أدب المرافعات"، قدّم الأمير بندر بن سلطان، الذي لم يعد يشغل أي وظيفة دبلوماسية أو سياسية أو أمنية في المملكة العربية السعودية، مطالعة زاوجت بين الذكريات من جهة والوثائق من جهة أخرى، ضد السلوك السياسي للقيادات الفلسطينية بحق قضيتهم.
المبرّر المباشر لإطلالة الأمير السعودي الذي طالما أثار الجدل، هنا والإعجاب، هناك ـ فكثر كارهوه كما محبّوه ـ الرد على هجوم تخويني شنّته شخصيات فلسطينية على دول الخليج عموما وعلى الإمارات العربية المتحدة والبحرين خصوصا، بسبب توقيعهما اتفاقيتي سلام منفصلتين مع إسرائيل، في ظل معلومات عن استعداد دول أخرى على الإقدام على خطوة مماثلة.
وكان هدف بندر بن سلطان من "سردياته" التي عاد فوثّقها في مدوّنة إلكترونية أنشأها، بالتزامن مع بث "ثلاثيته" على قناة "العربية" السعودية، الدفاع أمام الشعب السعودي عن "تضحيات" قياداته، منذ نشوء القضية الفلسطينية حتى تاريخه.
الدرس الذي قدّمته "الثلاثية التلفزيونية" كبير: من الآن فصاعدا، لن تجدوا من يضحّي بمصالحه من أجلكم، وقد أصبحتم مادة استغلال
وبيّن "أمير المهمّات الصعبة" أن القيادات الفلسطينية تميّزت بقاسم مشترك، وهو "تضييع الفرص"، من جهة والرهانات الخاسرة، من جهة أخرى.
ولكن ثمّة ما هو أبعد من المضمون في هذه الثلاثية التلفزيونية، وأهم، وأخطر. إنه التعب العربي عموما والخليجي خصوصا من الصراع العربي ـ الإسرائيلي، تحت عنوان عريض اسمه القضية الفلسطينية.
هذه القضية، بغض النظر عن الإجماع العربي، على أنها قضية عادلة، أصبحت، بعرف كثير من الدول المعنية بها، تاريخيا وراهنا، عبئا، لأنّ الممسكين بهذه القضية لا يفتشون عن حل حقيقي، بل يجهدون في تضييع الفرصة تلو الأخرى، وكلّما ندموا كانت ساعة الندم قد ولّت.
وأخطر ما أصاب القضية الفلسطينية أنها تحوّلت، في ظل "صراعات الإلغاء" التي تقودها قياداتها وتياراتها وأحزابها، إلى مطية يستغلّها الأعجمي، من أجل الانقضاض على الدول العربية عموما والخليجية خصوصا، للنيل من استقرارها واستقلاليتها ونموّها.
وتندرج، في هذا السياق الاستغلالي، إيران وتركيا. إيران لبسط هيمنتها على الدول العربية. وتركيا لتغيير أنظمة الحكم فيها.
وهذا يفيد بأن الجهة التي ينتمي إليها الأمير بندر تجد أنّ القضية الفلسطينية، في ما ينشأ عنها وفي ظل مساراتها، لم تعد قضية بل أصبحت حجة يتم استغلالها لأهداف لا علاقة لها لا بفلسطين ولا بشعب فلسطين ولا بحقوق فلسطين، ولا حتى بالصراع مع إسرائيل.
"الثلاثية التلفزيونية"، بسياقها ومضمونها، كانت دليلا صارخا على أن الزمن قد تغيّر كليا، وأن الأنظار لم تعد شاخصة إلى فلسطين، بعدما استغلّ الأعجمي فلسطين، ليثير قلق الدول العربية عموما والدول الخليجية خصوصا على نفسها، وذلك على قاعدة "قُلْ لي من يحمل قضيتك أقلْ لكَ من أنت".
صحيح أن مضمون سرديات الأمير بندر بن سلطان قاس، إلا أن سبر أبعاده يمكن أن يخدم الفلسطينيين وغيرهم من الشعوب العربية المستتبعة للأجندة الإيرانية، من خلال إدراكهم أن الأقربين قبل الأبعدين تعبوا منهم، ومن نواحهم، ومن فقرهم.
الفلسطينيون يلمسون ذلك، موتا ودمارا وحرمانا ولجوءا. السوريون واليمنيون والليبيون والعراقيون والإيرانيون كذلك.
اللبنانيون الذين كانوا ضحايا حرب أهلية طاحنة وطويلة بدأت لأسباب فلسطينية، ها هم يقتحمون نادي الدول التي تأكل شعارات وتموت جوعا.
بيّن "أمير المهمّات الصعبة" أن القيادات الفلسطينية تميّزت بقاسم مشترك، وهو "تضييع الفرص"، من جهة والرهانات الخاسرة، من جهة أخرى
الدرس الذي قدّمته "الثلاثية التلفزيونية" كبير: من الآن فصاعدا، لن تجدوا من يضحّي بمصالحه من أجلكم، وقد أصبحتم مادة استغلال. بات عليكم أن تنقذوا أنفسكم بأنفسكم، أن تفتّشوا عن خلاصكم، أن تستفيدوا من الفرص المتاحة أمامكم، وأن تقيموا دولكم، وفق مقتضيات المصلحة العامة وليس وفق مقتضيات المزايدات التدميرية.
وليس في كل ذلك خدمات تُقدّم لإسرائيل، لأن العداوة لها لم تُفقرها، لم ترمها في بؤرة الحرمان، لم تؤخّر نموّها، لم تمنعها أن تكون رائدة في كل المجالات الاقتصادية، ولم تؤخّر انضمامها الى أكثر الدول تسجيلا لبراءات الاختراع.
إن تقدّم إسرائيل وتراجع أعدائها، لا سبب له إلا أنها لم تربط نفسها بأجندات غيرها، ولم تضحِ بنفسها من أجل تقوية أيّ دولة أخرى، ولا هدرت الفرص السانحة في المزايدات، ولا خاضت حروبا من دون أفق، ولا استخفّت بالتدمير، ولا غرّدت فرحا بسقوط قتلاها، ولا استهانت بغضب المجتمع الدولي، ولا راهنت على المأزومين.
يمكن أن يفرح البعض بشتم الأمير بندر بن سلطان، ويمكن أن يُهلّل البعض لمديحه، إلا أن كل ذلك تفصيل جانبي، لأنه المهم يبقى في قراءة أبعاد حدث لا مثيل له في العالم العربي.

