Muslim worshippers, mask-clad due to the COVID-19 coronavirus pandemic, arrive at the courtyard of the historic al-Azhar mosque…
داخل جامع الأزهر

وصف شيخ الأزهر أحمد الطيب، تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الأخيرة بشأن الإسلام، بأنها تصريحات "غير مسؤولة".

وكان ماكرون ألقى خطابا أعلن فيه أن على فرنسا التصدي لما سماها "الانعزالية الإسلامية"، لأنها كما يقول تسعى إلى "إقامة نظام مواز" و"إنكار الجمهورية"، معتبرا أن الإسلام "ديانة تعيش اليوم أزمة في كل مكان في العالم".

وقال الشيخ أحمد الطيب، عضو الحزب الوطني السابق في عهد الرئيس حسني مبارك وشيخ الجامع الأزهر حاليا، في تغريدة نشرها باللغات العربية والإنكليزية والفرنسية "في الوقت الذي نسعى فيه مع حكماء الغرب لتعزيز قيم المواطنة والتعايش، تصدرُ تصريحات غير مسؤولة، تتخذ من الهجوم على الإسلام غطاءً لتحقيق مكاسب سياسية واهية، هذا السلوك اللاحضاري ضد الأديان يؤسِّس لثقافة الكراهية والعنصرية ويولِّد الإرهاب".

هل كان الأزهر فعلا ينتظر من رئيس فرنسا الحرة شيئا غير ما قاله عن الإسلام؟

واستنكر أيضا مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف التصريحات الأخيرة الصادرة عن الرئيس الفرنسي.

وجاء في بيان صدر عن المجمع أنه أكد "رفضه الشديد لتلك التصريحات التي تنسف كل الجهود المشتركة بين الرموز الدينية للقضاء على العنصرية والتنمر ضد الأديان"، مؤكدا أن "مثل هذه التصريحات العنصرية من شأنها أن تؤجج مشاعر ملياري مسلم ممن يتبعون هذا الدين الحنيف".

وشدّد مجمع البحوث الإسلامية على أن "إصرار البعض على إلصاق التهم الزائفة بالإسلام أو غيره من الأديان، هو خلط معيب بين حقيقة ما تدعو إليه الأديان من دعوة للتقارب بين البشر وعمارة الأرض وبين استغلال البعض لنصوص هذه الأديان وتوظيفها لتحقيق أغراض هابطة".

ودعا المجمع هؤلاء الذين يدعمون هذه التهم إلى "التخلي عن أساليب الهجوم على الأديان ووصفها بأوصاف بغيضة، لأن ذلك من شأنه أن يقطع الطريق أمام كل حوار بناء، كما أنه يدعم خطاب الكراهية ويأخذ العالم في اتجاه من شأنه أن يقضي على المحاولات المستمرة للوصول بهذا العالم إلى مجتمع يرسخ للتعايش بين أبنائه ويقضي على التفرقة والعنصرية".

ومما لا شك فيه أن التعايش بين الأديان واحترام الناس لديانات الآخرين هو شيء رائع وهام، ولكن هناك أمور لابد من الالتفات إليها أيضا في هذا الأمر.

فهل كان شيخ الأزهر على سبيل المثال ينتظر من ماكرون أن يرى مبادئ الفقه الإسلامي الحالية والذي يتم تدريسه في مشيخة الأزهر تدعو إلى قتال غير المسلمين لنشر الدين وتخيير غير المسلمين بين الإسلام أو الجزية أو القتل ـ ثم يقف الرئيس الفرنسي بعد ذلك ليقول للعالم لقد علمتنا الشريعة الإسلامية مبادئ التعايش السلمي بين الحضارات؟

أم هل كان ينتظر شيخ الأزهر من الرئيس الفرنسي أن يقرأ عن إباحة ضرب الزوج لزوجته في الشريعة الإسلامية وأن الأمر مقبولا عند فضيلة الشيخ الجليل طالما أنه "لا يكسر عظامها" ـ ثم يمسك مكبر صوت ليعلن للبشرية جمعاء أن الشريعة الإسلامية هي التي أعطت المرأة حقوقها وأنها تتفوق على كل مبادئ حقوق الإنسان.

قبل أن تلوموا الرئيس الفرنسي جددوا فكركم وفقهكم حتى لا يهاجمكم الآخرون!

أم يا ترى كان فضيلته ينتظر من الرئيس ماكرون أن يقول عن قصة البخاري عن زواج الرسول وهو فوق سن الخمسين من عمره من طفلة عمرها 7 سنوات والدخول بها وهي تسع سنوات بأنه مثال رائع للبشرية وأن على العالم أجمع أن يحتذى ويقتدى به!

وهل يا ترى كان الأزهر ينتظر من رئيس فرنسا أن يصف حد الرجم حتى الموت ـ والذي يقره معظم شيوخ الإسلام ويرفضون شجبه حينما يتم تنفيذه باسم "الشريعة الغراء" ـ بأنه "رحمة للعالمين"!

وهل كان شيوخ الأزهر الأفاضل ينتظرون من ماكرون أن يقرأ فقه الشريعة وهو يجعل دية المسلم أكبر من دية المسيحي ودية الذكر أكثر من دية الأنثى ـ ثم يعلن على شاشات التلفزيون والفضائيات أنه اكتشف أن الإسلام هو فعلا ديانة المساواة بين البشر؟

وهل كان الأزهر فعلا ينتظر من رئيس فرنسا الحرة شيئا غير ما قاله عن الإسلام؟

سيكون من حق شيخ الأزهر أن يعترض على ما قاله ماكرون فقط حينما يبدأ تدريس فقها جديدا يدعو حقا للسلام والإنسانية والمساواة بين البشر بدلا مما تم ذكره أعلاه من فظائع وجرائم ضد الضمير الإنساني!

فقبل أن تلوموا الرئيس الفرنسي جددوا فكركم وفقهكم حتى لا يهاجمكم الآخرون!
فالأمر ـ أي منع الهجوم على الإسلام ـ في يدكم أنتم يا شيوخ الأزهر!

وللحديث بقية!

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.