In this handout photo taken from video released by Azerbaijan's Defense Ministry on Saturday, Oct. 3, 2020, an Azerbaijan's…
قوات أذربيجانية تطلق صواريخ على أهداف أرمنية

في شهر يوليو الفائت كانت الأجواء في أذربيجان مشحونة. المناوشات الحدودية المتقطعة مع أرمينيا تحولت إلى غضب داخلي أثناء تشييع 11 جنديا بينهم جنرال برتبة لواء، قتلوا أثناء الاشتباكات مع الجيش الأرمني. فقد انتقل المعزون من أحد أحياء العاصمة باكو سيرا على الأقدام إلى مبنى البرلمان في وسط المدينة، وما لبثت حركتهم العفوية التي كانت بالمئات أن تحولت إلى الآلاف، وقد قدّرت وسائل إعلامية غطت الحدث أن تعداد من وصلوا إلى البرلمان وحاولوا اقتحامه بلغ قرابة 30 ألف. 

وفي مساء 14 يوليو كانت شرطة مكافحة الشغب حذرة جدا في تعاطيها مع المتظاهرين الذين نجح بعضهم في اقتحام البرلمان وفي مواجهة الشرطة وتحطيم بعض السيارات التابعة لها وسط هتافات داعمة للجيش ومؤيدة للحرب ومنددة بسياسات الحكومة.

سلطة أذربيجان القمعية وجدت في التوتر العسكري المتصاعد مع أرمينيا مخرجا مؤقت لاحتواء ضغوط الشارع والمعارضة السياسية، وفرصة لوقف مسلسل التنازلات تحت وطأة الأوضاع الاقتصادية والاستياء العام في البلاد الذي تُرجم أكثر من مرة في الشارع، لذلك سارعت الحكومة إلى تعامل مختلف مع احتجاجات 14 يوليو خوفا من تطور الموقف ضدها، واستغلت مطالب المتظاهرين في الانتقام لقتلى الجيش على اعتبارها حراكا وطنيا داعما للدولة والحكومة.

ميزان القوة في هذه المواجهة يميل لصالح باكو، وهي تحاول استثماره سياسيا

منذ ثلاثة أشهر، تصاعد التوتر بين البلدين ما أدى إلى اندلاع مواجهة عسكرية حتى الآن لم يتضح من هو الطرف الذي أشعلها ولم يعد بمقدوره السيطرة عليها، وباتت تهدد استقرار منطقة القوقاز، إلا أن الطرفين كانا بحاجة إلى مثل هذا الاحتكاك الخشن، لكن شرط ألا يصل إلى حرب مفتوحة تضر بالاستقرار الإقليمي.

باكو من جهتها كانت منذ سنوات تستعد لمعركة تعيد التوازنات العسكرية بعد سنوات من التراجع أمام يريفان، فقد كانت مصرة على استرجاع ما تعتبره أراضي أذربيجانية محتلة وعودة أكثر من 600 ألف نازح أذري إلى ديارهم.

في المقابل، يريفان بحاجة ماسة إلى اختبار موقف حلفائها التقليديين (روسيا وإيران) والدوليين خصوصا الاتحاد الأوروبي، الذي يختلف موقفه عن موقف واشنطن الضبابي، فالعلاقة الروسية الأرمينية تمر بمرحلة معقدة بعدما أطاحت ثورة شعبية بحكومة يريفان الحليفة لموسكو، كما أن الأزمة الحالية هي اختبار لمدى قدرة موسكو على التدخل لصالحها كما في المواجهات السابقة، خصوصا مع تحسن العلاقات بين موسكو وباكو، التي استوردت كميات كبيرة من الأسلحة الروسية التقليدية الثقيلة يمكن أن تغير الوقائع الميدانية. فيما الموقف الإيراني يزداد ارتباكا نتيجة للضغوط الداخلية وخوفا من إثارة حفيظة أذر إيران ضد حكومة طهران المنحازة تقليديا لأرمينيا.

تعوّل باكو على الضغط العسكري لتحقيق تقدم ميداني ملموس قبل التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق نار جديد يساعدها على فرض قواعد جديدة للمفاوضات

عمليا، حددت أذربيجان أهدافها من وراء التصعيد، فهي تريد إحراج مجموعة مينسك المؤلفة من (روسيا، الولايات المتحدة وفرنسا) التي أُنشأت سنة 1992 من أجل حلّ النزاع بين الطرفين، وتتهمها السلطات الأذرية بالانحياز ليريفان، وعدم الضغط عليها من أجل تطبيق اتفاقيات سابقة تطالبها بالانسحاب من 7 مدن من أصل 9 أذرية محتلة هي (لاجين، خوجاوند، كلباجار، أغدره، أغدام، جبرائيل، فضولي، قوبادلي وزنكيلان) حيث تتهم باكو  يريفان في المماطلة في تنفيذ بنود اتفاقية وقف إطلاق النار المعروفة باسم "بروتوكول بيشكيك"، الموقعة بين الطرفين في 4-5 مايو 1994.

ميزان القوة في هذه المواجهة يميل لصالح باكو، وهي تحاول استثماره سياسيا، فقد تجنبت مهاجمة الأراضي الأرمنية حتى تضمن حياد موسكو الملتزمة بحماية جمهورية أرمينيا بوصفها عضوا في اتفاقية الأمن الجماعي التي تقودها روسيا، كما أنها تعوّل على الضغط العسكري لتحقيق تقدم ميداني ملموس قبل التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق نار جديد يساعدها على فرض قواعد جديدة للمفاوضات.

عمليا، تريد باكو رمي الكرة في ملعب موسكو المربكة بين الحفاظ على تحالفها مع يريفان بالرغم من فتور العلاقة بعد وصول حكومة قريبة من واشنطن سنة 2018 وعدم رغبتها في خسارة باكو التي تواصل تعاونها الإيجابي معها منذ سنوات، لذلك لن تعترض على قيادة موسكو لمفاوضات الحل التي بدأت يوم الجمعة برعاية وزارة الخارجية الروسية، حيث  سقف التوقعات لن يتجاوز التوصل إلى هدنة إنسانية فقط ولأيام، فحرائق القوقاز المتكررة لم يعد بمقدور موسكو إخمادها لوحدها بعدما توسعت التدخلات وتعقدت الحلول، بالرغم من أن الجميع يدعون إلى حلّ سلمي للأزمة.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.