خلال زمن قياسي، شهدت مثل باقي أبناء جيلي من الكتاب الصحفيين تحولات عصرية مدهشة، أثرت حياتنا وصنعت لها ذاكرة ذات ذائقة مختلفة في خصوصيتها بعض الشيء.
رحلة ابتدأت فيها حياتي المهنية بالكتابة باستخدام الورقة والقلم، قبل أن أتماشى مع العصر وأقتني آلة كاتبة صغيرة، لازمتني لاحقا في أسفاري مثل حقيبة الماكياج أينما ذهبت، لأطبع ما أكتبه على ورق قبل أن يرسل للنشر عبر البريد.
سيبدو لاحقا، أن الرجل الفطن الذي طور الآلة الكاتبة وحولها إلى كهربائية، كان شخصا ودودا ويمتلك حساسية للجندر، حيث نمتنّ له كنساء كاتبات أنه أبدى تعاطفا مع مظهرنا، وخلّصنا من أوجاع مفاصل أصابعنا الرقيقة وتهشيم الأظافر المستمر، إلا أنه لم يحسب حسابا لوزن آلته وصعوبة نقلها، رغم ذلك قدم للجميع خدمة جليلة للطباعة السلسة استمرت لبضع سنوات.
وكمثل كسّارة حجر تهدر بصخب، سنتقبل لسنوات ضجيج ماكينة التلكس لقاء إمكانياتها المغرية التي جمعت بين الطباعة والتواصل المباشر مع العالم، تلك التي كانت تنجب شرائط دودية صفراء طويلة ومثقبة تصل أحيانا إلى عشرات الأمتار، تختصر خلاصة كتاباتنا ومحادثاتنا وتشفرّها، قبل أن تختفي بسرعة كما جاءت، وتذهب تلك الشرائط إلى رفوف النسيان.
الكاتب الإعلامي الذي استهل حياته المهنية مدافعا عن قيم الحرية والجمال، وحرص خلال مسيرته على أن يكون صديقا للشعوب ومنحازا لحقوقها بثبات، لم تتغير مبادئه بتبدل أدواته وماكيناته، ولم تتبدل قناعاته بتغير الزمن وتقلباته
ولأننا نهوى كل جديد ومدهش، سيحتل جهاز الفاكس زوايا مكاتبنا وبيوتنا بسرعة ملفتة كأسرع ناقل لأوراقنا، لكنه لا يطبع، وسيجبر الجميع للعودة للكتابة بخط اليد، أو استخدام أوراق مطبوعة، في وقت بدأت فيه أجهزة الكومبيوتر غير المحمولة تتسرب ببطء بين بعض المقتدرين ماليا، وتبشر بقرب الانفجار الكوني السريع الذي أتاحها للجميع، وفتح معها عالم الإنترنيت المذهل، وآلاف المعاهد المتخصصة بدورات التعليم التقني وآفاق المعلوماتية.
كل ما تقدم أعلاه، راكم في أرشيفنا آلاف الأوراق المطبوعة المخزنة، وبعض شرائط التلكس التي تحولت ماكيناتها إلى خردة معدنية، والآلاف من أوراق الفاكس الشبحية التي اختفى أثر حبرها مع مرور الزمن، سيضاف إليهم مخزون حديث وضخم من مفرزات أجهزة الكومبيوتر غير المحمول ثم المحمول حتى اليوم.
وهي، مئات الحافظات البلاستيكية لبياناتنا المخزنة(فلوبي-ديسك)، ثم الآلاف من الأسطوانات المضغوطة المدمجة (CD)، تلتها أسطوانات الفيديو الرقمي (DVD)، وصولا إلى أعداد من وحدات الذاكرة الفلاشية(USB) خفيفة الحمل، أو اختصار ما تقدم عبر حفظ البيانات بالأقراص الصلبة الخارجية(Hard Disk) التي كلما اكتنزت إحداها، سارعنا لاقتناء الأكبر سعة صدرا لكلماتنا التي لا تنتهي.
لم نكتف بكل هذا المخزون، ويمتلك معظمنا اليوم أكثر من بريد إلكتروني، نرسل بعض ما نهتم بحفظه من بريد إلى الآخر، أضف إلى ما نخزنه من أرشيف حافل عبر Messenger، أو Drive Google، حتى باتت حياتنا أسيرة لعشرات كلمات السر (Password)، التي ننساها ونتوه بينها كل حين، إن لم نسجلها على ورقة ونخفيها تحت سابع أرض.
رحلة لم تكن طويلة زمنيا، لكنها كانت مثيرة حتما، شهدنا فيها هذه التحولات التي يسرت حياتنا من ناحية، وطورت أدواتنا، وفتحت الآفاق أمامنا لاكتساب معلومات ومعارف جديدة، إلا أنها جمدتنا اليوم كأسرى لغلاف العصر الرقمي الذي اختصر كل تفاصيل حياتنا الشخصية والعامة إلى مخزون رقمي وروابط، نفزع من ضياعها جراء عطل تقني أو انعدام الخبرة، أو احتمالية قرصنتها من ناهبي أفكارنا الإلكترونيين الأشرار.
حرص بعض من استهلوا حياتهم المهنية بالارتهان للأنظمة والمال السياسي والحزبي، بالثبات على قناعاتهم والاخلاص لارتهانهم
في استعراض هذه التحولات، كان مدهشا بدوره مراقبة الذات البشرية القابلة، والقادرة ببعض الخبرة والتعلم على الاندماج مع كل جديد، والتأقلم مع أدوات العصرنة، وقراءة التحولات الجوهرية على هذه الذات وهويتها، أو ثباتها.
فإن عاد المرء إلى كتابات بعض الكتاب المخضرمين ممن تركوا بصمتهم المؤثرة في الحقل الإعلامي العربي بشكل خاص، سيكتشف أن الكاتب الإعلامي الذي استهل حياته المهنية مدافعا عن قيم الحرية والجمال، وحرص خلال مسيرته على أن يكون صديقا للشعوب ومنحازا لحقوقها بثبات، لم تتغير مبادئه بتبدل أدواته وماكيناته، ولم تتبدل قناعاته بتغير الزمن وتقلباته.
فيما حرص بعض من استهلوا حياتهم المهنية بالارتهان للأنظمة والمال السياسي والحزبي، بالثبات على قناعاتهم والاخلاص لارتهانهم، رغم أنهم بدورهم تعاملوا مع تبدل الأدوات بيسر وسهولة. وبين أولئك وهؤلاء، يحفل أرشيف الذاكرة بالمتبدلين والمتحولين مع كل عصر، ومع تبدل الأنظمة السياسية والاجتماعية والثقافية، والذين تكاد تحولاتهم تنافس في سرعتها التحولات التقنية لكل عصر وأدواته.
في جوهر القصة واختصارها، وبعد مرورك كشاهد على هذه التحولات المثيرة، لم يعد مهما في الحقيقة إن كنت تفضل الكتابة على الكومبيوتر، أو تحن للكتابة على ورقة أو حائط أو شجرة، المهم ماذا تكتب، وهل أقمت جردة حساب مع ذاتك ومخزونك إن كان ما كتبته أو ستكتبه يمتلك بعض الطاقة الصادقة التي يمكن أن تضيء درب قارئ ما في هذه الحياة.
الإجابة دوما عند الزمن.

