The 'Valentine Typewriter' (1970), designed by Ettore Sottsass and Perry King and from the film A Clockwork Orange, is…
رحلة ابتدأت فيها حياتي المهنية بالكتابة باستخدام الورقة والقلم، قبل أن أتماشى مع العصر وأقتني آلة كاتبة صغيرة، لازمتني لاحقا في أسفاري مثل حقيبة الماكياج أينما ذهبت

خلال زمن قياسي، شهدت مثل باقي أبناء جيلي من الكتاب الصحفيين تحولات عصرية مدهشة، أثرت حياتنا وصنعت لها ذاكرة ذات ذائقة مختلفة في خصوصيتها بعض الشيء.

رحلة ابتدأت فيها حياتي المهنية بالكتابة باستخدام الورقة والقلم، قبل أن أتماشى مع العصر وأقتني آلة كاتبة صغيرة، لازمتني لاحقا في أسفاري مثل حقيبة الماكياج أينما ذهبت، لأطبع ما أكتبه على ورق قبل أن يرسل للنشر عبر البريد.

سيبدو لاحقا، أن الرجل الفطن الذي طور الآلة الكاتبة وحولها إلى كهربائية، كان شخصا ودودا ويمتلك حساسية للجندر، حيث نمتنّ له كنساء كاتبات أنه أبدى تعاطفا مع مظهرنا، وخلّصنا من أوجاع مفاصل أصابعنا الرقيقة وتهشيم الأظافر المستمر، إلا أنه لم يحسب حسابا لوزن آلته وصعوبة نقلها، رغم ذلك قدم للجميع خدمة جليلة للطباعة السلسة استمرت لبضع سنوات.

وكمثل كسّارة حجر تهدر بصخب، سنتقبل لسنوات ضجيج ماكينة التلكس لقاء إمكانياتها المغرية التي جمعت بين الطباعة والتواصل المباشر مع العالم، تلك التي كانت تنجب شرائط دودية صفراء طويلة ومثقبة تصل أحيانا إلى عشرات الأمتار، تختصر خلاصة كتاباتنا ومحادثاتنا وتشفرّها، قبل أن تختفي بسرعة كما جاءت، وتذهب تلك الشرائط إلى رفوف النسيان.

الكاتب الإعلامي الذي استهل حياته المهنية مدافعا عن قيم الحرية والجمال، وحرص خلال مسيرته على أن يكون صديقا للشعوب ومنحازا لحقوقها بثبات، لم تتغير مبادئه بتبدل أدواته وماكيناته، ولم تتبدل قناعاته بتغير الزمن وتقلباته

ولأننا نهوى كل جديد ومدهش، سيحتل جهاز الفاكس زوايا مكاتبنا وبيوتنا بسرعة ملفتة كأسرع ناقل لأوراقنا، لكنه لا يطبع، وسيجبر الجميع للعودة للكتابة بخط اليد، أو استخدام أوراق مطبوعة، في وقت بدأت فيه أجهزة الكومبيوتر غير المحمولة تتسرب ببطء بين بعض المقتدرين ماليا، وتبشر بقرب الانفجار الكوني السريع الذي أتاحها للجميع، وفتح معها عالم الإنترنيت المذهل، وآلاف المعاهد المتخصصة بدورات التعليم التقني وآفاق المعلوماتية.

كل ما تقدم أعلاه، راكم في أرشيفنا آلاف الأوراق المطبوعة المخزنة، وبعض شرائط التلكس التي تحولت ماكيناتها إلى خردة معدنية، والآلاف من أوراق الفاكس الشبحية التي اختفى أثر حبرها مع مرور الزمن، سيضاف إليهم مخزون حديث وضخم من مفرزات أجهزة الكومبيوتر غير المحمول ثم المحمول حتى اليوم.

وهي، مئات الحافظات البلاستيكية لبياناتنا المخزنة(فلوبي-ديسك)، ثم الآلاف من الأسطوانات المضغوطة المدمجة (CD)، تلتها أسطوانات الفيديو الرقمي (DVD)، وصولا إلى أعداد من وحدات الذاكرة الفلاشية(USB)  خفيفة الحمل، أو اختصار ما تقدم عبر حفظ البيانات بالأقراص الصلبة الخارجية(Hard Disk)  التي كلما اكتنزت إحداها، سارعنا لاقتناء الأكبر سعة صدرا لكلماتنا التي لا تنتهي.

لم نكتف بكل هذا المخزون، ويمتلك معظمنا اليوم أكثر من بريد إلكتروني، نرسل بعض ما نهتم بحفظه من بريد إلى الآخر، أضف إلى ما نخزنه من أرشيف حافل عبر Messenger، أو Drive Google، حتى باتت حياتنا أسيرة لعشرات كلمات السر (Password)، التي ننساها ونتوه بينها كل حين، إن لم نسجلها على ورقة ونخفيها تحت سابع أرض.

رحلة لم تكن طويلة زمنيا، لكنها كانت مثيرة حتما، شهدنا فيها هذه التحولات التي يسرت حياتنا من ناحية، وطورت أدواتنا، وفتحت الآفاق أمامنا لاكتساب معلومات ومعارف جديدة، إلا أنها جمدتنا اليوم كأسرى لغلاف العصر الرقمي الذي اختصر كل تفاصيل حياتنا الشخصية والعامة إلى مخزون رقمي وروابط، نفزع من ضياعها جراء عطل تقني أو انعدام الخبرة، أو احتمالية قرصنتها من ناهبي أفكارنا الإلكترونيين الأشرار.

حرص بعض من استهلوا حياتهم المهنية بالارتهان للأنظمة والمال السياسي والحزبي، بالثبات على قناعاتهم والاخلاص لارتهانهم

في استعراض هذه التحولات، كان مدهشا بدوره مراقبة الذات البشرية القابلة، والقادرة ببعض الخبرة والتعلم على الاندماج مع كل جديد، والتأقلم مع أدوات العصرنة، وقراءة التحولات الجوهرية على هذه الذات وهويتها، أو ثباتها.

فإن عاد المرء إلى كتابات بعض الكتاب المخضرمين ممن تركوا بصمتهم المؤثرة في الحقل الإعلامي العربي بشكل خاص، سيكتشف أن الكاتب الإعلامي الذي استهل حياته المهنية مدافعا عن قيم الحرية والجمال، وحرص خلال مسيرته على أن يكون صديقا للشعوب ومنحازا لحقوقها بثبات، لم تتغير مبادئه بتبدل أدواته وماكيناته، ولم تتبدل قناعاته بتغير الزمن وتقلباته.

فيما حرص بعض من استهلوا حياتهم المهنية بالارتهان للأنظمة والمال السياسي والحزبي، بالثبات على قناعاتهم والاخلاص لارتهانهم، رغم أنهم بدورهم تعاملوا مع تبدل الأدوات بيسر وسهولة. وبين أولئك وهؤلاء، يحفل أرشيف الذاكرة بالمتبدلين والمتحولين مع كل عصر، ومع تبدل الأنظمة السياسية والاجتماعية والثقافية، والذين تكاد تحولاتهم تنافس في سرعتها التحولات التقنية لكل عصر وأدواته.

في جوهر القصة واختصارها، وبعد مرورك كشاهد على هذه التحولات المثيرة، لم يعد مهما في الحقيقة إن كنت تفضل الكتابة على الكومبيوتر، أو تحن للكتابة على ورقة أو حائط أو شجرة، المهم ماذا تكتب، وهل أقمت جردة حساب مع ذاتك ومخزونك إن كان ما كتبته أو ستكتبه يمتلك بعض الطاقة الصادقة التي يمكن أن تضيء درب قارئ ما في هذه الحياة.

الإجابة دوما عند الزمن.

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.