The mother (C-R) of Omar Radi (pictured), a prominent Moroccan journalist and activist on trial over charges of rape and…
تظاهرة دفاعا عن حرية التعبير في المغرب

في مستهل الصيف الأخير (يونيو 2020)، لم يعر الجمهور العريض في المغرب أدنى اهتمام بخبر الإجراءات الاستثنائية التي أعلنت الحكومة عنها، والتي تستهدف دعم العاملين في قطاع الصناعات الثقافية والإبداعية، من أجل مواجهة التحديات التي فرضها فيروس كورونا المستجد.

ووصلت لامبالاة الناس بموضوع عدم ثقتهم في الحكومة وانهيار شعبيتها أوساط واسعة وكبيرة من المواطنين المغاربة. إذ باتوا يعتبرونها "حكومة لا شعبية.. تنهج سياسات لا شعبية". وما يدل على ذلك التظاهرات والاحتجاجات اليومية، وانفجار سيل الانتقادات على مواقع التواصل الاجتماعي ضد حكومة سعد الدين العثماني (من حزب العدالة والتنمية، الإسلامي).

يقود العثماني أغلبية حكومية مبرقعة وهجينة تتشكل من خمسة أحزاب تتناقض في توجهاتها واختياراتها الاجتماعية المعلنة، ما بين اليمين الليبرالي (الاتحاد الدستوري)، وحزب الباطرونا (التجمع الوطني للأحرار)، والاشتراكيين الذين تخلوا عن يساريتهم واندحرت مكانتهم الجماهيرية التي كانت (الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية)، واليمين التقليدي (الحركة الشعبية)، إضافة إلى حزب العدالة والتنمية. وهي تشكيلة لا يجمعها سوى الاعتصام بحبل النظام المخزني الموغل في القرون والعهود البالية، والولاء اللامشروط لنهجه ومبايعته. ولعل هذا هو المبتغى والمرتجى.

الممارسات الريعية أضرت حقيقة بالتماسك الاجتماعي، وأضرت أكثر الاقتصاد الوطني

لكن ما أن وصل برنامج الدعم الاستثنائي الموجه لفئة الفنانين، المغنين والمغنيات أساسا، حتى اندلعت ضجة كبرى لم تخمد بعد، وسط فئات وطبقات الشعب التي تعاني أكثر من وطأة الجائحة ومن تداعياتها الثقيلة.

كانت المبالغ المالية كبيرة في نظر الكثيرين، (من ثمانية ألف دولار للفنان إلى 32 ألف دولار).

ويتداول المغاربة اللائحة التي ضمت أسماء متطفلين على الفن. ويعتبر بعضهم أن هناك من استفاد من الدعم من دون أن يستحقه، بسبب ضحالة ورداءة ما يقدمه من إنتاجات، أو لكونه في غنى عن كل دعم، إذ تستفيد أكثريتهم منذ سنوات من مأذونيات الدولة (رخص نقل)، أو لهم مقاولات خاصة وموارد تقيهم شظف العيش، بل يُعد بعضهم يعتبر في حساب الطبقات الموسرة، وآخرون نكرات لا يعرفهم الجمهور ولم يسمع بهم أحد من قبل.

وبرأي البعض أن هناك فنانون آخرون يستحقون هذا الدعم أكثر من هؤلاء. وذكرت في هذا السياق فئة التقنيين باعتبارها أكبر المتضررين من توقف النشاط الفني. أو أن الأولى بالدعم هم الفنانون والموسيقيون العاملون بالملاهي والكباريهات، والفنانون الذين يحيون الحفلات والأعراس، الذين اضطر بعضهم اليوم لبيع آلاته بسبب الوضعية المادية الصعبة.

وقد خرجت تظاهرة في مدينة فاس تقدمتها نساء يعملن في مجال "النكافة"، أي تزيين العرسان في حفلات الزفاف، مع ترديد أهازيج شعبية تقليدية تنشد بالمناسبة. وهؤلاء النساء غير مسجلات لدى وزارة الثقافة ونقابات الفنانين، هن ضمن الفئات الأكثر هشاشة. يضاف إليهن الفنانون الشعبيون في شوارع وساحات البلاد، في مقدمتها ساحة "جامع الفنا" في مراكش التي صنفتها منظمة اليونسكو ضمن التراث اللامادي الإنساني.

وشكك محتجون ينتسبون للقطاع الفني تظاهروا أمام وزارة الثقافة بالرباط، في عدالة لجنة انتقاء المشاريع، وطالبوا بنشر معايير الدعم التي استندت إليها اللجنة المعنية.

ودخل على الخط عدد آخر من الفنانين الذين تم استثناؤهم، منهم الفنان المسرحي الرائد عبد القادر البدوي (في العقد الثامن من عمره)، الذي طالب الوزير المعني بضرورة مراجعة سياسة الدعم والاهتمام بالفئات العاملة في القطاع الفني التي تعاني من التهميش والعوز أكثر من غيرها.

وانبرى معلقون للفت الأنظار إلى العاملين في القطاع الصحي، من أطباء وممرضين، المتواجدين في الصفوف الأمامية لمواجهة الجائحة، ومنهم عدد توفي بالتقاطه لكوفيد 19 أثناء مكافحته في مرضاه، آخرهم الدكتورة فاضمة عبي أول طبيبة جراحة في المملكة.

بل كشفت بعض المنابر الإلكترونية عن أسماء مدراء ومسؤولين بقطاع الثقافة استفادوا من الدعم بأسماء شركات وهمية وبأسماء أبنائهم كفنانين.

ولا يزال "اللغط" يستشري ضمن صفحات مواقع التواصل الاجتماعي مثيرا موجة من الجدل لا ينتهي.

السبب الثاني، وهو الأهم، راجع إلى سيادة سياسة الريع (الفساد) المنتهجة في البلاد منذ جلاء الحماية الفرنسية قبل حوالي سبعة عقود

يقول أحد المواطنين إن "الدولة تبدد أموال الشعب على من لا يستحق من أشباه الفنانين". ووصف أحدهم سياسة الدعم المالي للفنانين بكونها تقع ضمن "استراتيجية التطبيع مع الكسل. رسالة مفادها أن المواطن الصالح هو من يمتهن الفن وكرة القدم. أما غيرهم فلا يستحق العيش؟ قمة التناقض أن تفرض على المعلم اقتطاع من أجرة ثلاثة أشهر ومنحها لراقصة "شيخة".

وجاء في تدوينة أخرى أن "دعم الفن هو من أساليب تخدير المجتمعات، لذلك وجب على القائمين على الدولة ضخ "الملايين" لزيادة جرعة التخدير والمنوم. "شبع شعبك ومن بعد غني لو".

وأدى بالبعض إلى المطالبة بـ "إقالة وزير الثقافة وكل مسؤول عن هذه الفضيحة وتقديمهم للعدالة".

♦♦♦

لا يريد هؤلاء المحتجون أن يعرفوا أن الحكومة المغربية لم تأت بجديد من عندها، بل هي كغيرها من حكومات البلدان في العالم، استجابت للعمل على دعم القطاع الثقافي والفني، من خلال تخصيص موازنات كبيرة للحد من تدهور القطاع الثقافي في البلاد، ووفق سياسية الأمم المتحدة التي تؤكد على أن "حيوية الإبداع الفني ضرورة لتطوير ثقافات نابضة بالحياة وعمل المجتمعات الديمقراطية"، وانسجاما مع توصيات منظمات عالمية تتصل بالقطاع، منها توصيات الكونفدرالية الدولية للمؤلفين والملحنين، وبرنامج اليونسكو.

والسبب يعود إلى نظرة المغربي للفن والفنانين، بنفي الأولوية عنه خصوصا في زمن الجائحة.

كما يشرح الدكتور عبد الصمد محيي الدين (متخصص في الأنتروبولوجيا) أن الناس في المغرب تضع الفن في درجة تتناقض مع الجد والعمل، وأنه "مجرد لهو وتسلية". وفي مقرر التعليم الابتدائي نص واضح عن النملة العاملة والصرصار الموسيقي الذي يلهو طيلة النهار. وأن الكلام عن أوضاع الفنانين بمعزل عن أوضاع جميع الناس فيه مزايدة وترف.

واسترجع رواد اليوتيوب فيديو لراقصة شعبية صرحت بأن دور الراقصة يتوازى مع دور الطبيبة. وطالبوها بالتقدم لعلاج المصابين بكوفيد بتدوير "عجيزتها" ولي جسدها.

والسبب الثاني، وهو الأهم، راجع إلى سيادة سياسة الريع (الفساد) المنتهجة في البلاد منذ جلاء الحماية الفرنسية قبل حوالي سبعة عقود.

لقد عمد نظام الحسن الثاني على منح الامتيازات والفرص لصالح فئة معيّنة، من دون مراعاة أي اعتبارات ترتبط بالمنافسة والكفاءة الاقتصادية، وهو ما كان من مسببات انتشار الفساد ونهب المال العام وسوء استخدامه.

واستفاد من الريع "المخزني" ("المخزن" مُصطلح يدل على النخبة الحاكمة في المغرب. وتتشكل من النظام الملكي وزعماء القبائل وكبار العسكريين والأمنيين)، بعض الفنانين منذ نهاية عهد الحماية الفرنسية واستقلال المغرب (1956). وغالبيتهم مغنون وراقصات شعبيات (شيخات)، ومهرجون كانوا يضحكون الملك الحسن الثاني في حفلاته الخاصة داخل القصر. وتم تفويت فيلات وشقق غالية لهم، مع منح "لاكريمات" أذونات شركات النقل العام، حافلات تربط بين المدن وتاكسيات، أو رخص مقالع الأحجار والرمال، أو رخص تجارة الخمور، ورخص الاستيراد والتصدير، ورخص تجارة الجملة وصفقات توريد وتوزيع المواد الأساسية، ورخص الصيد في أعالي البحار، ورخص استغلال المناجم. بل إن تمويل إنتاج مسلسل من قبل التلفزيون، أو حصول فيلم سينمائي على دعم، يدخل أحيانا في سياق الريع، رغم القوانين التي تؤكد على تساوي الفرص.

كل هذه الممارسات الريعية أضرت حقيقة بالتماسك الاجتماعي، وأضرت أكثر الاقتصاد الوطني، فبين عشية وضحاها يصبح البعض "ممن كان لا يملك عشاء ليلة" من كبار أثرياء المغرب بفضل "قربه أو خدمته للنظام". وراكم البعض منهم رساميل بأساليب غير شرعية تنهل من قنوات الزبائنية والمحسوبية.

رفعت الحركات الاحتجاجية في المغرب شعار مقاطعة التصويت في الانتخابات القادمة إذا لم يصدر عن السلطات قرارا بإلغاء تقاعد الوزراء والبرلمانيين

في دراسة صادرة عن أحد مراكز الدراسات والبحوث العالمية (المعهد الألماني للدراسات العالمية والمجالية)، خلصت إلى أن "النظام السياسي المغربي يرتكز على ثلاثة عناصر لصناعة النخب السياسية والاقتصادية في المملكة، من خلال شراء الولاءات ومنح الامتيازات وسياسة الريع الاقتصادي، واعتماد الفساد كخيار استراتيجي للسلطة وأداة من أدوات الحكم، والقضاء على الرموز الشرعية والشعبية".

وقبل سنوات قليلة تم تسريب وثائق تتصل بما عرف في الإعلام المحلي بـ"خدام الدولة" الذين استفادوا من الريع ممثلا في حصولهم على أراض تابعة لأملاك الدولة بسعر رمزي. وكانت فضيحة أكبر لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية "ذو التاريخ العريق في النضال والمعارضة"، حين طلع اسم كاتبه الأول السيد إدريس لشكر وزوجته في قائمة المستفيدين من الريع، واعتبارهم "خدام الدولة"، وهو الحزب الذي طالما تغنى بضرورة محاربة الفساد والإنهاء مع سياسة الريع الظالمة.

لكل ذلك قد لا يلام المحتجون على تفويت الدعم لفئة واستثناء بقية الشعب المحتاج للمساعدة على الصمود لتجاوز الصعوبات الناجمة عن "كورونا". ممن يجدون أنفسهم من دون أفق للمساعدة والرعاية. ومن توصلوا بمبلغ دون الثلاث مئة دولار، يتهمون الدولة أنها منحتهم باليمنى ما عادت وسلبته منهم باليسرى، من خلال فواتير الماء والكهرباء التي اشتكت كل العائلات من ارتفاعها خلال الفترة الأولى من الحجر الصحي التي دامت حوالي ثلاثة أشهر.

من هنا رفعت اليوم الحركات الاحتجاجية في المغرب شعار مقاطعة التصويت في الانتخابات القادمة إذا لم يصدر عن السلطات قرارا بإلغاء تقاعد الوزراء والبرلمانيين.

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.