French President Emmanuel Macron delivers a speech in Breil-sur-Roya, southeastern France, on October 7, 2020, during a visit…
من المحزن أن نرى تفهما سعوديا للرئيس الفرنسي بالمقارنة مع تشنج وغضب من أكبر سلطة دينية في مصر

"الإسلام ديانة تمرّ بأزمة في كل بقاع العالم اليوم".

أثار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون غضب البعض بسبب مشروع قانون "الانعزالية الإسلامية" الذي طرحه.

من أبرز المنتقدين للرئيس الفرنسي الشيخ أحمد الطيب شيخ الأزهر، حيث غرد ضد تصريحات الرئيس الفرنسي من دون ذكر اسمه.

مجمع البحوث الإسلامية في الأزهر كان أكثر وضوحا، ووصف تصريحات ماكرون عن الإسلام بأنها "عنصرية" و"تدعم خطاب الكراهية".

الغريب أن غضب الأزهر من تصريحات ماكرون توافق مع ترحيب شيخ الأزهر برسالة البابا فرانسيس الجديدة، "كلنا إخوة".

كيف يرحب الأزهر برسالة الأخوة من بابا الفاتيكان، ويغضب من الرئيس الفرنسي الذي يدعو للوقوف ضد السياسة الانعزالية والتطرف الذين ينتشر الآن بين المسلمين، ليس في فرنسا فقط، بل في العديد من الدول الغربية؟ إذا كنا إخوة في الإنسانية فلماذا ندافع عن الانعزال والكراهية والتطرف؟

فهم الكاتب السعودي فيصل عباس، رئيس تحرير صحيفة "عرب نيوز" (Arab News) فهم رسالة الرئيس الفرنسي، وأنه ليس ضد الإسلام كدين ولكن يريد أن يلعب الإسلام دورا إيجابيا في المجتمع الفرنسي وأن يكون شريكا للدولة الفرنسية في مكافحة التشدد. ولهذا دعا الكاتب إلى دعم الرئيس الفرنسي وليس الوقوف ضده.

علينا أن ندعو فرنسا لوضع جماعة الإخوان المسلمين، و"حزب الله" اللبناني على قائمة المنظمات الإرهابية، بدلا من التعامل معهم من منطلق سياسي بحت

من المحزن أن نرى تفهما سعوديا للرئيس الفرنسي بالمقارنة مع تشنج وغضب من أكبر سلطة دينية في مصر.

ألا يعلم شيخ الأزهر أن الجماعات الإسلاموية، كالإخوان المسلمين، هم من أكبر الانعزاليين والمتطرفين في العالم الإسلامي والغربي؟

ألا يعلم شيخ الأزهر أن التشدد هو البذرة التي توصل إلى التطرف كما غرد الشيخ وسيم يوسف؟

كنت أتمنى من شيخ الأزهر أن يصغي إلى مخاوف الرئيس الفرنسي والتعاون معه بدلا من الإسراع في الرفض والغضب. فردود الأفعال العاطفية لن تفيد المسلمين في الغرب بل ستؤكد الرؤية السلبية التي يعانون منها.

المقلق أيضا، أن موقف شيخ الأزهر يتناغم مع موقف النظام التركي ـ الداعم الأكبر لجماعات الإخوان والإسلام السياسي.

انتقد المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم كالين تصريحات الرئيس الفرنسي ووصفها بأنها تشجع كره الإسلام والشعبوية ضد المسلمين.

بالرغم من أن مؤسسة الأزهر المصرية تقف ضد جماعات الإسلام السياسي وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين التي يدعمها النظام التركي، إلا أن الطرفين اجتمعا على انتقاد الرئيس الفرنسي.

لماذا هذا التناغم الغريب؟

لأن الخلافات بين الأزهر والعثمانيين الجدد هي خلافات سياسية فقط. أما دينيا فالطرفان ينظران إلى الماضي كحل لمشاكل الحاضر، ويرفضان تجديد التراث وتنقيحه من التفاسير التي تشجع التشدد والتطرف.

بدلا من الرفض علينا أن نشرح للرئيس الفرنسي الفرق بين الإسلام والإسلاموية السياسية وأن الخطر يكمن في جماعات الإسلام السياسي كالإخوان و"حزب الله" والدول التي تدعمهم، وخصوصا تركيا وإيران.

علينا أن ندعو فرنسا لوضع جماعة الإخوان المسلمين، و"حزب الله" اللبناني على قائمة المنظمات الإرهابية، بدلا من التعامل معهم من منطلق سياسي بحت.

وفي الوقت نفسه، على شيخ الأزهر أن يراجع موقفه من التراث الإسلامي. فموقفه المدافع عن التراث، والذي عبر عنه في بداية هذا العام

فتراثنا لم يخلق أمّة كاملة كما يؤمن شيخ الأزهر.

الإسلام ليس فقط نصوصا مقدسة ولكنه ينعكس أيضا في شخص من يطبق هذه النصوص وكيف يقدمها للآخر

فتاريخ الإسلام مليء بالانقسامات والمؤامرات منذ مقتل عثمان وعلي والحسين وحتى سقوط الخلافة العثمانية. مشكلتنا ليست مع الحداثة ولا حتى مع إرث الاستعمار. مشكلتنا في الوله بالماضي وتجميل أحداثه وقياداته، وشيوخه وكأنهم ملائكة بلا أخطاء وكأن أراءهم مقدسة لا يمكن الاختلاف معها.

من حقنا أن نذكر الأوربيين بحضارة الأندلس، ولكم من واجبنا أيضا الاعتراف بأنها لم تكن الجنة الموعودة وأن سقوطها ساهم فيه تطرف وتشدد المرابطين والانعزاليين.

الدين باتباعه وليس بنصوصه المقدسة في عيون هؤلاء الاتباع.

كلمات الرئيس الفرنسي لم تأت من فراغ، بل تحمل في مغزاها دعوه إلينا، نحن المسلمين، للبحث عن عيوبنا التي جعلت الغرباء يتوجسون منا ومن ديننا، وألا نلقي اللوم على الآخرين ولعب دور الضحايا والمظلومين.

نحن مرآة ديننا. الإسلام ليس فقط نصوصا مقدسة ولكنه ينعكس أيضا في شخص من يطبق هذه النصوص وكيف يقدمها للآخر.

صورة من كتاب "Tom Waits by Matt Mahurin" Copyright: Matt Mahurin

"ما هذا الهراء!؟"

السؤال الاعتراضي الذي باغتني به أحد أساتذتي في جامعة الفنون في برلين، أثناء تواجده الأسبوعي في استديو العمل الخاص بي والمشترك مع أربع طلاب آخرين. للوهلة الأولى اعتقدت أنّه يتحدّث عن لوحتي المعلقة على الحائط.

في تلك اللحظة، كان الوصف ليكون أكثر تقبّلاً من قبلي على أن يكون تجاه الموسيقى التي تدور في فضاء الاستديو. مشيراً بإصرار مع ابتسامة فوقيّة تجاه هذا النوع من الموسيقى على أنّها تمثّل الهبوط والقاع في أحسن أحوالها. دون أن يستفيض لماذا، وعلى ماذا استند يقينه بأن ما يُسمع في تلك اللحظات من موسيقى تصدح من مكبّر الصوت هو "هراء"!

لماذا يتفق الجميع على أشياء تبدو عاديّة دون أي ذبذبات مثيرة للاهتمام من قبلها، لكن الإجماع على علوّ قيمتها بصريّاً أو سمعيّاً يحوّلها أتوماتيكيّاً إلى موضوع جيّد متفق عليه؟ غريب! وأي اعتراض عليها يحمّل صاحبها بصفة "الذائقة السيئة"، أو توجيه تهمة "الرغبة في التميّز عن السائد لمجرّد الاختلاف" التمييز بمعناه المفرغ من محتواه.

مثلاً قول أشياء من قبيل: "لا أحب موسيقى بيتهوفن" أو "صوت فيروز يدفعني للوقوف على جرف جبل ورمي نفسي عند لحظة تأوهها بكلمات الحب والوله للحبيب المجهول!" التفوّه بهذه الأشياء يشبه المساس بالمقدّسات، يحتاج إلى القليل من المخاطرة في الإفصاح عنه. لا أعني المخاطرة بما تحمل الكلمة من مفاهيم أسطوريّة، أعني الدخول في سجالات لا جدوى منها.

"أوكي، نزيف في الأذنين في أسوأ الأحوال!" أجبته ورفعت صوت الموسيقى أكثر وأكملت الرسم الأوّلي لـ باطن قدمي الأيمن بقلم الفحم العريض، بخطوط سريعة عشوائيّة يُكمِل سرعتها صوت "توم وايتس" مردّداً عبارات متتالية مع انقطاع ملحوظ في الشهيق والزفير "الله غائب، الله غائب، الله غائب في عمل" (God's Away On Business)

 الكتاب المصوّر "وايتس/كوربيجن 77-11"

كانت الصورة الأولى الملتقطة من قبل المصوّر والمخرج السينمائي الهولندي أنطون كوربيجين لتوم وايتس، والتي تعود لعام 1977 في هولندا نقطة البداية التي ساهمت فيما بعد بتعاون فنّي دام سنوات طويلة.

التعاون الذي بدأ بالتقاط صورة باللون الأحادي، الطابع الذي تم اعتماده فيما بعد ليكوّن أغلبية المشاهد المتدرّجة بتكثيف لوني بين مختلف درجات السواد والرمادي والبياض الخارج عن نقائه المعتاد. التدرّج الذي كان له دور في خدمة سياق المشاهد وعبثية تشكيلها. جُمعت المشاهد في أرشيف موثّق ليتم إطلاق مجموعة مصوّرة بكتاب واحد تحت عنوان:  "وايتس/كوربيجن77-11" الكتاب الصوري المصنوع غلافه من الكتّان.

يضم الكتاب أكثر من 275 صفحة لمشاهد تمّ التقاطها على مدار ما يقارب 35 سنة. توثيق لحياة وايتس بين عمر الـ 27 لـ 61 تقريباً. المفارقة أن تسلسل المشاهد يختلف زمانياً ويبدو الأمر جليّاً في ملامحه، التجاعيد، بعض الانحناءات والاكتناز في بعض مناطق جسده، ثقل الحركات البلهوانيّة التي أصبحت أكثر انضباطاً من مشهد لمشهد، لكن اللعب واللهو والسحر في حركاته لم يخفت نهائيّاً، إن قلّ ارتفاعه وجنونه في المشاهد المصوّرة في عمرٍ أصغر. يتسلّق أغصان الأشجار، يعتدي على البرك المائيّة الراكدة بقدمين حافيتين، وعلى وجهه تعابير تسخيف طفوليّة لكل ما هو موجود، وكأنما جسده يؤدي دور المقاوم أمام التقدّم في العمر. مقاومة جسديّة ساخرة أمام تدفّق الزمن المتسارع الجدي. التحرّر من سلطة الوقت والنضج بروح الدعابة المحارب أحياناً في عدد من المنصات الثقافيّة والفنيّة على أنها تقليل من قيمة ومعنى كل من يتورّط في هذه المجالات.

تتنوّع المشاهد بين عناصر مختلفة من نسور وأشجار عارية مائلة متدليّة نحو ظلّها، تكاد تبدو ميّتة.

غربان وشوارع فارغة وحصان ثابت كأنه دمية أو زينة موضوعة كتجهيز فنّي إلى جانب سيارة مركونة، تستدعي للتساؤل عما إذا كانت مصادفة أم عن قصد وجود عنصرين يشكلان مفارقة زمانيّة وتاريخيّة.

بقع متفشية مجهولة التكوين. ظلال بشريّة والكثير من العناصر المجتزأة من سياقها. ولكن المشترك بين هذه الأشياء؛ ثباتها ضمن فضاء يحتضن عنصرا أساسيا مفعما بالحركة، جسد توم وايتس المتسم بالخفّة، المتحرّر من كادر الصورة. وجهه وحركاته البهلوانيّة الهائمة في الهواء. إن لم يكن جسده فظلّه. إن لم يكن ظلّه، تتفاجأ بأن الصورة ملتقطة عن طريقه متعدّياً على صديقه المصوّر لكي يضعه خارجاً، مبعداً إياه عن أي صلة بالنتيجة البصريّة المحتملة أو النهائيّة.

تتضّمن بعض الصور اقتباسات من بعض أغاني وايتس، سطور نثريّة أو عناوين طويلة تبدو كأنها نصوص قصيرة جدّاً لوصف الصورة أو لإكمال كادرها لغويّاً. غالبية الصورة غير مجهزة، لكن حتى المشاهد المجهزة تبدو ساحرة غير مفتعلة أو بالغة في التركيب كالمشهد المصوّر في أحد شواطئ أوروبا معلّقاً كرسيّا خشبيّا حول رقبته، وممسكاً بآلة موسيقية نفخيّة أقرب إلى رأسه موازية لكتفه في يد، وآلة الكمان في اليد الأخرى الأقرب إلى القسم الأسفل من جسده باتجاه الأرض.

أكثر من 50 صفحة موزعة تضم صور التقطها وايتس بنفسه، تكمن الدهشة في هذه الصور بأنها ليست احترافيّة، مشاهد أكثر استرخاء، خارجة عن نطاق قواعد الصورة، أنصاف كوارد، مائلة قليلاً. تماماً كما يبدو وايتس في مقابلاته ومقاطع الفيديو المرافقة لموسيقاه المغناة.

جسد منتشٍ، مترنّح من تأثير الكحول. مسترخٍ على كرسي في مقابلة تلفزيونيّة، غير مهتم لقواعد المقابلات المعتادة بأن يكون ثابتا، لمّاحا، حاضر للإجابة. لا على الإطلاق، لا يهتم بالفضاء المحيط به وأنه محط أنظار، يبحث عن عود ثقاب ليشعل سيجارته بينما المقدّم والجمهور الحاضر ينتظر إجابته.

يأتي الكتاب مكمّلاً وليس منفصلاً عن موسيقى وايتس، تلك الموسيقى التي تستدعي وجود وقت يجري بانسيابيّة وتدفّق، دون معرفة زمانه المحدّد. موسيقى مختلطة يقطعها صوت صارم كمنشار منمّق، صعوداً وهبوطاً كأنه منبّه للابتعاد عن نمطيات الموسيقى المعتادة مع صوت المؤدّي الذي يكون عادةّ مدروسا ومضبوطا مع قواعد الموسيقى.

مشاهد كوربيجن تتسم بأسلوب اللعب واللهو. تنمو تباعاً وفقاً لجاهزيّة جسد وايتس في تطويع العناصر المحيطة به. هنا يظهر أسلوب كوربيجن في قدرته  والمهمة الشاقة قليلاً في الرغبة على إظهار أسلوبه الخاص بالتوازي مع موضوع متحرّك غير قابل للسيطرة كوايتس، سواء سيطرة جسديّة أو على أفكاره التي من الواضح أنه يبتكر معظمها دون استشارة أو الرجوع لمن خلف عدسة الكاميرا.

يبني كوربيجن نظريته الخاصة في اختيار وايتس ليكون محورا لمشاهده على مدار ثلاثة عقود من عمريهما معاً، مبتعداً عن الجانب الشخصي الوثيق بينهما ليكون سببا هامشيا وليس أساسيا رغم التطوّر المرافق للسنوات التي تمت أرشفتها فيما بعد لتجمع بكتاب مصّور. آخذاً عدّة تشعبات وأبعاد متفاوتة الأشكال. العلاقة الثنائيّة الفنيّة المرتبطة بأداة ثالثة خارجيّة جامدة بينهما وهي آلة التصوير. إنّ تموضع وايتس أمام العدسة والتصرّف بتحرّر وكأنه لوحده وبذات الوقت قدرته على تطويع نفسه بما تحمل من مزاجيات مختلفة لـ للمصوّر وأداته أحد الأسباب، ولعله الجوهري، في استمرارية ديمومة عملهما معاً لسنوات متتالية.

"من الصعب التقاط أو توثيق حياة شخص من خلال الصور لمدة تتجاوز الثلاثين سنة، هو فعل موجود في الأوساط الفنيّة أو الثقافيّة، لكن ليس شائعاً. عملنا معاً تطوّر كما تتطور الأشياء بمسارها الطبيعي، أي المسار غير المثالي، وهذا الأمر الجميل بذاته، الشوائب والأخطاء وسوء التفاهم. كلٌ منّا كان جديّاً تجاه عمله، لكن عندما يأتي الأمر للعمل سويّا، يختلف الأمر قليلاً ونصبح كالأطفال، متحرّرين من القوانين التي تسود عالم الناضجين" (كوربيجن معلّقاً عن الكتاب.)

 

Photo from the illustrated book "Tom Waits by Matt Mahurin". Copyright: Matt Mahurin

 

يتركنا الكتاب بما يحتوي من مشاهد للتساؤل عن طبيعة الفعل الأدائي لوايتس بوجهة نظر بصريّة مختلفة. مصورون/ات، أو فنانون/ات آخرون. لتأتي صور ورسومات غرائبيّة متداخلة بعوالم مختلفة شكّلها خيال مات ماهورين. أنصاف بشريّة بأطراف آلية، شخصيّات تحرّرت من سلطة الشكل الاعتيادي للأجسام البشريّة التي من السهل توقع حركاتها ومعرفة فعلها وردة فعلها على السواء. مات ماهورين مصوّر، رسام ومخرج أفلام، وأغاني مصوّرة لفرق موسيقيّة كفرقة "ميتاليكا".

يبدو وايتس بأسلوب ماهورين مختلفاً تماماً عن أسلوب كوربيجن. وايتس بصوره جزء من كُل، هذا الكل يأتي في سياقات مختلفة لكن مكمّلة لبعضها في المشهد الواحد، بخاصيّة زمنيّة كأنها قصة تجري أحداثها أو مسرحيّة بشخوص تمارس أفعالها اليوميّة. سواء أكان رسماً أم تصويراً. حيث كل تفصيل له دلالة ورمزية ومبرّر دراميّ يفسّر تموضعه في اللوحة أو الصورة. بعكس الأجواء الموجودة في صور كوربيجن، التي تبدو كأنّها التقطت خصيصاً لإظهار وايتس وتوثيق حركات جسده ووجه كعنصر أساسي يَصعُب التخلّي عنه، أما بقيّة الكادر مهمّش، أقرب إلى الديكور من السهل اجتزاؤه، تبديله أو التخلّص منه على حساب وايتس.