(FILES) In this file photo children carrying a sack with garbage walk past a mural along a roadside in Kabul on September 22…
كتابة تاريخ الفقر تعني كتابة تاريخ البشر غير المرئيين

"الفقر، أسوأ أشكال العنف" ـ غاندي 

كتابة تاريخ الفقر تعني كتابة تاريخ البشر غير المرئيين أو الذين "لا صوت لهم" إلا كمجرد آثار عابرة تركها عنهم غير الفقراء.

تاريخيا، لم يعرف للفقراء حضور أو صوت. ظلوا طويلا شخوصا خرساء، بشرا غير مرئيين. وكلما عدنا في الزمن إلى الوراء، كلما تضاءلت المصادر التي تناولتهم. انتظروا بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لم يكن التاريخ ينقل لنا سوى سير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية؛ سواء في لهوهم أو في عنفهم. لم يذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان. وغالبا ما صوّروا كمصدر للفوضى وإثارة الشغب، فهم العوام والدهماء والرعاع والسفلة والغوغاء والسواد والهمج... هم على أقل تقدير، مصدر خوف وحذر. قد نعثر على آثارهم في الأدب وفي الكتب الدينية طبعا. لكننا سنجدهم الأكثر تواجدا في الترسانة القضائية القانونية والقمعية التي وضعت خصيصا لاحتواء هذه الفئة الخطرة. أما كأفراد فالتجاهل التام.

هم موضوع الإحسان على خلفية دينية، كتعبير عن العلاقة الاجتماعية بين مسيطرين ومسيطر عليهم: الأُوَل يكفّرون عن ذنوبهم بواسطته، والآخرون، يبدو عوزهم نفسه العقاب المسبق، فيلعب دور التكفير عن ذنوبهم. من هنا يصبح للفقير نوع من موقع أو لنقل وظيفة اجتماعية. فينظر الرجل العادي إلى الفقير كظهور إلهي يمتحنه. من هنا كانت الكنائس والأديرة والمؤسسات الخيرية في الغرب، مثلها مثل المؤسسات الخيرية الإسلامية، تقدم إعانات للفقراء والمسنين، ومساعدة: المسكين والسائل والمحروم والعاجز بواسطة الإحسان والصدقة والإنفاق في سبيل الله والزكاة.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في العوز كما في الظلمات. في العربية كما في الفرنسية، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر.

غالبا ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة طبيعية لا يمكن الاعتراض على وجودها! وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

لم تظهر بوادر دولة الرعاية سوى بعد الأزمة الاقتصادية التي عصفت في أوروبا عام 1929، فعمدت البلدان الأوروبية إلى استحداث أنظمة الضمان الاجتماعي

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. وهي حالة دائمة أو آنية. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتميز بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو القوة الجسدية أو القدرات العقلية أو الحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويتضمن كل المستبعدين من المجتمع المعتبر "سويا".

لم تظهر بوادر دولة الرعاية سوى بعد الأزمة الاقتصادية التي عصفت في أوروبا عام 1929، فعمدت البلدان الأوروبية إلى استحداث أنظمة الضمان الاجتماعي. وظهرت في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية وزارة للتأمينات الوطنية ووزارة للمعاشات التقاعدية ومجالس مساعدة وطنية.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة كغير مؤهلة. أدّت تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر من عام 1987.

الفقر مهين للكرامة الشخصية ويتضمن كل المستبعدين من المجتمع المعتبر "سويا"

لكن أكثر ما يميز الفقر مباشرة هو صفة النسبية. درجة الحرمان المفروضة تقاس بطرق مختلفة: إما مقارنة بمستوى الحد الأدنى لعيش الفرد أو مقارنة بالمستوى المتوسط لشروط العيش وللبيئة ومتوسط مستوى النمو الاقتصادي والاجتماعي ومؤخرا التكنولوجي. يحدد عموما في لحظة معينة ومكان معين. ففي لبنان تعمم الفقر مؤخرا، بسبب الانهيار الاقتصادي وسياسات الفساد، وطال، بحسب تقارير البنك الدولي، نصف الشعب اللبناني وهو مرشح للتفاقم.

في العام 2019 سجل تقرير التنمية البشرية تقدما ملحوظا في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف. لكن جائحة كورونا أعادت عقارب الساعة إلى الوراء. صار الفقر يهدد المجتمعات النامية بجدية.

وستتفاقم مستويات التفاوتات غير المقبولة، التي كان قد أشار تقرير البنك الدولي للعام 2018، بوجود أكثر من 1.9 مليار شخص، أو 26.2 في المئة من سكان العالم يعيشون على أقل من 3.20 دولار للفرد في اليوم حتى عام 2015.

أما تقرير التنمية البشرية للعام 2019 فيشير أن هناك 600 مليون شخص لا يزالون يعيشون في فقر مدقع بسبب الدخل، ويقفز الرقم ليصل إلى 3.1 مليار بمقياس دليل الفقر المتعدد الأبعاد. ولا يزال حوالي 262 مليون طفل خارج المدارس الابتدائية أو الثانوية. وينبغي هنا لفت النظر إلى أن نسبة لا تستهان بها في الدول العربية التي تعاني من عنف الحروب.

المطلوب معالجة الفقر الذي يؤثر سلبا على مستوى البلدان التنموي ونجاحها، بوضع سياسات، تربوية واجتماعية وضريبية للتخفيف من الفقر واللامساوة

هناك الآن شكل جديد من عدم المساواة. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير على صعيد الإمكانات المعززة التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة على جميع المستويات ـ خدمات التعليم الجيدة جدا على جميع المستويات ـ الحصول بفعالية على التكنولوجيات المتوفرة حاليا، المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة، ولدينا مثل: فيروس كورونا.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات.

ثم أن الموقف من العنف يشجع على انتهاك الكرامات في المنطقة العربية، لأن المعايير الاجتماعية والثقافية تتقبل العنف وتعتبره سلوكا طبيعيا "فالسلاح زينة الرجال". وفاقمته النزاعات والصراعات السياسية. فيتفاقم العنف الاجتماعي وقبول السيطرة الذكورية على النساء والأطفال، تحت عنوان "التأديب". والخطير في ذلك أن هذه الممارسات مقبولة نسبيا من الضحايا.

الفقر من الأسباب الكبرى لحركة التاريخ

اعتبر كارل ماركس أشهر الاشتراكيين، أن تاريخ الإنسان هو تاريخ الصراع بين من يملك في مقابل من لا يملك. أي بين الأغنياء والفقراء. يذهب البعض للاعتقاد أن الرسالات السماوية ثورات فقراء أو مضطهدين سياســيا واجتــماعيا. كما يعتبر البعض أن دراسة التاريخ تظهر الفقر كأحد الأسباب الكبرى التي حركت الثورات في المجتمعات. لكن الفقر المدقع يسحق الإنسان ويستعبده.

المطلوب معالجة الفقر الذي يؤثر سلبا على مستوى البلدان التنموي ونجاحها، بوضع سياسات، تربوية واجتماعية وضريبية للتخفيف من الفقر واللامساوة.

طرح البروفسور أمارتيا صن، منذ 40 عاما ما يبدو غاية مبدأ التنمية البشرية، سؤال بسيط: المساواة في ماذا؟ وأجاب: المساواة في الأمور التي تهمنا كي نبني المستقبل الذي نتوق إليه.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.