Iraqi demonstrators carry the portraits of slain protesters during a demonstration in Tahrir Square in the centre of Iraq's…
تظاهرات في العاصمة العراقية بغداد

بعد مرور عام على احتجاجات أكتوبر (تشرين الأول) في العراق، أعتقد بأنها المناسبة الأولى منذ تغيير النظام السياسي في العراق بعد 2003 التي استذكرها كثيرٌ من العراقيين بالاحتفاء والإشادة، ولا أجانب الصوابَ عندما أعتبرُها مناسبة وطنية، إذا ما اعتمدنا التفاعل مع الذكرى السنوية الأولى على انطلاقها. إذ باتت دلالة هذا اليوم ترتبط بشعار "نريد وطن" وهو شعار أطلقَه جيل شبابيٌ عَــبَّرَ عن حضوره الفاعل والمؤثر في المجال العام بعد أن اختزلته إرادة الأحزاب المهيمنة على السلطة بعناوينها الطائفية والقوميّة.

رغم ذلك، عامٌ كاملٌ يمرُّ على احتجاجات أكتوبر يجب ألّا يكون استحضاره فقط للاحتفاء والإشادة، وإنما يحتاج منا قراءة موضوعية لما حدث وما تَحقَق، ولعلَّ التركيز على مواقف النخب الثقافية والأكاديمية من حركة الاحتجاجات يجب أن يكون له الأولوية. فأحداث أكتوبر من العام الماضي لم تعد ذكرى للاحتفال وإنما هي محطّة تاريخية فاصلة ومهمة في تاريخ العراقي السياسي المعاصر.

وفي الأحداث السياسية الكبرى التي يمرُّ بها أيّ بلد تكون مواقف النخب الثقافية هي المِرآة العاكسة للمواقف الاجتماعية، والتي يعتمدها المؤرخُ في تسجيل تلك الأحداث وقراءتها. ولتقييم حركة احتجاجات أكتوبر في العراق فإنه في البداية يجب ألا ينحصر بما تحقق من مطالبها السياسية، وإنما يجب أن يكون تقييما من خلال الوقوف عند التحولات التي أحدثتها في مفاهيمنا ورؤانا للعلاقة بين المجتمع والسُّلطة. وتقييم مشاركة النخب بعناوينها الثقافية والأكاديمية في رسم ملامح التغيير الذي سعت إليه الاحتجاجات، وسعيها إلى عقلنة مطالب المحتجّين بالتأكيد على ضرورة أن تكون الأولوية لبناء دولة المؤسسات وترسيخ ممارسة الحريّات والحقوق الديمقراطية.

ثمّة فئة لا تزال تريدها ثورة يقودها مفكرون وفلاسفة، متجاهلين واقع عالَمنا المعاصر الذي تتحكم فيه وسائل التواصل الاجتماعي أكثر من كتابات المفكرين والفلاسفة

إذ غالبا ما تتعامل النخبُ في العراق مع الأحداث السياسية بثلاث مواقف: الأول هو الاستلاب السياسي، إذ تشعر بأنها مستلبة الإرادة ولا يمكنها أن تؤثر بتطورات الأحداث ولا تتحكّم بتوجيه الرأي العام فيها. والثاني هو موقف الاغتراب السياسي والذي تعتقد فيه بأنها ليست من يصنع ويحرّك الأحداث والمواقف السياسية، وأن كل من الجمهور والسلطة لا يستمعان ولا يتأثران بمواقف ورؤية النخب. أما المواقف الانتهازية فهي ثالث المواقف التي تعبّر عن توجهات النخب من القضايا السياسية، وتسعى من خلالها إلى التقرب من أحزاب السلطة والحكومة وتكون متماهيةً مع مواقفهما أو تسعى لتبريرها، والغاية من ذلك الحصول على منصب سياسي أو إداري في مؤسسات الدولة.

في فترة ما بعد احتجاجات أكتوبر لم تختلف هذه المواقفُ كثيرا، بل أن الاحتجاجات كانت كاشفة لتلك المواقف الثلاث، لكنّها ـ أي حركة الاحتجاج ـ قدمت أنموذجا نخبويا متميزا من أكاديميين وصحفيين وأدباء وفنانين كان لهم حضور فاعل ومؤثر في ساحات التظاهر، وكانت كتاباتهم ومنشوراتهم تعبر عن "مثقف الموقف" الملتزم بقضايا شعبه وجمهوره. وصف هشام شرابي هذه الفئة من المثقفين بـ"الملتزمين" إذ يتوفر لدى هؤلاء الوعي الكامل مع الممارسة الكاملة، ولا يمكن التفريق بين حياتهم الشخصية والعامة ويمثلون الطليعة المثقفة التي يقع التغيير الاجتماعي على عاتقها، ولا ينتمون إلى طبقة واحدة، وإنما الذي يجمعهم هو الوعي الكامل لقضاياهم والممارسة الواحدة.

في المقابل، كانت بعض المواقف النخبوية تتماهى مع خطاب السلطة وأحزابها، على أمل أن تكون حاضرة في خياراتهم عندما تتم إعادة توزيع المناصب، وهذا ما حدث فعلا في حكومة الكاظمي عندما تحوَّلت مواقف بعض النخب من التشكيك والطعن بحركة الاحتجاجات إلى تبنيها والدفاع عنها عندما تم طرح أسمائهم للمناصب الوزارية، ولذلك مثلما كان حضور "النخبوي الملتزم" فاعلا ومؤثرا بين الجمهور، كان حضور "النخبوي الانتهازي" له حظوظ عالية في أروقة قصور أصحاب السلطة.

المأزق النخبوي كان واضحا وجليا لدى البعض، فثمّة فئة لا تزال تريدها ثورة يقودها مفكرون وفلاسفة، متجاهلين واقع عالَمنا المعاصر الذي تتحكم فيه وسائل التواصل الاجتماعي أكثر من كتابات المفكرين والفلاسفة. والبعض الآخر حاول تجاهل مغازلة السلطة للنخب بترشيح بعض الشخصيات للمناصب الوزارية واعتبرها نوعا من محاولة تصحيح العلاقة بين الحكومة والمثقفين. لكنهم تجاهلوا بأن منطق السلطة واحد في التعاطي مع المثقفين، فهي تقرّب المثقفين الذين لا يتطرقون إلى أمور تتناقض جوهريا مع التوجه الاجتماعي ــ والسياسي للسلطة القائمة، والذين يهتمون بطرح الحلول الجزئية والتجميلية التي تخدم السلطة.

عامٌ كاملٌ يمرُّ على احتجاجات أكتوبر يجب ألّا يكون استحضاره فقط للاحتفاء والإشادة، وإنما يحتاج منا قراءة موضوعية لما حدث وما تَحقَق

ما نحتاجه في هذه الفترة، التي يمكن أن نعتبرها فرصة لتصحيح مسار التحوّل الديمقراطي في العراق بعد أن اختصرت الأوليغارشيات السياسية ممارسة الديمقراطية في الانتخابات فقط، هو أن يكون هناك دور حقيقي للنخب في التحشيد لمعركة استعادة الدولة عن طريق تنظيم المشاركة السياسية وجعلها هي الفيصل الحقيقي في السير نحو مشروع إصلاح النظام السياسي. وعليها أيضا إعادة تقييم موقفها من الدعوة إلى مقاطعة الانتخابات التي تم الترويج لها قبيل انتخابات 2018، والتي نتج عنها تكريس هيمنة أحزاب السلطة وتزايد النفوذ السياسي للجماعات التي كانت تعمل بعناوين مسلحة.

ومن ثمَّ، معادلةُ تغيير الواقع لم تعد من مهام النُّخب، بل هي مهمة الجماهير. صحيح أن المعادلة صعبة، فما بين صعود الشعبوية وبين الإيمان بدور الجماهير في إحداث التغيير، تبدو مهمة النخب في عَقلنة المَطالِب صعبةٌ للغاية. لكن قد يمثّل هذا التغيير في المعادلة فرصةً حقيقةً لإعادة النظر بدور النخب وعلاقتها مع الجمهور. 

فبدلا من أن توجه النخب أنظارَها نحو الحكومة وأحزاب السلطة لإصلاح النظام السياسي، وهو مطلب بات معقدا وصعبا للغالية في ظلّ هيمنة منظومة الخراب والفساد والفشل على النظام السياسي وإدارة مؤسسات الدولة، فإن الخطوة العملية الآن والتي نحتاج إليها في الفترة القادمة هي تمتين العلاقة مع الجمهور. وهذا يحتاج إلى تجاوز "أوهام النخبة" ـ كما يصفها المفكر علي حَرب ـ التي يعيش المثقفُ بظلالها، ويسعى من خلالها إلى تنصيب نفسه وصيا على الحرية والثورة أو قائدا للمجتمع والأمة. فبقدر اعتقاده بأنه يقود المجتمع قد تهمّش دورَه.

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.