French President Emmanuel Macron talks to medical workers of the Rothschild hospital after visiting the association OSE, which…
الفرنسي، بالنسبة للجمهوريين، هو من يتشرّب القيم ويعتزّ بالانتساب إليها. ولكنه بالنسبة للقوميين، هو من شاطر سائر الفرنسيين تاريخهم وتراثهم

هل الإسلام في كل مكان في أزمة، كما أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أم هل أنه عمّم فأجحف في إجماله حيث أراد التصويب على التوجهات الانفصالية الإسلامية، والتي تشكو منها فرنسا، إذ تشكل عند الحد الأقصى حاضنة للإرهاب، وعند الحد الأدنى، عقبة أمام الانصهار في إطار الهوية الوطنية الجامعة؟

المعترضون على كلام ماكرون تراوحوا في مواقفهم من الاستهجان إزاء التنميط المؤذي والاتهام بالعنصرية، على ما ينضوي عليه كلامهم بدوره من التعميم والتعسف، إلى التشنج والسباب والشتائم. قلّة هي التي تطرّقت، مشكورة، إلى مضمون الرأي، لتفنّده أو تقرّ ببعض أوجهه أو كلها.

قد يتباين أسلوب التعبير عن الواقع، وقد يكون من له الأهلية والصلاحية والحق بالتعبير عن هذا الواقع موضوع خلاف، وقد تتضارب التقييمات حول المسؤولية عن هذا الواقع، هل هي ذاتية أو نتيجة عوامل خارجية. ولكن من المكابرة عدم الإقرار بأن إسلام القرن الواحد والعشرين في أزمة جلية.

بل هي أزمات. أزمة في مضمون علمه، وأزمة في أصول معرفته، وأزمة لدى علمائه بين المقاصد والقيم الإنسانية، وأزمة في تصور مفكريه لعالمهم وموقع دينهم منه. ثم ظلال لكل هذا على عموم مؤمنيه. هي أزمات رغم أن هؤلاء، أي عموم المؤمنين في كل أصقاع الكوكب، ليسوا هم المأزومين، بل غالبهم يوازن بكل طمأنينة بين دينه ودنياه، وإن عجزوا عن الحصول على الأجوبة لكل أسئلتهم من مرجعياتهم الدينية. هي أزمات، رغم أن الإسلام كظاهرة حضارية هو اليوم في أوجّه.

حين يعمّم ماكرون الأزمة على الإسلام، وإن صحّ تعميمه عرضا، فإنه لا يفعل نتيجة نظر وتعمّق بشأن الإسلام العالمي، بل هو يدفع عن الجمهورية تهمة الفشل

ليس ماكرون عالما أزهريا ولا هو خريج الحوزة أو مجاز من حلقات دروس شرعية، وكلامه عن "أزمة الإسلام في كل مكان" هي ملاحظة وحسب، حُمّلت ما لا تحتمل. ثم أنها منقطعة عن الأوهام التي تنسبها إلى "حقد دفين على الإسلام" أو إلى"غطرسة استعمارية". الرجل يقيم وحسب واقعا متحققا في بلاده، وله أن يضعه في سياق أوسع يراه كمراقب مطّلع في الشؤون الدولية، وإن بالاختزال. والأجدى اعتبار أقواله على أساس الخلفية التي تقوم عليها، لا للقبول بها وعدم الرد عليها، ولكن كي يأتي الرفض والرد في إطار حوار منتج، لا مجرد مواقف تزيد من الواقع تأزيما.

فمهما تعالت التأكيدات بأن ما شهدته فرنسا من إرهاب محصور بالتطرف، ولا يجوز نسبته للإسلام دون التخصيص والتأكيد على الفصل بين هذا وذاك، وهو فصل يصحّ حينا ويعتلّ أحيانا، وأن التطرف ليس حكرا على الإسلام، وأن فرنسا بدورها اقترفت ما اقترفته ولا تزال في أرجاء العالم، فإن محاولات التبديد هذه ليست قادرة أن تبدّل واقع أن الشعور الغالب في فرنسا، والمبني على وقائع ودماء، هو أنه ثمة إشكالية إسلامية فيها.

فالتطرف الهندوسي ينتج العنف والغطرسة والظلم بما يحاكي نظيره الإسلامي وقد يتفوق عليه، والتطرف البوذي في ميانمار قد فتك بالروهينغا. ولكن لا التطرف الهندوسي ولا البوذي هو من يعتدي على المحتفلين من الفرنسيين في ملاعبهم ويتصيدهم بالقتل في مطاعمهم، ولا من يحصد مشاتهم دهسا، ولا من يقتل كتّابهم ورساميهم ثأرا لشيفا أو بودا. وبما أن إيمانويل ماكرون ليس باحثا جامعيا، بل رئيس لفرنسا، فربما يتوجب أن يُعذر لأنه اقتصر على ذكر المشكلة التي يعيشها مجتمعه، ولم يستكمل التدقيق التشريحي لتبين دقائق الأمور وفق مقتضى المنهجية التي ترضي منتقديه.

على أن هذه الإشكالية الإسلامية في فرنسا ليست نتيجة حصرية للتشدد الإسلامي، بل هي أيضا وليدة التعقيدات المرتبطة بالمضمون النظري للنموذج الاجتماعي الثقافي السائد في فرنسا، كما في فشل الحكومات الفرنسية المتعاقبة في تطبيق هذا النموذج، على ما ينضوي عليه من قصور.

فرنسا، من حيث المبدأ الذي يختصره شعارها الوطني، جمهورية قائمة على قيم الأنوار، الحرية والمساواة والإخاء. الحرية هي حق المواطن بالاختلاف، والمساواة هي العدالة من الدولة والإنصاف ضمن القانون إزاء الاختلاف بين المواطنين. ولكن الضابط لهذه وتلك هو الإخاء. أي أن الحق بالاختلاف ليس الحق بالانفصال. فإذا كانت الحرية تدفع باتجاه التمايز، فإن الإخاء يسحب نحو التماثل. والتجاذب بين هذا وذاك تديره الجمهورية التي يختارها المواطن على أساس المساواة.

الموازنة بين هذه القيم ليست علما حسابيا بل فنّ تطبيقي. فالتجربة التاريخية الفرنسية قامت على رصيد أن فرنسا، ما قبل ثورتها في أواخر القرن الثامن عشر، كانت الابنة البكر للكنيسة الكاثوليكية، والمتشددة يومئذ (وبقيت على هذا التشدد إلى المجمع الفاتيكاني الثاني قبل نصف قرن) في مطالبتها بتماثل عقدي وطقسي، ومن ثم لغويواجتماعي، وصولا إلى تحديد قوائم الأسماء التي يجوز أن يسمي بها الفرنسيون أبناءهم وبناتهم. سقطت الكنيسة وبقي التشدد، رغم الرغبة الصريحة بتجاوزه. بل الثورة التي قامت رفضا له هي التي فتكت بأهالي ڤانديه لإصرارهم على التمسك بما سبق. كان لفرنسا بالتالي مسار أكثر مشقة في السعي إلى إيجاد الوسط المثمر.

فرنسا، في هويتها الوطنية الجامعة، مختلفة عن بريطانيا والولايات المتحدة، وهذه وتلك من خلفيات بروتستانتية أقل أحادية، في رسمها للحدود بين التماثل والتمايز.

واليوم، حيث لا تجد المؤسسات الأمنية في بريطانيا، مثلا، حرجا في تعديل البذلات النظامية لتمكين أفرادها من الإيفاء بواجباتهم الدينية، رغم الحاجة البديهية إلى أكبر قدر من التماثل في صفوف هذه الأجهزة، فإن الفضاء المدني في فرنسا، من الدوائر الرسمية وصولا إلى كامل القطاع التربوي، يستنفر عند رؤية حجاب تعتمره مسلمة إذ ترى فيه واجبا دينيا. وكما التهديد للدين والوجود في بعض بلاد المسلمين في أن تنزع المرأة حجابها، يبدو التهديد للوطن والوجود في فرنسا بأن تضعه.

الحقيقة الصعبة التي يبدو من يتوهم خلاف ذلك عاجزا من أن يتجرّعها، هي أن الفكر الغربي عامة لا يجد في نظيره الإسلامي ما يرتقي إلى مستوى التحدي

استطرادا هنا، كم أنتن قويات، أيتها المرأة، أيتها الفتاة، أيتها الطفلة. بقطعة قماش وحسب، ترفعنها وتخفضنها، تهددن أديانا وأوطانا. بل كم هم ضعفاء، أولئك الرجال، الفتية، الصبيان، إذ هم منشغلون مستهلكون متآكلون بقطعة القماش هذه. على أي حال.

شهدت فرنسا على مدى القرون الثلاثة الماضية مواجهات متكررة، علنية حينا ضمنية أحيانا، بين "الجمهورية" و "الكنيسة". فرنسا الجمهورية أرادت لنفسها، منذ الثورة الأولى، أن تنعتق من سلطة المؤسسة الدينية وسطوتها، وأن تحصر المرجعية الوطنية بما هو قابل للمساءلة من المواطن، وتمنع من يدّعي النطق بإرادة الإله من أن يعود بهذا المواطن إلى موقع الرعية.

"الكنيسة" في هذه المواجهة، ثم دعاة التيار القومي المحافظ والذي ورثها ـ بعد أن خسرها، يوم نقلها المجمع الفاتيكاني الثاني إلى صف "الحداثة"، قلّ إن تجرأوا على الطعن بالقيم الجمهورية، بل استعاضوا عن التحدي المباشر بما يقوم مقامه. العدو المميت للوجود الفرنسي هو "الماسونية" على مدى القرن التاسع عشر الطويل، قبل أن تخمد، فـ "اليهود" في مرحلة ما، ثم "المهاجرون الوافدون" الغزاة الهمج الناقضون للتمدن والعمران، حاملو لواء الجهد سرّا قبل أن يظهروه علنا.

ولكن خطوط التماس، حتى بالنسبة للقوميين، ليست بين عموم الفرنسيين كمجموعة واحدة متماسكة، والأجانب الغرباء الوافدين. بل المعركة هي أولا بين رؤيتين وقراءتين للتاريخ. في هذه "الجمهورية الفرنسية"، ثمة من يغلّب "الجمهورية" بقيمها العالمية ورسالتها الإنسانية، وثمة من ينتصر للهوية "الفرنسية" بخصوصيتها التاريخية وتراثها الكاثوليكي، بالصيغة اللينة أو المتشددة.

الفرنسي، بالنسبة للجمهوريين، هو من يتشرّب القيم ويعتزّ بالانتساب إليها. ولكنه بالنسبة للقوميين، هو من شاطر سائر الفرنسيين تاريخهم وتراثهم. ليس أن القوميين ينكرون إمكانية أن ينضم إلى الفرنسيين من أتى من خارج هذا المكان والزمان، ولكنهم يعتبرون أن الأمر، بما يقتضيه من اندماج بفرنسا وانقطاع عن غيرها، صعب ونادر. الجمهوريون أيضا يشترطون الاندماج بالهوية الوطنية، ولكن التغليب هنا هو للقيم لا للتراث، بل التعددية بالتراث ثراء من وجهة نظرهم، شرط أن تكون ضمن الإطار الوطني المشترك، والذي ترسم معالمه مبادئ الأنوار.

خطورة "الإسلام الانفصالي"، أي هؤلاء الوافدين من المجتمعات المسلمة، والراضين بالواقع الاقتصادي والسياسي والحقوقي في فرنسا، ولكن غير الراغبين بالاندماج بالهوية الوطنية الجامعة، ليست بأنهم يشكلون خطرا وجوديا على فرنسا بذاتهم.

فخلافا للتصور الذي يخشاه العقائديون القوميون في فرنسا، ويتمناه العقائديون الإسلاميون فيها وخارجها، فرنسا وسائر الدول الأوروبية ليست قاب قوسين أو أدنى من أن تصبح مسلمة. على الأقل ليس بالمعنى الذي يخافه هؤلاء ويرجوه أولئك.

فسواء حارب ماكرون النزعات الانفصالية أم تركها على حالها، فإن رشيدة داتي، وليس جناة شارلي إيبدو ولا طارق رمضان، هي وجه فرنسا "المسلمة" القادم. رشيدة داتي، فرنسية في حياتها وهويتها، مسلمة مغاربية في خلفيتها، خلافية في سياستها وخياراتها الشخصية، هي أصدق تعبيرا عن حال الفرنسيات والفرنسيين من أصول عند ضفاف متوسطية أخرى، ممن يزعم الطهارة وممن يقتل باسم الطهارة. رشيدة داتي تبحث في أن تكون مرشحة لمنافسة ماكرون في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

كم أنتن قويات، أيتها المرأة، أيتها الفتاة، أيتها الطفلة. بقطعة قماش وحسب، ترفعنها وتخفضنها، تهددن أديانا وأوطانا

"الجمهورية" لا تخشى على نفسها من الإسلام. الحقيقة الصعبة التي يبدو من يتوهم خلاف ذلك عاجزا من أن يتجرّعها، هي أن الفكر الغربي عامة لا يجد في نظيره الإسلامي ما يرتقي إلى مستوى التحدي. ثم يأتي الصراخ والتشنج والتهويل والشتم والتهديد ليؤكد المؤكد، وليأسف معه المسلم قبل الغربي من مآل تجربة حضارية قدّمت للعالم ابن رشد وابن سينا وابن عربي والمعري والبيروني وابن خلدون.

"الجمهورية" تخشى على نفسها من القومية، والتي وجدت في الانفصالية الإسلامية تأكيدا على صحة قناعتها بأن المقاربة الجمهورية، بالمعنى المطلق غير المقيّد بالقومية، هي انتحار لفرنسا، وأن وعدها بتحقيق الاندماج كاذب ومستحيل.

حين يعمّم ماكرون الأزمة على الإسلام، وإن صحّ تعميمه عرضا، فإنه لا يفعل نتيجة نظر وتعمّق بشأن الإسلام العالمي، بل هو يدفع عن الجمهورية تهمة الفشل. لسان حاله هو: نحن لم نتمكن من الاستيعاب لأنهم، أي المسلمين، مأزومون. ربما هم كذلك، يا فخامة الرئيس، أقله نخبهم، ولكن "جمهوريتكم" كذلك مأزومة. جميلة هي قيمها. ولكن الفشل في تطبيقها يدعو إلى مراجعات منهجية ومبدئية على حد سواء، لا تزال غائبة.

لا يلام إيمانويل ماكرون، ولا إريك زمور، المفكر المحافظ البارز، ولا ميشال إونفري، مقابله التقدمي، إذ يُجمعون، بتموضع فوقي تسطيحي، أن الأزمة تكمن وحسب في الإسلام. قلّ من يقدّم لهم الطرح البديل المتجانس، ليساعدهم على مواجهة انحدارهم في قناعة هي المأزومة، إذ تنزّه طرفا وتدين آخر.

وبالطبع، لا، الشتائم لن تقنعهم بخلاف ذلك.

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.