قلت في الجزء الأول من هذا المقال إن تجربة الدولة الرسالية التي تم تطبيقها في السودان قادت إلى نموذج حكم استبدادي فاسد أشعل الحروب الأهلية وأدى لتدهور الاقتصاد بشكل مريع حتى أودت به ثورة شعبية عارمة، وأتناول في هذا الجزء تجربة الإسلام الحضاري التي قادها الدكتور مهاتير محمد في دولة ماليزيا.
على العكس من التوجه الرسالي، جاءت تجربة الإسلام الحضاري متحررة من وهم وراثة الأرض وإقامة الخلافة الاسلامية حيث اهتمت بالواقع وركزت على الاستراتيجي والممكن ولم تبدد الجهود في الخيالي والمرغوب فيه، وهي تجربة منفتحة على العالم وتُقدِّر موازين القوة الدولية حق تقديرها، والأهم من ذلك هو أنها استوعبت المعطيات الثقافية والاجتماعية والسياسية الداخلية التي تحكم توجهها وتتحكم في مسارها.
التجربة الماليزية غلب عليها الاهتمام بجوهر الدين وتفعيل منظومة القيم التي حض عليها الإسلام، ولم تعمل على رفع لافتات لا تحمل مضمونا حقيقيا يعكس تلك القيم حيث شيدت على العديد من الركائز التي كان في مقدمتها توحيد فئات الشعب المختلفة وتعزيز قدرة المجتمع على تجنب الصراعات العرقية والدينية، فسكان ماليزيا الأصليون هم من المسلمين الملايا ويمثلون 58 في المئة من السكان والصينيون وأغلبهم بوذيون ويمثلون 24 في المئة من السكان إضافة للهنود الذين يدينون بالهندوسية ويمثلون 7 في المئة من مجموع السكان.
وضوح الرؤية والهدف هو الفارق الفكري الحاسم الذي يؤدي إلى فشل أو نجاح أي مشروع سياسي
أدرك الدكتور مهاتير خصوصية المجتمع الماليزي وتنوعه الديني والعرقي لذلك لم يجنح للشعارات الفضفاضة من شاكلة "الإسلام هو الحل" ولم يُزايد على أبناء شعبه بضرورة تطبيق القوانين الإسلامية (الحدود) لأن هدفه الأساسي كان يتمثل في الحفاظ على الوحدة الوطنية بين مختلف الأعراق والأديان؛ ولم يستخدم مبدأ الأغلبية لفرض الشريعة على كافة فئات المجتمع الماليزي لأن ذلك من شأنه تأجيج الصراعات التي سيكون الخاسر الأكبر فيها هو الوطن.
لذلك، عمد مهاتير إلى توحيد جميع الأطراف الوطنية كي تسير البلاد كلّها نحو هدف واحد والعمل وفق منظومة تتكاتف فيها جميع الفئات من أجل إنجاز التنمية المنشودة.
كذلك، كان مهاتير واعيا للظروف الإقليمية والاتجاهات العالمية، ولذا أدرك أن أي تخطيط استراتيجي يهدف لتنمية بلاده لا يمكن أن ينجح إلا في ظل علاقات دولية منفتحة ومستقرة ومتطورة خصوصا مع الغرب، ولم يجد في ذلك ما يناقض اتجاهاته الدينية ولذلك قال قولته الشهيرة: "حين أصلي أدير وجهي للكعبة، وحين أتعامل اقتصاديا أدير وجهي ناحية بورصة نيويورك".
قد ارتكز فكر مهاتير التنموي على رؤية ثاقبة للأوضاع العالمية ومكانة المسلمين فيها حيث رأى أن "الأمة الإسلامية ما تزال تعيش في سبات عميق وينبغي أن نعترف لأنفسنا قبل غيرنا بأن المجتمعات الأخرى قد سبقتنا ببضعة قرون، ومن ثم فإن المسلمين مطالبون أكثر من أي وقت مضى أن يدركوا حقيقة الوضع الذي هم فيه في ضوء ما استحدثته المجتمعات البشرية المتطورة من أفكار تجديدية وتقنيات حديثة ما تزال الأمة غير مهيأة لاستيعابها وعاجزة تماما عن التعامل معها".
وجود علاقات متطورة مع الغرب لا يعني بالضرورة التبعية والانقياد له وللمؤسسات المالية الدولية، فعلى الرغم من الانفتاح الكبير لماليزيا على الخارج والاندماج في اقتصاديات العولمة، إلا أنها احتفظت بهامش كبير من الوطنية الاقتصادية. كما كانت تجربتها متميزة في مواجهة أزمة جنوب شرق آسيا الشهيرة التي شهدها العام 1997 حيث لم تعبأ بتحذيرات الصندوق والبنك الدوليين وأخذت تعالج أزمتها من خلال أجندة وطنية فرضت من خلالها قيودا صارمة على سياستها النقدية معطية البنك المركزي صلاحيات واسعة لتنفيذ ما يراه لصالح مواجهة هروب النقد الأجنبي إلى الخارج، وهو الأمر الذي مكنها من تجاوز كبوتها المالية خلال عامين فقط لتواصل مسيرة التنمية بشروطها الوطنية.
في الناحية الثقافية، كانت دعوة الدكتور مهاتير للحوار مع الآخر من منطلق إنساني يسعى للإفادة والاستفادة وليس لفرض قناعاتنا وتوجهاتنا على الآخرين لأن "الحوار الذي يقتصر على إظهار عظمة الإسلام لن يساعد المسلمين بشكل كبير ولا بد من فهم عميق للإسلام لأن هناك تفسيرات لا حصر لها حول الإسلام تشمل التسامح مع الأديان الأخرى التي لا تتفق مع الدين الإسلامي ولا يجوز لنا أن نقول بأننا على علم بكل شيء ونستطيع أن نتغلب على كل المشاكل".
لم يركن الدكتور مهاتير للشعارات المبهمة والغامضة ولذلك كان واقعيا في رؤيته التنموية وانطلق من فكر واضح مفاده أن النظام الإسلامي لا يوجد به نموذج للتنمية ولكن توجد بالإسلام مجموعة من القيم والتعاليم والأخلاق يستفاد منها في ترشيد النظام الرأسمالي مثل حث المسلمين على العمل والإتقان والمساواة والعدل والتكافل الاجتماعي.
وضوح الرؤية والهدف هو الفارق الفكري الحاسم الذي يؤدي إلى فشل أو نجاح أي مشروع سياسي. وفي حالتنا هذه تميز طرح الدكتور مهاتير بأن التنمية كانت هي هدفه الأساسي على العكس من مشروع الدولة الرسالية الذي وسمه الغموض وغياب الاستراتيجية.
على العكس من التوجه الرسالي، جاءت تجربة الإسلام الحضاري متحررة من وهم وراثة الأرض وإقامة الخلافة الاسلامية حيث اهتمت بالواقع وركزت على الاستراتيجي والممكن
في إجابته عن السؤال: لماذا تنجح تجربة سياسية في بلد ما بينما تخفق في بلد آخر؟ قال مهاتير: "إذا كنت تريد أن تعرف لماذا ينجح حاكم ويفشل آخر فنصيحتي أنه يجب أن يكون واضحا جيدا في رأس أي حاكم، وخصوصا في العالم الثالث الإسلامي، ما الذى يريده من البقاء في السلطة، هذا الشيء قد يبدو سهلا في الظاهر ولكنه صعب التطبيق لأنه دون أن يسأل الحاكم "لماذا أنا هنا؟" بصفة دائمة فإن سوء الحكم وسوء الإدارة وحب البقاء في السلطة هو النتيجة التلقائية، علاوة على ذلك كلما كان حاكم العالم الثالث شخصا يتمتع بخيال إصلاحي كان ذلك شيئا مهما لأن دول العالم الثالث في تقدمها تحتاج في البداية إلى حاكم مصلح صاحب فلسفة في التنمية والتطور".
تميز المناخ السياسي لتجربة الإسلام الحضاري التي قادها مهاتير بتهيئة الظروف الملائمة للإسراع بالتنمية الاقتصادية، ذلك لأن ماليزيا لم تتعرض لاستيلاء العسكريين على السلطة وأن القرارات فيها دائما تتخذ من خلال المفاوضات المستمرة بين الأحزاب السياسية ما جعل سياسة ماليزيا توصف بأنها ديمقراطية في جميع الأحوال.
ترك الدكتور مهاتير السلطة في العام 2003، قبل أن يعود للحكم مرة أخرى، بعد أن رفع صادرات بلاده من 5 مليار دولار إلى أكثر من 242 مليار دولار سنويا، وحولها من دولة زراعية إلى دولة متقدمة يمثل ناتج قطاعي الصناعة والخدمات فيها 90 في المئة من ناتجها الإجمالي، وعلى مستوى الرفاهية فقد تضاعف دخل الفرد السنوي في ماليزيا سبع مرات، ليصبح 8862 دولارا في عام 2002، وانخفضت البطالة إلى 3 في المئة، والواقعون تحت خط الفقر أصبحوا 5 في المئة من السكان، بعد أن كانت نسبتهم 52 في المئة.

