A handout picture released by the Jordanian Royal Palace on October 12, 2020, shows Bisher al-Khasawneh being sworn in as the…
الإشارة الأكثر طرافة هو ارتداؤه لربطة عنق خضراء لافتة يوم تأديته القسم أمام الملك، تستعيد بقوة من الذاكرة ربطات العنق الخضراء التي اشتهر بها الرئيس الأسبق عون الخصاونة

منذ تكليف الدكتور بشر الخصاونة لرئاسة حكومة المملكة الأردنية الهاشمية، ثم الإعلان عن تشكيلته الحكومية، وأنا منشغل بالاتصالات والقراءات وتبادل الأفكار بحثا عن الجديد والنوعي في "حكومة جلالة الملك" الجديدة والتي ترث مثل كل سابقاتها من "حكومات جلالة الملك"، إرثا يتراكم بلا توقف من العجز والديون والأزمات السياسية والاجتماعية.

من قراءتي لوسائل التواصل الاجتماعي ومعظم حواراتي الهاتفية مع الأردن، فإن إعلان وتشكيل حكومة الخصاونة كانت شغل الناس الشاغل، إما تعلقا بأمل ضعيف قائم على خيط رفيع قوامه "لعل وعسى"، أو تكريسا ليأس راسخ في النفوس خصوصا أن آلية تشكيل الحكومات لم تتغير وبقيت عملية التكليف وتشكيل الحكومات خاضعة لمزاج الملك وحده لا شريك له في ذلك، يرافق ذلك حكومات منزوعة دسم الولاية العامة، وأحوال عامة متسارعة في الانحدار.

بين كل ذلك وذاك، كان هناك العديد من القصص والحكايات والخلفيات، لكن من أكثرها تجليا لواقع الأزمة كان في "حادثة تلفزيونية" على الهواء، ما حدث فيها وما جرى بعدها كان انعكاسا لواقع فانتازي تعيشه الدولة الأردنية.

عبر برنامجها الأكثر شهرة: "نبض البلد"، قامت قناة رؤيا الأردنية باستضافة ضيوف لتحليل المشهد السياسي عشية تشكيل الحكومة، ومن بين الضيوف كان الصديق الألمعي الدكتور حسن البراري والذي شارك عبر الإنترنت بالصوت والصورة نظرا لإقامته خارج الأردن.

الحكومة التي يترأسها بشر الخصاونة ستكون مشرفة على الانتخابات النيابية ومضطرة للاستقالة بعدها حسب الدستور

الدكتور المتخصص في العلوم السياسية والجريء عموما بطروحاته انتقد آلية تشكيل الحكومات ووضعها رهن قرار الملك وحده، مدللا بأن الراحل آدم سميث نفسه لو شكل حكومة في الأردن فلن يفعل شيئا للاقتصاد.

هذا رأي عادي جدا طرحه الدكتور البراري مرارا، وطرحته أنا كاتب المقال في عدة منابر منها هذا المنبر على الحرة، وهو حديث عام في الأردن لم يعد يشكل حساسية شديدة في طرحه.

لكن، القناة ارتأت وبحساسية ورعب شديدين أن تسحب الحلقة من التداول على منصاتها (رغم أنها منتشرة ومسربة بشدة بين الناس) كأنها تعلن براءتها وإخلاء مسؤوليتها من تلك الحلقة ومن حديث الدكتور البراري أمام السلطات الرسمية "الأمنية خصوصا".

طبعا، يمكن تفهم ذلك الأمر، ولو كنت أنا شخصيا مدير المحطة الأردنية تلك، لسحبت الحلقة من التداول قدر الإمكان بدافع الرعب، فالمحطة نفسها تعرضت قبل أشهر لقمع أمني مباشر حمل رسائل تهديد شديدة اللهجة، حين تم حبس مدير المحطة الشاب وهو شخص غير مسيس أساسا، وتم حبس مدير الأخبار في المحطة وهو نفسه مقدم ونجم برنامج نبض البلد، وهي في المحصلة محطة تلفزيون ربحية تجارية، فيها موظفون وعاملون بكل مشتقاتهم العائلية والمعيلة.

في المقابل، يصر الملك (الذي هو وحده يكلف أي شخص يريد برئاسة الحكومة) في أحاديثه العديدة المفتوحة والمغلقة على أن الأردن يحتاج حياة حزبية (مقصورة على ثلاث أو أربع أحزاب) تفضي إلى تشكيل حكومات حزبية برلمانية! طبعا مع تذكير السلطات جميعها دوما للناس بمقولة قديمة وتاريخية للملك نفسه مفادها أن حرية التعبير في الأردن، سقفها السماء!

♦♦♦

في التشكيل الحكومي للدكتور بشر الخصاونة، هناك قراءات متعددة، وغالبيتها يوحي بتفاؤل في الفريق الذي تشكلت أركانه الأساسية المقربة من الرئيس من تيار بدأ يتبلور في الأردن هو تيار "دفعة 91 الحديدية"، والمعني بها دفعة دبلوماسيين في الخارجية الأردنية عركتهم الخبرة البيروقراطية وارتقوا بالتأهيل المعرفي العالي وبدأ التنافس كما التعاون بينهم على المواقع القيادية في الدولة، ومن بينهم كان الدكتور بشر الخصاونة.

ومثل سلفه الرزاز، فإن الدكتور الخصاونة موصوف أو متهم "حسب موقفك من المفهوم" بالليبرالية، لكن الفرق يكمن في أن الرزاز كان قد دخل الليبرالية من مدخلها الاقتصادي الفج والمتوحش بينما يقول من يعرفون الخصاونة بأنه لم يتلوث بالاقتصاد، فدخل الليبرالية من مدخل الخبير القانوني واسع الاطلاع.

المفارقة في المفاضلات بين الرجلين تأخذ مداها المشوق بالخلفيات العائلية، فالرزاز كما الخصاونة كلاهما سليل بيوت بعثية يسارية، الرزاز ابن منظر البعث الدكتور منيف وهو أصلا من حماة السورية، بينما الخصاونة هو ابن الدكتور هاني الخصاونة، وزير إعلام حكومة السيد زيد الرفاعي القمعقراطية عام 1989، والذي زرته في مكتبه مع إطلالات حرب العراق عام 2003 بمعية صحفي ياباني أراد التعرف على شخصيات وثيقة الصلة بالدكتاتور صدام حسين، فكان الدكتور هاني الخصاونة مسترسلا بأريحية مدهشة في الحديث أمامنا عن مشروع صدام حسين الديمقراطي في الدولة العراقية (!)، لولا أن أجهضته الإمبريالية الغربية.

تلك "الإمبريالية الغربية" ذاتها التي استقبلت أكاديميا ومهنيا نجله الدكتور بشر، أولا في الولايات المتحدة التي تعرض فيها عند عمله كدبلوماسي لظلم فادح بعد خلافه مع أحد الأمراء في نيويورك وهو "مديره المباشر"، فتمت معاقبته بتجميده في المركز، ثم المملكة المتحدة بعد سنوات والتي فتحت له أبواب معرفية وأكاديمية وخبرة عملية في الدبلوماسية وإدارة الأزمات.

المظلومية بمفهومها الحقيقي ثم المصطلحي التراثي راسخة في عمق شخصية الرئيس، ولم تكن مقتصرة في خلافه مع مديره الأمير، بل تواصلت وتكررت في خلاف حاد مع وزير الخارجية الأسبق عبدالإله الخطيب وقد جمدت حضوره الفاعل في مركز الوزارة لسنوات، وهو ما ساهم أيضا في تشكيل عمق شخصيته طوال سنوات عمله التي جالدها بالصبر والصمت، وكثير من الخجل في الحياة الاجتماعية والذي تغلب عليه بالانطلاق في الحديث في المواضيع الجادة والسياسية أو القانونية التي يحتويها ضمن إطار منظومته المعرفية، وهي كما وصفها عديدون، منظومة معرفية واسعة.

♦♦♦

تشكيلة الخصاونة وضعت على الطاولة الكبيرة في الدوار الرابع مقاعد لنخبة واسعة من الدبلوماسيين والقانونيين، تماما هي توليفة الرئيس نفسه، مع تنويعات في باقي الحقائب الوزارية أثارت جدلا وسخرية خصوصا في وزارة الزراعة التي تقلدها الصحفي في التكوين والوزير في عهد الملك حسين ثم السفير لسفارات عدة السيد محمد داودية.

(استطرادا، وحسب الصديق الدكتور خيري جانبك والذي عمل مستشارا في القصر الملكي لسنوات طويلة فيقول: "إن خبرتنا الشخصية في حدائق منازلنا تؤهلنا لوزارة الزراعة أكثر من مؤهلات السيد داودية مع كامل الاحترام الشخصي له". والدكتور جانبك، من الناقدين الأكثر شدة لكل النهج الراهن في الدولة من مقر إقامته البعيد في باريس، ورغم علاقته الطيبة بالرئيس الجديد، إلا أنه يتساءل عن وجود خمسة عاطلين عن العمل في مجلس الوزراء، ويقصد بذلك وزراء الدولة الخمس وهم بلا وزارات تحت إدارتهم).

هذا المجرم والذي ألقي القبض عليه وبتوجيه ملكي قوي، تبين أنه رمز لظاهرة منتشرة في الأردن من سنوات، وبرعاية شبه رسمية تواطأ فيها نواب وسياسيون طارئون ورجال أعمال محدثي النعمة

الأكثر استهدافا كان نجم اليوتيوب، الدكتور معن القطامين، الذي اشتهر بإنتاجه فيديوهات منتجة بحرفية عالية انتقد فيها على الدوام وبقسوة "مدروسة بحدود لا يتجاوزها" كل الحكومات السابقة، خصوصا في البعد الاقتصادي، ليستلم هو شخصيا حقيبة وزارة العمل وكذلك الاستثمار، والعمل حقيبة وزارية كانت من نصيب أحد أشقائه قبل سنوات في حكومة أسبق.

المشكلة الأكثر وجعا وطرافة في نفس الوقت، بأن حكومة توحي تشكيلتها بإرادة تغيير يحملها الرئيس، هي أمام معطيين واقعيين إن أمكن التغلب على إحداها والمتعلقة حصرا بالولاية العامة التي قد يمنحها الملك طوعا للرئيس، أو يمارسها الرئيس في مغامرة (محسوبة بدقة طبعا عند رجل حذر في حساباته)، فإن المعطى الثاني هو حاجز دستوري لا يمكن تجاوزه، فالحكومة التي يترأسها بشر الخصاونة ستكون مشرفة على الانتخابات النيابية ومضطرة للاستقالة بعدها حسب الدستور، وهذا يضعها أمام حاجز زمني وأجندة محددة لا تتناسب وهذا التشكيل المزيج من دبلوماسيين وقانونيين من نادي بيروقراطي وطبقي مشترك ( طبقة أنتلجنسيا برجوازية عمان الحقيقية الممتدة أصولا إلى العائلات الأرستقراطية الكبيرة شرق النهر وغربه ونادي الدفعة الحديدية في الخارجية الأردنية الأكثر حظا بالمعرفة والخبرة والتأهيل الميداني)، وخمسة عاطلين عن العمل في حكومة مهمتها القضاء على البطالة، ووزراء يشبهون جوائز الترضية في اليانصيب، ورموز حرس قديم بنكهة أمنية.

قصة الولاية العامة، لها إسقاطاتها عند الرئيس بشر الخصاونة، وهو ثاني رئيس من تلك العائلة العريقة في عهد الملك عبد الله الثاني، فقد سبقه الرئيس "القانوني والسياسي المخضرم" عون الخصاونة في حكومة لم تدم طويلا بعد أن أرسل استقالته من تركيا احتجاجا على مساس الملك بولايته العامة (.. أو هكذا قيل).

الخصاونة بشر يكن احتراما شديدا لسلفه الأكبر في العائلة، ومن الدلالات والإشارات استعارته لوزير الدولة للشؤون القانونية إبراهيم الجازي والذي كان ركنا من أركان حكومة عون الخصاونة وشريكا استراتيجيا مع مكتبهم القانوني، والإشارة الأكثر طرافة هو ارتداؤه لربطة عنق خضراء لافتة يوم تأديته القسم أمام الملك، تستعيد بقوة من الذاكرة ربطات العنق الخضراء التي اشتهر بها الرئيس الأسبق عون الخصاونة، القاضي الدولي الذي تشبع بالمعرفة القانونية الواسعة في المحكمة الدولية، والخبرة السياسية في مكتب الملك حسين ومكتب ولي العهد السابق الأمير حسن، وتلك سيرة مهنية موازية لسيرة الرئيس الحالي.

♦♦♦

لكن.. وعودة للواقع في الأردن.

وكما بدأت مقالي بحجم الانهماك والانشغال الأردني الشامل (وكنت أنا المهاجر أيضا في سياقه) بحكومة الرئيس بشر الخصاونة تكليفا وتشكيلا، فإن دولة الرئيس بحكومته التي تضمنت خمس وزراء دولة، في دولة تحاول أن ترسخ صورتها بيأس ومشقة أنها دولة، ورأس الدولة فيها محتار بين مؤسسات القبيلة ومؤسسات الدولة، كل هذه الدولة ـ من أصغرها إلى رأس الدولة فيها ـ اهتزت أمنيا ومجتمعيا بسبب أبو علي الزنخ! وتلك ليست مزحة، فقد ضج الأردنيون مع نهار أول أيام الحكومة الجديدة بأحد أصحاب السوابق المعتقين في مدينة الزرقاء والشهير باسم "أبو علي الزنخ" وقد قام مع عصابة من أشباهه بخطف حدث صغير السن وتقطيع ذراعيه وقلع عينيه وإلقائه في شارع مكتظ بالناس وضح النهار مع إرسال الذراعين إلى أم الضحية بما يشبه أفلام العصابات الأكثر وحشية.

المظلومية بمفهومها الحقيقي ثم المصطلحي التراثي راسخة في عمق شخصية الرئيس، ولم تكن مقتصرة في خلافه مع مديره الأمير

هذا المجرم والذي ألقي القبض عليه وبتوجيه ملكي قوي، تبين أنه رمز لظاهرة منتشرة في الأردن من سنوات، وبرعاية شبه رسمية تواطأ فيها نواب وسياسيون طارئون ورجال أعمال محدثي النعمة فقاموا برعاية تلك الفئة من أصحاب الأسبقيات الجرمية عبر تكفيلهم وإخراجهم من الحبس، لغايات توظيفهم بأداء المهمات القذرة.

تلك الفئة من "الزعران" المجرمين، وللمفارقة، يمكن تسميتهم ـ واقعيا ـ بخبراء قانون، فهم يعرفون تماما مواد القانون والأحكام والعقوبات المدرجة فيه، ويبرمجون كل سلوكهم الإجرامي بناء على تلك المعرفة التي تصل إلى حد الخبرة حتى في قوانين أصول المحاكمات الجزائية.

ربما ـ نقول ربما ونحن متأثرون من القصة المأساوية ـ تلك رسالة قوية لحكومة الخصاونة المدججة بأفضل العقول القانونية أن تعمل على حزمة تشريعات ومقترحات قوانين قوية وضرورية لتكون جاهزة من أي حكومة قادمة للمجلس النيابي القادم، وقد يضع ذلك حكومة الخصاونة أمام جهد حقيقي وموضوعي لإجراء انتخابات "نزيهة فعلا خالية من تزوير الوعي المجتمعي الممسوخ" تفرز في المحصلة مشرعين حقيقيين في دولة تهتكت مؤسساتها إلى درجة استطاع أن يمارس الإرهاب فيها ويرعبها أزعر اسمه "الزنخ" بكل بساطة.

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.