A Moroccan supporter of the February 20 pro-reform movement holds a placard during a demonstration to mark the fifth…
شعارات نسوية في الرباط خلال إحياء ذكرى حركة 20 فبراير

يروى أن في القرون الوسطى أبان الأنظمة الفيودالية (الإقطاعية) في معظم الدول الأوروبية، كانت هناك ممارسة تسمى بالفرنسية : le droit de cuissage، بمعنى: "الحق في الممارسة الجنسية". يتعلق الأمر بـ "حق" يملكه "السيد"، يكون له بموجبه الحق، في الليلة الأولى لزواج أحد تابعيه، في ممارسة الجنس مع العروس قبل الزوج نفسه... وهي إحدى أبرز العوامل التي بنى عليها ثوريو أوروبا فيما بعد مطالبهم للإطاحة بالأنظمة الفيودالية التي تكرس دونية البشر.

اليوم، ونحن نعيش بداية القرن الواحد العشرين، تبدو لنا مثل هذه الممارسات لا إنسانية؛ بل ونتساءل كيف قبل بها مواطنو تلك الفترة.

لكننا، ونحن نتساءل، ننسى أن نسائل ذواتنا عن قوانين لا إنسانية أخرى حكمت مجتمعاتنا في القرون السابقة، في نسق اجتماعي معين، وما نزال نصر على التعامل بها.

من بين هذه المفاهيم، هناك تقسيم الإرث.

التعصيب، لمن لا يعرفه، هو المبدأ الذي يجعل الإخوة وأبناء الإخوة والأعمام وأبناء الأعمام يرثون في الشخص بعد وفاته، إن لم ينجب إلا بناتا

لعل التقسيم الإسلامي للإرث كان مقبولا منذ خمسة عشر قرنا، لأن الظروف الاجتماعية والاقتصادية كانت تسمح بذلك (وهذه مسألة فيها نقاش، حيث ينقل لنا التاريخ أن عددا من النساء ساءلن النبي في حينه عن هذا الحيف في حقهن، مما يعني أن التساؤلات حول المساواة في الإرث طرحت منذ عهد النبي نفسه). لكن، لنفترض جدلا أنه كان مقبولا آنذاك في كُلّيته، لكنه بالتأكيد، في ظروفنا الحالية، غير مقبول بتاتا.

لنترك جانبا كل النقاش حول التحولات الاجتماعية والاقتصادية، على أهميته، ولنأخذ تفصيلا صغيرا لكنها مهما، يتعلق بنظام التعصيب الذي لم تنزل فيه آية قرآنية، بل هو من إنتاج فقهاء السنة بشكل حصري (الشيعة، بالمناسبة، لا يعملون به).

والتعصيب، لمن لا يعرفه، هو المبدأ الذي يجعل الإخوة وأبناء الإخوة والأعمام وأبناء الأعمام يرثون في الشخص بعد وفاته، إن لم ينجب إلا بناتا.

ما المنطق الذي يجعلنا اليوم نقبل بهذه الممارسة؟ بل ما المنطق الذي يجعل جنس الأبناء يحدد تقسيم التركة وإمكانية دخول أطراف أخرى فيه؟ أليس في هذا الأمر جزء من مسببات النظرة الدونية للمرأة، ما دام الذكر فقط من "يحمي" تركة الأب؟

ها نحن إذن أمام نص صريح يقول أكثر من مرة "بعد وصية يوصي بها أو دين"، فلماذا نجتهد في الوصية مع وجود النص

قد يكون هذا المنطق مفهوما في سياقات اجتماعية كان فيها العم ينفق على ابنة أخيه اليتيمة بعد وفاة والدها. لكن، في زمننا الحالي، يعرف كل منا عشرات القصص عن حالات لا يشكل فيها نظام التعصيب إلا ترجمة للطمع والجشع المادي للأعمام وأبناء الأعمام. ملايين النساء وجدن أنفسهن يفاوضن أعماما وأبناء عم لم يروهم في حياتهم إلا نادرا، لمجرد أن فقهاءَ قرونٍ خلت، قرروا أن لهم نصيبا في الإرث، بما أن الأب أنجب إناثا ولم ينجب ذكورا. وضعية مجحفة وعبثية ولا إنسانية... تماما كما هو مجحف وعبثي ولا إنساني "الحق في الممارسة الجنسية" للسيد قبل خادمه... لكننا قادرون على السخرية من عبث الآخر المتخلف، حتى حين يصحح مظاهر تخلفه، وغير قادرين بتاتا على مراجعة أشكال التخلف والظلم في ممارساتنا وقوانيننا.

هؤلاء الرافضون لمبدأ المساواة في الإرث بحجة وجود نص قرآني، ما قولهم في موضوع التعصيب حيث لا نص قرآني يعطل التغيير اليوم، بل مجرد اجتهادات فقهية؟ ما قولهم في الوصية التي يحث عليها النص القرآني بل ويقدمها على أي تقسيم ممكن، حيث تكررت عبارة "بعد وصية يوصي بها أو دين" أكثر من مرة ضمن آيات الإرث؟ 

لكن هذه الآية بقيت معطلة بأحاديث ضعيفة واجتهادات فقهية. اجتهادات يستعملها نفس أولئك الذين يعتبرون أن لا اجتهاد مع وجود النص... ها نحن إذن أمام نص صريح يقول أكثر من مرة "بعد وصية يوصي بها أو دين"، فلماذا نجتهد في الوصية مع وجود النص، ثم نعود في مواضع أخرى لنقول إن "لا اجتهاد مع وجود النص"؟  لماذا "نخترع" نظام التعصيب ونصر عليه، رغم غياب النص؟

أم أن الأمر في النهاية، هو حماية للمصالح الاقتصادية للذكور أكثر منه حماية للنص القرآني؟

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.