Jordan's King Abdullah and Crown Prince Hussein talk to newly-appointed Prime Minister Bisher al Khasawneh during a swearing-in…
الملك الأردني يتحدث مع ولي عهده ورئيس الحكومة الجديد

قُبيل تكليفه بتشكيل الحكومة كان الدبلوماسي المخضرم بشر الخصاونة آخر من يهمس في أذن العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، وبالتالي فقد كان في صُلب مطبخ القرار، ولا يحتاج فترة "إحماء" ليشتبك فورا مع الأزمات التي تناسلت في البلاد.

لم يكن اختيار الخصاونة لرئاسة الحكومة الأردنية مُفاجئا، فمنذ ما يُقارب العامين كان الأقرب للملك، وكان الأكثر اشتباكا مع تفاصيل المشهد المحلي، وبالتأكيد كان حلقة الوصل مع الحكومة في ملفات السياسة الخارجية؛ ولهذا كان مُتوقعا حين تريث الملك بإعلان اسم الرئيس المُكلف بعد استقالة الحكومة أنه قد وقع اختياره مُسبقا على الرئيس القادم، وأنه ـ أي الرئيس ـ يعد العُدة بصمت وتكتم لبناء فريقه الحكومي بعيدا عن ضغوط الشارع والصالونات السياسية.

الرئيس الجديد بشر الخصاونة يمتلك معرفة قانونية مميزة، ويستند إلى إرث طويل من العمل الدبلوماسي، وعمله إلى جانب الملك يُعطيه معرفة وقوة في التشبيك مع مؤسسات القرار في الدولة، وربما تُجنبه اختلاف التوجهات والصراعات، والأهم أنه يُدرك قبل كل شيء كيف يُفكر الملك، وماذا يُريد؟

حكومة الخصاونة الأوسع في عدد الوزراء لا تحمل لونا سياسيا فاقعا، وإن اتسمت بمحاولة استقطاب البيروقراطيين الذين يميلون لتوجهات مُحافظة، مع تطعيم الفريق الوزاري بشباب لهم رؤى ليبرالية، وهي توليفة قد تتماسك، وقد تكون عُرضة للخلافات والتشظي.

الجديد يملك إرثا دبلوماسيا وعمله بالقرب من الملك يُعطيه قوة في التشبيك مع مؤسسات القرار

حاول الرئيس الخصاونة أن يُحيط نفسه بجدران صد تُمكنه من المواجهات المقبلة مع البرلمان القادم والإعلام، وسعى لتوسيع خياراته في المُقاربات السياسية والاقتصادية، وهذا قد يُعبر عنه بشكل أو بآخر اختياره توفيق كريشان كنائب لرئيس الوزراء ووزيرا للإدارة المحلية؛ فالوزير كريشان يملك مساحات وخبرات واسعة للتعامل مع البرلمان، وفهم للسياقات الاجتماعية والبنى العشائرية، وقدرة على التعامل مع هموم المحافظات والبلديات بعيدا عن التنظير والنظريات، وبذلك فهو يرفع عن كاهل الرئيس ملفا مُقلقا مع تزايد تداعيات جائحة كورونا، وبالاتجاه الآخر فإن أمية طوقان نائب رئيس الوزراء ووزير الدولة للشؤون الاقتصادية سيتحرك بما يملك من خبرة كوزير سابق للمالية، ومحافظ سابق للبنك المركزي على حلحلة الأزمة الاقتصادية، والبحث عن نوافذ للأمل بالعمل الوطيد مع وزير المالية محمد العسعس.

رغم الثناء والإشادة به غاب وزير الدولة لشؤون الإعلام أمجد العضايلة عن الحكومة الجديدة، لكن الوزير المخضرم على العايد لا يقل خبرة وحنكة في الاتصال مع الإعلام، يُضاف إلى ذلك معرفة وثيقة بالملفات السياسية بعد سنوات طويلة من عمله الدبلوماسي.

بقيَ ثمانية وزراء من حكومة الرزاز في الحكومة الجديدة، والاحتمالات باستبدالهم كانت واردة باستثناء وزير الخارجية أيمن الصفدي العابر للحكومات، والذي أصبح نائبا لرئيس الوزراء أيضا، فالمعروف أن السياسة الخارجية في الأردن مُرتبطة مباشرة بالقصر، وما يختلف اليوم مع الصفدي أن الرئيس الخصاونة تربى وتدرج مهنيا في وزارة الخارجية، وكان كذلك مستشار الملك ومسؤول السياسات في الديوان الملكي، وهو ما يفرض عليه تنسيقا أكثر مع مرجعيتين.

خطاب التكليف الملكي للحكومة يوعز لها بمباشرة العمل فورا، ويضع لها مهام واضحة المعالم، وهو يُطالبها بالاهتمام بصحة المواطن واتخاذ التدابير للتعامل مع جائحة كورونا بما يوازن بين الاعتبارات الصحية وتشغيل القطاعات الاقتصادية، والحفاظ على أرزاق المواطنين.

وفي خطاب التكليف تفاصيل كثيرة أبرزها تحسين النظام الصحي ورفع جاهزيته، وتحقيق التعافي الاقتصادي بالحد من التداعيات الناتجة عن الوباء، وتعزيز نهج الاعتماد على الذات، وتطوير منظومة التعليم عن بعد، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية، وترسيخ مبدأ سيادة القانون، وعدم التهاون في محاربة الفساد.

ورغم أن هموم الجائحة سيطرت على خطاب التكليف فإن القضية الفلسطينية لم تغب، ويُعيد الأردن التأكيد على ثوابته بالدعوة لقيام دولة فلسطينية مُستقلة وعاصمتها القدس، والتمسك بالوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.

على حكومة الخصاونة أن تعبر بأمان ثلاثة حقول ألغام في طريقها، وأن تملك الاحتراف لتفكيكها دون أن تنفجر لتطيح بها، وفي مقدمة الأخطار يتبدى ملف فيروس كورونا؛ فهذه الجائحة تفرض حضورها اليومي، والحكومة مُطالبة قبل مباشرتها التعامل مع الوباء الذي يتفشى ويُقلق الناس أن تُجيب على سؤال مفصليّ، هل نجحت الدولة الأردنية أم فشلت في التعامل مع أزمة كورونا منذ شهر مارس الماضي؟

حكومة الرزاز، التي رحلت، لجأت للإغلاق والحظر الشامل والجزئي لمنع انتشار الوباء، وفي الأشهر الأولى صنعت قصة نجاح لافتة، لكن الأمر لم يدم، ومنذ ما يزيد عن الشهرين تتصاعد أعداد الإصابات والوفيات لتبلع ذروة تُهدد بفقدان السيطرة، وهو ما يفرض على الحكومة الجديدة أن تُعلن خُطتها للتعامل مع الجائحة، وما هو جديدها، وماذا ستُغير في آليات التعامل معها؟

حكومة الخصاونة ليست خارقة وبعض وزرائها صواعق تفجير

اختيار الناطق الإعلامي للجنة الأوبئة الدكتور نذير عبيدات وزيرا للصحة وجد ارتياحا عند الناس؛ فقد أثبت طوال الأشهر الماضية من تعامله مع الأزمة نضجا طبيا ورزانة في الطرح، وعليه اليوم أن يُقدم للحكومة وصفة للتعامل والخروج من الأزمة بأقل الأضرار.

أزمة كورونا التي تمس كل بيت في الأردن "محرقة" لأي حكومة؛ فالأزمة غير مسبوقة، والمُقاربات تحت التجربة، والحلول السحرية مستحيلة، والاقتصاديات الهشة للدول كالأردن أكثر من يتضرر، والمساعدات الاقتصادية شحيحة، والزمن المُتوقع لأفول الأزمة غير معروف.

التداعيات الاقتصادية للجائحة هي حقل الألغام الثاني؛ فالبطالة ارتفعت إلى 23 بالمئة، والإيرادات المحلية انخفضت بشكل ملموس، وصندوق النقد الدولي يتوقع انكماشا اقتصاديا يصل إلى 3.4 بالمئة، في حين يرى البنك الدولي أن الانكماش قد يصل إلى 6 بالمئة.

تتعمق الأزمة الاقتصادية أكثر كلما تعرضت المنشآت الاقتصادية للإغلاق التزاما بأوامر الحظر الشامل والجزئي كسياسة للحد من انتشار الوباء، ولا يُعرف حتى الآن إن كانت الحكومة الجديدة ستمضي في اللجوء للإغلاقات والحظر لمجابهة الفيروس أم أنها ستتبنى سياسة أخرى؟

لا يستطيع رئيس الحكومة الجديد أن يتذرع بأنه لا يعرف تفاصيل المشهد المُروع للأزمة، فوجوده على رأس فريق السياسات في القصر الملكي يُعطيه إطلالة على التفاصيل، وبكل تأكيد يعرف كل الملاحظات على الأداء؛ ولهذا لن يُعطى مهلة للتجريب والتقييم، وعليه أن يُقدم حلولا خلاقة تفتح نافذة الأمل.

رغم الانشغالات في جائحة كورونا فإن حقل الألغام الثالث الذي يؤرق الدولة هو الملف السياسي الخارجي، فالمتغيرات في الإقليم تُهدد الأردن، وتبدو عمّان عند النظر لاتفاقيتي التطبيع الإماراتية والبحرينية مع إسرائيل كمن يبتلع "الموس" أو يقف على حد السكين، فهو لا يُندد بها ويرفضها، وبذات الوقت لا يقبلها، ولا يستطيع التسليم بها كمسار للحل.

الموقف الأردني غير المُعلن لا يبدو مرتاحا لهذه الاتفاقيات، ويجدها تُضعف موقفه التفاوضي، وتعصف بالسلطة الفلسطينية، وبالرهانات على حل الدولتين، وتُهدد وصايته الهاشمية على المقدسات، وتُعطي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو تطبيعا مجانيا "السلام مقابل السلام".

الأكثر حرجا وقلقا للأردن إذا ما فاز الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الانتخابات الأميركية الشهر المُقبل، وهذا سيُعطي زخما لنهج تطبيع العلاقات مع إسرائيل، وسيفتح الأبواب لدول عربية أخرى مُترددة أن تمضي هي الأخرى على نفس الدرب والطريق، وقبل ذلك سيُعزز نهج ترامب ـ نتانياهو في إبقاء المستوطنات، وضم الأراضي الفلسطينية وغور الأردن، وسيُصبح الحديث عن حل الدولتين من مفردات الماضي.

الرئيس ووزراؤه تحت المجهر والبحث في تاريخهم وزلاتهم بدأ على السوشيل ميديا

الخصاونة وقبيل عمله في الديوان الملكي كان سفير الأردن في مصر والجامعة العربية، وهو مُطلع على تفاصيل هشاشة الوضع العربي، وتربطه علاقات وثيقة عربيا تسمح للحكومة بالاعتماد على الوزير الصفدي بمزيد من المناورات والتكتيكات للحفاظ على المصالح الأردنية.

حكومة الخصاونة ليست خارقة، وربما يكون بعض وزرائها صواعق تفجير إذا لم يُسيطر الرئيس عليهم ويكبح تغريدهم خارج السرب، ونجومية بعضهم لن تمنع الشارع من تصيد الهنات والأخطاء، والرئيس الخصاونة ليس "سوبر مان" يستطيع أن يُنقذ الأردن، ويُقدم الحلول بين ليلة وضحاها، والحصانة التي كان يتمتع بها وهو بالقرب من الملك يفقدها طوعا حين أصبح رئيسا للحكومة، والشيء المؤكد أن الخصاونة أو أي رئيس للوزراء مهما بلغ، ومهما فعل ليس سهلا أن يستعيد ولايته ويحكم دون منازعة لسلطاته، وهذا مربط الفرس.

لا نملك إلا التفاؤل رغم معرفتنا أن الأزمة عابرة للحكومات، فالمشكلة ستبقى وتستمر ما لم يتغير نهج تشكيل الحكومات لتُصبح بعيدة عن "كوتات" التوزيع المناطقي، وتوازن مراكز السلطة واتخاذ القرار، وجوائز الترضية لأبناء النفوذ، ويحق للجميع أن يسأل ما هو معيار اختيار الوزراء والوزيرات؟ ولماذا يخرج هذا الوزير ويبقى ذاك في ظل غياب معايير تقييم الأداء؟

حكومة الخصاونة تحت المجهر الآن، والبحث في تاريخ الرئيس ووزرائه وزلاتهم بدأ على السوشيل ميديا، و"الشاطر" من يصمد ولا يسقط.

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.