(FILES) In this file photo taken on August 9, 2020, shows a noose and a gallows hanging from the Martyrs' Statue along with…
التدفق إلى الشارع إذا ما بدأ لن يكون سلميا هذه المرة

لا يصلح لبنان لأي مهمة أو وظيفة. التفاوض على الحدود البحرية سيجري على وقع الفساد، لا على وقع الحرص على حقوقه. الأطراف التي تقف خلف الوفد المفاوض هي مزيج من فاسدين ومرتزقة، وهؤلاء سيستحضرون الحقوق بصفتها مادة مساومة على حماية مواقعهم في السلطة. سيستدرجون "العدو" إلى موقع يساهم فيه بحمايتهم. 

طاولة المفاوضات بالنسبة لـ"حزب الله" عملية شراء للوقت بانتظار الإدارة الأميركية المقبلة، وبالنسبة لجبران باسيل هي حبل نجاة من العقوبات، ونبيه بري يرقص بين الموقعين. واللافت في هذه المفاوضات هو غياب الشريك اللبناني المذهبي الثالث، أي الطائفة السنية، ذاك أن الدولة في لبنان هي قبل كل شيء شراكة بين فاسدي المذاهب ومرتهنيها.

ليست المفاوضات مع إسرائيل وحدها مؤشر الانحلال الكامل لأخلاق السلطة ولوقاحتها وعدم خجلها بالموبقات اليومية التي ترتكبها. فالأدوار صارت سافرة ومكشوفة ولا يشعر أحد بالحاجة إلى مواربتها. لا حكومة بانتظار نتائج الانتخابات الأميركية. ثمن ذلك كارثة على اللبنانيين، لكن هذا ليس مهما طالما أن مصلحة "حزب الله" تقضي بذلك. المهمة تولاها جبران باسيل. المبادرة الفرنسية قضت بتسمية سعد الحريري، لكن فرنسا لا شيء في حسابات إيران. إذا ليذهب الحريري إلى منزله، وليمضي إيمانويل ماكرون في سبيله. لعبة تبادل أدوار قذرة ومكشوفة.

بقاء "حزب الله" وجبران باسيل ووليد جنبلاط وسمير جعجع في السلطة يعني فناءنا كأفراد وكجماعات

بالنسبة لـ"حزب الله"، اللعب مع أميركا هو الموضوع. لبنان واحتمالات نهاية التجربة كلها ليسوا جزءا من هموم الحزب. جبران باسيل لاعب صغير باشر بمراكمة الثروة التي سيحملها ويغادر ما أن تحل النهاية، أما سعد الحريري فقد ناله من الصفعات ما أفقده القدرة على احتساب أعدادها. لم يصلح شريكا لأحد، ولم يصلح أيضا خصما لأحد. دفع به ماكرون إلى تسمية نفسه رئيسا للحكومة، فاستقبله حسن نصرالله بابتسامة ماكرة وأوعز لباسيل بالعرقلة. وفي هذا الوقت كان وليد جنبلاط يلاقي نبيه بري، أما سمير جعجع فقد وصلته كلمة السر من الرياض ومفادها: أبلغ ماكرون تحياتنا.

وسط هذا المشهد القاتم، تخلو صيدليات لبنان من الأدوية، وتحجز المصارف على الودائع بالعملة اللبنانية بعد أن حجزت على الودائع بالدولار الأميركي قبل سنة. الجوع يطرق أبواب الناس باستثناء عناصر "حزب الله" الذين ما زالوا يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، عملة الشيطان الأكبر والأحب على قلوب أهل الممانعة. هذا الألم لا يعني شيئا لوحوش السلطة في لبنان، لا بل أنهم مستمرون بمراكمة الثروات بفعله. كلما تألم لبناني بفعل عجزه عن تأمين الدواء، كلما أضاف وحوش السلطة في لبنان مزيدا من الثروات إلى ثروتهم.

القضية لم تعد قصة صراع مع سلطة فاسدة، لقد صرنا على أبواب حرب وجود. ثمة قناعة بدأت تتبلور في أعقاب انفجار 4 أغسطس وتتمثل في أن بقاءنا على قيد الحياة، نحن العاجزون عن المغادرة، مرتبط مباشرة بالقضاء على هذه السلطة. المسألة لم تعد مسألة انعدام ثقة، بل مسألة انعدام الشعور بالأمان، وباحتمال الانقضاض والغدر، ذاك أننا حيال أوغاد لا يخجلون بموبقاتهم.

النظام في لبنان عديم التماسك على رغم قوته، والرهان على شقاق كبير فيه، قد يفسح في المجال أمام غضب يتعاظم يوما بعد يوم

نعم، نحن حيال معركة وجود، الهزيمة فيها، وهي احتمال كبير، لا تعني فقط نهايتنا السياسية أو الاجتماعية، بل نهايتنا الـ"فيزيولوجية". إنها معركة تحصيل قدرتنا على شراء الخبز والدواء وعلى منع تكرار انفجار شبه نووي في عاصمتنا، وعلى عدم مغادرة أبناءنا لبنان بقوارب الموت. بقاء "حزب الله" وجبران باسيل ووليد جنبلاط وسمير جعجع في السلطة يعني فناءنا كأفراد وكجماعات. هذه المعادلة هي أحد الأسباب الرئيسة التي تؤخر بطء الشارع، فالتدفق إلى الشارع إذا ما بدأ لن يكون سلميا هذه المرة، والناس تحمل في صدورها ما يتعدى الرغبة في التغيير، إذ أن من عجز عن شراء الدواء لأهله يعرف تماما أن سكان قصور النظام هم من يقف وراء عجزه هذا.

تحاول السلطة مقايضة قذارتها بالحدود البحرية. تنتظر الانتخابات الأميركية لتحدد حجم الثمن الذي ستدفعه لكي يعترف العالم بها بوصفها سلطة أوغاد. العالم قد يفعلها، ذاك أنه غفر لبشار الأسد إبادة كيمياوية ولمحمد بن سلمان جريمة معلنة في القنصلية السعودية في إسطنبول، لكن النظام في لبنان عديم التماسك على رغم قوته، والرهان على شقاق كبير فيه، قد يفسح في المجال أمام غضب يتعاظم يوما بعد يوم. لكن الأصعب سيكون عدم بلورة البديل. وهذه أيضا أحد مصادر قوة سلطة الأوغاد.

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.