(FILES) In this file photo taken on August 18, 2020 a boy looks on as he stands in line with women to receive aid at the…
عائلات من مقاتلي تنظيم "داعش" في مخيم الهول

بعد تفشي وانتشار ظاهرة التطرف الإسلامي والإرهاب في العالم ظهرت فكرة ومقولة أن الفقر هو السبب الرئيسي للإرهاب.

ويا لها من مقولة تحاول بكل الوسائل أن تبعد أنظار الناس عن الأيديولوجيا الجهادية كسبب رئيسي لظاهرة التطرف والإرهاب.

والأمر في غاية الخطورة هنا لأن محاولة صرف نظر الناس والقيادات عن سبب الإرهاب الحقيقي وهو "الفكر الديني المتطرف" هو أمر كارثي بكل المقاييس لأنه يبعدهم عن مواجهة السبب الحقيقي للمشكلة ويوجه طاقتهم إلى أمور أخرى قد تكون هامة ولكنها بالقطع ـ كما سنرى ـ ليست هي سبب المشكلة.

والأمر هنا مثل أن يتم تشخيص مرض آخر لسبب الآم شديدة في البطن بدلا من المرض الحقيقي. ففي هذه الحالة سيتم توجيه العلاج للسبب الخطأ فلا يتم علاج المريض وتستنزف الأموال والقدرات الصحية في علاج سبب آخر للمرض.

ودعونا نتكلم هنا بصراحة شديدة.

العلاقة بين الفقر والإرهاب هو علاقة تكافلية بمعنى أن الإرهاب يتسبب في إفقار الشعوب وكنتيجة لهذا الفقر تزيد قدرة الجماعات المتطرفة على اجتذاب أعضاء جدد

إذا كان الفقر هو سبب الإرهاب فلماذا لا نراه ـ أي الإرهاب ـ منتشرا في دول غير إسلامية تعاني شعوبها من الفقر الشديد. فلم نرى الهندوس الفقراء في الهند أو أطفال الشوارع في البرازيل أو المسيحيين الفقراء في أثيوبيا يقومون بعمليات انتحارية لقتل المدنيين العزل.

وإذا كان الفقر هو سبب الإرهاب فما هو السبب يا ترى أن هناك العديد من الإرهابيين في العالم من ميسوري الحال. فأسامة بن لادن كان يمتلك مئات الملايين من الدولارات وأيمن الظواهري كان من عائلة غنية وميسورة الحار والإرهابي نضال حسن في أميركا كان طبيبا مرموقا في القوات الأميركية؟

الحقيقة هي أن التطرف والإرهاب والوحشية الدينية والهمجية الجهادية هم السبب الحقيقي في الفقر وليس العكس.

ولنا أن نتصور ولو للحظة واحدة كيف كان سيكون الحال في أفغانستان والعراق وسوريا وليبيا لو لم يكن هناك تطرف وإرهاب وعمليات انتحارية في هذه الدول. ألم تكن هذه الدول تتمتع الآن بالأمن والأمان والاستقرار الذي يجلب الاستثمار والنجاح الاقتصادي لشعوبها!

ولنا في هذا اللحظات أن نتذكر أيضا كيف تسبب الإرهاب والعمليات الإرهابية في دولة مثل مصر في ضربات شديدة لقطاع السياحة تسببت في إفقار الشعب وإضعاف الدولة اقتصاديا. فالكثير منا لم يزل يتذكر مذبحة الأقصر في أواخر التسعينيات وتفجير مواقع سياحية وقتل العشرات في مدينة دهب بسيناء وغيرها من العمليات الإرهابية الإجرامية التي فاقمت الفقر والعوز في المجتمع المصري بعد تأثيرها السلبي على السياحة وما تدره على الدولة من عملة صعبة.

وفي هذا السياق لا بد من توضيح نقطة هامة ألا وهي أن العلاقة بين الفقر والإرهاب هو علاقة تكافلية بمعنى أن الإرهاب يتسبب في إفقار الشعوب وكنتيجة لهذا الفقر تزيد قدرة الجماعات المتطرفة على اجتذاب أعضاء جدد من هؤلاء الفقراء. فما لا شك عندي فيه أن استقطاب شاب فقير وتشجيعه على الإرهاب قد يكون أسهل من استقطابه وهو ميسور الحال بسبب وجود حافز مادي للانضمام لهذه الجماعات بالإضافة إلى الحافز الديني.

كما رأينا "فكرا" يولد كراهية وعنف وغلظة ووحشية وهمجية فإن "فكرا" آخر قد يولد من رحمه الرحمة والخير والمحبة ومبادئ الإنسانية

وفي هذه الحالة فإن علاج مشكلة التطرف الفكري والديني المتسبب في الإرهاب يكون أمرا أساسيا لعلاج مشكلة الفقر في هذه المجتمعات وليس العكس.

فعلاج الفقر كمحاولة لعلاج التطرف وإهمال علاج أيديولوجية التطرف هو مثل محاولة علاج العرض وليس علاج المرض نفسه.

وككلمة حق فقد بدأ بعض القيادات والقادة في الدول الإسلامية في الاعتراف بأن الأيديولوجية الدينية في المنطقة ـ وليس الفقر ـ هو السبب الحقيقي للإرهاب. وذكر في هذا الشأن الرئيس عبد الفتاح السيسي والأمير محمد بن سلمان. وكلاهما لم يتردد لحظة في إقرار هذه الحقيقة على الملأ وأمام الإعلام المحلي والعالمي.

وأخيرا وليس آخرا فإن بداية الاعتراف بسبب أي مشكلة هو الخطوة الأولى لحلها. فكما رأينا "فكرا" يولد كراهية وعنف وغلظة ووحشية وهمجية فإن "فكرا" آخر قد يولد من رحمه الرحمة والخير والمحبة ومبادئ الإنسانية.

فمتى يا ترى نرى هذه الحرب المقدسة لإنهاء فكر التطرف واستبداله بفكر التعايش بين الحضارات؟

وللحديث بقية!

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.