Volunteer doctor Eleonora Ovanesyan walks near her house destroyed by shelling by Azerbaijan's artillery during a military…
طبيبة أرمنية متطوعة تمشي بالقرب من منزلها المدمر نتيجة لقصف القوات الأذربيجانية

تواجه الهدنة الإنسانية التي أعلنتها موسكو بين طرفي الصراع في "ناغورنو قره باغ" صعوبة في الصمود. يحاول طرفا المواجهة فرض شروطهما على هذه الجولة من الاشتباكات استعدادا لجولة جديدة، خصوصا أن فرص الحسم السريع غير متوفرة لهما باستثناء إمكانية تحقيق تقدم ميداني محدود لا يغير قواعد الاشتباك أو الخطوط الحمراء التي فرضها المجتمع الدولي وأعطى موسكو مهمة الحفاظ عليها.

منذ بداية الصراع على ناغورنو قره باغ تتعامل الأطراف المتنازعة ومن يدعمها إقليميا ودوليا مع موسكو على أنها الجهة المعنية بالحفاظ على أمن واستقرار القوقاز، من منطلق أنها معنية بحماية نفوذها في منطقة جعلتها ثرواتها وموقعها الجغرافي عرضة للأطماع الاقتصادية والنفوذ الجيوسياسي. لذلك، تتجه الأنظار دائما إلى موسكو لكونها تمتلك منفردة إلى حد ما حضورا فاعلا بإمكانها استغلاله من أجل فرض وقف الاقتتال على أرمينيا وأذربيجان كما فعلت في المواجهات السابقة.

إلا أن دعوتها السريعة لهدنة إنسانية والتي قوبلت بعدم الالتزام من الطرفين، ستدفعها إلى خيارات أكثر صرامة في التعامل مع الأزمة، ولكن ستعرضها لخسائر جانبية، خصوصا إذا اضطرت موسكو إلى الخروج عما تصفه بالمسافة الواحدة من الطرفين.

تبدو باكو مصممة هذه المرة على تحرير أراضيها المحتلة، مستغلة قرار موسكو بالوقوف على الحياد والأهم اندفاعة أنقرة إلى جانبها التي تستثمر في الغياب الأميركي

يواجه الكرملين معضلات متعددة ومركبة في مقدمتها كيفية التوفيق بين معركة من أجل انتزاع حق تقرير المصير بالنسبة لأرمن قره باغ، ومن جهة أخرى حرب السيادة الوطنية بالنسبة لأذربيجان، التي تتذرع بعدم تطبيق يريفان لكل الاتفاقيات السابقة التي رعتها موسكو والتي تطالبها بالانسحاب من الأراضي الأذربيجانية المحتلة. 

هذه المعضلة المركبة تسقط كافة احتمالات التوصل إلى سلام دائم بين الطرفين وتزيد من أعباء موسكو التي لا تريد التفريط بالتحالف التاريخي مع يريفان، لكنها ليست بوارد خسارة العلاقة الإيجابية مع باكو.

لكن استمرار التصعيد المرتبط بمحاولات باكو فرض وقائع ميدانية جديدة، وقرار يريفان الاحتفاظ بالأراضي التي تحتلها، سيضع حدا لدور موسكو المحايد أو الساعي إلى الحياد بين الجانبين، فلا يمكن ليريفان، التي تتعرض لضغوط عسكرية كبيرة أن تتقبل موقف شريكتها الاستراتيجية موسكو في البقاء على الحياد وعدم الدفاع عنها حتى لو كانت مبررات الأخيرة بأن المعارك تقع خارج الحدود الجغرافية لدولة أرمينيا، حيث تتعرض موسكو لإحراج أمام حلفائها التقليديين إذ تتنصل من تطبيق بنود اتفاقيات الدفاع المشترك لمنظمة الأمن الجماعي (csto).

في المقابل، تبدو باكو مصممة هذه المرة على تحرير أراضيها المحتلة، مستغلة قرار موسكو بالوقوف على الحياد والأهم اندفاعة أنقرة إلى جانبها التي تستثمر في الغياب الأميركي وانشغال إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في حملتها الرئاسية، وتراجع دور الاتحاد الأوروبي المحصور بفرنسا العضو في مجموعة مينسك والموجه ضد تركيا، حيث بدت موسكو مرتابة من انتقال المواجهة التركية الفرنسية من شرق المتوسط إلى ما وراء القوقاز حيث مناطق نفوذها الحيوية.

عدم انضباط أطراف الصراع سيحتم على موسكو استخدام دبلوماسيتها الخشنة والتلويح للأطراف المندفعة بضغوط جدية من أجل إجبارهم على التراجع

مما لا شك فيه أن تردد موسكو وارتباك طهران والغياب الدولي شجع أنقرة على دفع باكو إلى خيار التصعيد الذي قد يتيح لها فرصة للحسم السريع وتغيير قواعد الاشتباك بهدف تغيير شروط التفاوض. وهذا ما يفسر قرار أنقرة بالتورط العسكري شبه المباشر في النزاع، عبر تقديم الدعم العسكري واللوجستي للجيش الأذربيجاني ونشر مقاتلات F16 في قاعدة غانجا الجوية.

عمليا أثار شكل وحجم التدخل التركي موسكو كأول دولة تتدخل عسكريا في مناطق الاتحاد السوفيتي، والأخطر أنها ترسل مرتزقتها إلى حدود روسيا، ما قد يهدد مستقبلا أمنها القومي، وهذا ما أثار حفيظة رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية الروسية سرغي ناريشكين الذي قال لصحيفة كومسومولسكايا برافدا الروسية بأن "روسيا لا يمكن ألا يقلقها، أن بوسع ما وراء القوقاز أن يصبح نقطة انطلاق للمنظمات الإرهابية الدولية، حيث بوسع المقاتلين أن يتسللوا لاحقا إلى الدول المجاورة لأرمينيا وأذربيجان، بما في ذلك إلى روسيا".

وعليه، فإن عدم انضباط أطراف الصراع سيحتم على موسكو استخدام دبلوماسيتها الخشنة والتلويح للأطراف المندفعة بضغوط جدية من أجل إجبارهم على التراجع، وإما أن تستجيب لضغوط صناع القرار الأمني وتتخذ قرارا بالانحياز وتتحمل كافة عواقبه مستقبلا، حيث أن كافة الأطراف بدأت تستعد لجولة جديدة بعيدا عن النتائج المحتملة لنهاية هذه الجولة.

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.