Turkey's President Recep Tayyip Erdogan, wearing a face mask to help prevent the spread of the coronavirus, inspects a military…
ما الذي يدفع غالبية المواطنين العرب لـ “التعلق" بالتجربة التركية، وإبداء كل هذا التقدير والاحترام لزعيمها ورمزها: رجب طيب إردوغان؟

تحتل تركيا أدنى قائمة "المهددات" الإقليمية والدولية في استطلاعات الرأي العام العربي، فيما تحظى سياستها الخارجية بأكبر قدرٍ من التأييد من قبل الجمهور المستهدف بهذه الاستطلاعات، مع أن تركيا تنخرط في "جملة" من النزاعات المسلحة التي تدور فوق الأرض العربية، مباشرة أو عبر الوكلاء، وهي أخذت منذ العام 2012 تحديدا، باعتماد "أدوات خشنة" في سياسها الخارجية، بعد  أن ارتكزت إلى "الأدوات الناعمة" في مرحلة صعود حزب العدالة والتنمية (2002 ـ 2012)، ويحظى زعيمها رجب طيب إردوغان بمكانة متقدمة في العديد من الدول العربية، تفوق في بعض الأحيان، المكانة التي يحتلها قادة هذه الدول لدى شعوبهم.

هذه المفارقة، أعاد تأكيدها "المؤشر العربي" الذي رصد مؤخرا اتجاهات الرأي العام في ثلاثة عشرة دولة عربية، ففي الوقت الذي تصدرت فيه إسرائيل قائمة "مهددات أمن المنطقة واستقرارها" خلال الفترة من 2016 إلى 2020، وبتأييدٍ من حوالي 90 بالمئة من المُستطلعةِ آراؤهم، جاءت الولايات المتحدة ثانية، بتأييد زاد عن 82 بالمئة، وحلّت إيران ثالثة عن الفترة ذاتها، وبتأييد 69 بالمئة من الجمهور... تركيا احتلت المرتبة الأخيرة في قائمة المهددة، سبقتها روسيا وفرنسا والصين، وبنسبة تأييد لا تتخطى حاجز الـ 36 بالمئة فقط.

في المقابل، حلّت السياسة الخارجية التركية، في المرتبة الأولى عند تقييم الرأي العام العربي لسياسات مجموعة من الدول المؤثرة في الإقليم، وبنسبة (58 بالمئة) ترى أنها سياسة إيجابية جدا أو إيجابية، وحلت إيران أخيرا في القائمة (25 بالمئة)، والمفارقة أن ثمة ارتياحا لدى غالبية العرب المستطلعة آراؤهم، لسياسة الصين الخارجية (55 بالمئة) تليها ألمانيا (52 بالمئة)، ففرنسا (46 بالمئة)، ثم روسيا (40 بالمئة)، أما الولايات المتحدة فقد احتلت ذيل القائمة (35 بالمئة).

ليس من بين القادة العرب الحاكمين اليوم، زعيم واحد، يحظى بالكاريزما القيادية داخل حدوده السياسية، فما بالك حين نتحدث عن "كاريزما عابرة للحدود"

كان يمكن لهذه الأرقام أن تكون مفهومة تماما في العشرية الأولى لحكم العدالة والتنمية في تركيا، حين اعتمدت سياستها الخارجية "عمقا استراتيجيا" جديدا، يعطي الأولوية للشرق والجنوب، وليس للغرب (الاتحاد الأوروبي والناتو) حصريا، وبشّرت بنظرية "صفر مشاكل"، وقدمت نفسها بوصفها وسيطا في النزاعات المفتوحة في الإقليم، لا طرفا فيها، فيما السياسة الداخلية التركية، كانت تشهد على ولادة "معجزة اقتصادية"، و"سلام بين الدين والدولة"، و"مصالحة بين الإسلام والعلمانية"، و"تعايش بين الدين والديمقراطية"... انفتاح شديد على مواطني المنطقة وشعوبها (إلغاء شرط الفيزا لجميع مواطني الدول العربية للدخول إلى تركيا)، ترويج سياحي ترافق من طوفان من "الدراما التركية" التي احتلت الشاشات العربية جميعها، ليتحول أبطالها إلى نجوم لامعة في السماوات العربية.

كل هذا بات من ماضي السياستين الخارجية والداخلية التركيتين، خلال أقل من عقد من الزمان.

في السياسة الخارجية، تقترن "المغامرة" و"افتعال المشاكل" أكثر ما تقترن بسياسات أنقرة في السنوات الأخيرة... جبهات مفتوحة من القوقاز الجنوبي إلى شرق المتوسط مرورا بالمشرق العربي (العراق وسوريا)، وصولا إلى القرن الأفريقي والخليج العربي... الاعتماد على "القوة العسكرية" وسياسة "نشر القواعد والأساطيل الحربية"، دعم ميليشيات محلية وتحويلها إلى جيوش شبه نظامية، كما تفعل إيران في "مجالها الحيوي"، خلق جيوش من "المرتزقة" تقف على أهبة الاستعداد للقتال على أية جبهة تختارها لهم القيادة التركية... دعم واحتضان جماعات موسومة بالإرهاب، وتوظيفها في إطار سياساتها التوسعية، دع عنك ركام المعلومات عن التسهيلات التركية التي منحت لـ"داعش" والاتجار معها بكل صنوف المسروقات السورية والعراقية، من النفط إلى الآثار... نظرية "صفر مشاكل" ستتحول إلى "صفر أصدقاء"، فـ"ليس لدى السلطان من يكاتبه" اليوم، سوى أمير قطر ورئيس الصومال ومرشد الإخوان المسلمين والأمناء العامين لجماعاتها في بلدانها المختلفة.

في السياسة الداخلية، ستتحول تركيا إلى أكبر سجن للصحفيين، وستتحول "المحاولة الانقلابية الفاشلة في العام 2016"، إلى ذريعة لتصفية الحساب مع الخصوم، وبكل غلظة، ومن دون مراعاة لسيادة القانون وحقوق الإنسان، وستنتقل تركيا إلى "حكم الفرد" تحت مظلة التحول من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي مطلق الصلاحيات، وستشهد البلاد حالة استقطاب مجتمعي ـ هوياتي مركبة، وستأخذ المعجزة الاقتصادية الواعدة، شكل "انتفاخة اقتصادية" مهددة بالتحول إلى نقيضها مع توالي انهيارات العملة الوطنية، وسترتفع معدلات البطالة ويتباطأ النمو قبل أن تُطل "جائحة كورونا" برأسها الكريه.

في السياسة الخارجية، تقترن "المغامرة" و"افتعال المشاكل" أكثر ما تقترن بسياسات أنقرة في السنوات الأخيرة

كل ذلك لم يحدث تغييرا جوهريا في نظرة الرأي العام العربي لتركيا وزعيمها، وظلت "التجربة التي أكلت أبناءها" تحظى بتأييده وتعاطفه، على الرغم من الانسحابات والانشقاقات المتتالية في صفوف الحزب الحاكم، والتي ألقت بعدد كبير من "آبائه المؤسسين" خارج صفوفه، ليظل الزعيم و"صهره" وبعض المقربين من دوائر صنع القرار، في صدارة المشهد، دون حسيب أو رقيب.

ما الذي يدفع غالبية المواطنين العرب لـ “التعلق" بالتجربة التركية، وإبداء كل هذا التقدير والاحترام لزعيمها ورمزها: رجب طيب إردوغان، سؤال "سهل" يطرق الأذهان، لكن الإجابة عليه تبدو صعبة إلى حد كبير، وفي ظني أن ثمة جملة من العوامل التي تظافرت لإنتاج هذه الظاهرة، سنتوقف عند خمسة منها:

أولا؛ "فراغ الزعامة" في العالم العربي، إذ ليس من بين القادة العرب الحاكمين اليوم، زعيم واحد، يحظى بالكاريزما القيادية داخل حدوده السياسية، فما بالك حين نتحدث عن "كاريزما عابرة للحدود"، وزعامة تتخطى "الإطار الوطني" إلى "الفضاء القومي" الأبعد والأوسع... في المقابل، هناك "قائد شعبوي"، لا يعرف أن يطلق المواقف والتصريحات إلا في حضرة الحشود والجماهير الغفيرة في الساحات والميادين، يعرف كيف يخاطب جمهوره بلغته، ولا تمنعه "اعتبارات الأمن والسلامة الشخصية" من فعل ذلك، أو حتى من زيارة الساحات المشتعلة في الإقليم، وإيفاد كبار مسؤوليه لهذه الغاية... هذا لا يحدث في العالم العربي، حيث لغة التواصل تكاد تكون مقطوعة بين الحكام والمحكومين، واعتبارات الأمن، تمنع هؤلاء القادة من الخروج من أقفصاهم الذهبية، هذا إن كان لديهم ما يقولونه لشعوبهم.

ثانيا؛ "فراغ الزعامة" متولد أساسا عن مأزق آخر، يتجسد في فشل المشروع القومي العربي، وعجز العرب عن حل مشكلاتهم وأزماتهم، والالتحاق بركب العصر، واحتضار "الدولة الوطنية"، دولة ما بعد الاستقلالات الوطنية، تنمويا وديمقراطيا ومدنيا، والفشل في حل القضية الفلسطينية، ونجاح إسرائيل في اختراق جدران المقاطعة و"الثوابت" العربية، والإخفاق في وقف الاستباحات الإقليمية للسيادات والحقوق والمصالح العربية (إيران وهلالها الشيعي، تركيا وقوسها العثماني، أثيوبيا ومياه النيل)... في المقابل، تشق "العثمانية الجديدة" طريقها في المنطقة، وتطرح نفسها "معادلا موضوعيا" لإيران و"هلالها"، وهي تسعى في ملء فراغ الدول الكبرى الناجم عن "السياسة الانكفائية" لواشنطن، وتوظف ضعف السياستين الداخلية والخارجية السعوديتين وارتباكاتهما، لمنافسة المملكة على زعامة العالم الإسلامي بعامة، بما فيها أذربيجان الشيعية، والسنّي على وجه الخصوص.

منذ أن قدمت تركيا نفسها بوصفها "الناطق بلسان الإسلام السنّي"، الأكثر فاعلية، والأكثر حضورا في ملفات المنطقة وأزماتها، أبدت قطاعات واسعة من الرأي العام العربي، تعلقها بهذه السياسة ورموزها

ثالثا؛ "فراغ الزعامة" عززته أيضا، العلاقة "الاستتباعية" التي تقيمها معظم إن لم نقل جميع الدول العربية، مع المراكز الدولية والإقليمية، في المقابل، تبدو القيادة التركية قادرة على قول "نعم" أو "لا" لكل المراكز الدولية الكبرى، من واشنطن إلى موسكو، ومن باريس إلى بروكسيل... تركيا قالت "لا" للحرب الأميركية على العراق في العام 2003، ورفضت بخلاف الدول العربية منح واشنطن والتحالف الدولي تسهيلات من على أراضيها وأجوائها، وهي تقول "لا" باستمرار في مواجهة سياسات إسرائيل، حتى وإن لم تستتبعها بخطوات عملية تتعدى استعراض "مافي مرمرة" على شواطئ غزة، وتركيا رفضت الرضوخ للضغوط الأميركية في موضوع "إس 400" الروسي، وهي تتعامل بندية مع أوروبا وبفوقية مع اليونان"، ولا تخضع لحسابات "الشريك الروسي"، بل وتشتبك معها على ثلاث جبهات: سوريا، ليبيا والقوقاز الجنوبي... مثل هذا النوع من القيادة القادرة على اتخاذ قرارات مستقلة، بصرف النظر عن الموقف من هذه القرارات، وقول "لا" أو "نعم" وفق ما تقتضيه المصلحة أو الحسابات، لم يعد موجودا في العالم منذ زمن طويل، ويبدو أن الرأي العام العربي، بات توّاقا لرؤية قادة من هذا النوع.

رابعا؛ البعد المذهبي، وهو عامل أصيل في تشكيل اتجاهات الرأي العام العربي، ومنذ أن قدمت تركيا نفسها بوصفها "الناطق بلسان الإسلام السنّي"، الأكثر فاعلية، والأكثر حضورا في ملفات المنطقة وأزماتها، أبدت قطاعات واسعة من الرأي العام العربي، تعلقها بهذه السياسة ورموزها، لا سيما وأن "الدول السنيّة" العربية، أبدت ضعفا معطوفا على فشل وتخبط، في إدارة معظم ملفات سياستها الخارجية، والمرجح أن كثيرين من العرب، يرون في تركيا بديلا أو معادلا لنفوذ إيران المهمين، حتى وإن كانوا غير متأكدين من فاعلية الموقف التركي في نصرة قضاياهم الشائكة، وفي القلب منها: فلسطين.

خامسا؛ الأثر المستمر الذي أحدثته "الأدوات الناعمة" لتركيا حيال شعوب هذه المنطقة (إجراءات الدخول والإقامة والسياحة الميسرة)، أثر الدراما التركية في خلق حالة من التعلق بالإرث المشترك، للعرب والأتراك في ميادين شتى، من الثقافة والموسيقي والفنون، إلى نمط العمار الإسلامي و"فنون الطبخ" و"الأنماط والعلاقات الاجتماعية"، كل ذلك يجعل قطاعات من الرأي العام "أكثر تسامحا" مع ما يمكن أن تعتبره "تجاوزات" في السياستين الداخلية والخارجية التركيتين.

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.