FILE - In this Wednesday, June 4, 2008 file photo, Saudi Prince Bandar bin Sultan seen at his palace in Riyadh, Saudi Arabia…
إن أهمية وثائقي الأمير بندر ليست فقط فيما جاء من معلومات وحقائق في الأجزاء الثلاثة بل الأهمية الكبرى تكمن فيما تضمنه المونولوج من عقائد سياسية مستقبلية للسعودية والخليج

تابعت مونولوج الأمير بندر بن سلطان الوثائقي الذي عرضته قناة العربية، على ثلاثة أجزاء، لكن كان ردة فعلي تختلف عن غالبية الشعب السعودي الذي أصيب بدهشة الحقائق عن السلطة الفلسطينية وإضاعتها لفرصة تلو الأخرى لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، إلا أن هذا الوثائقي أعطاني الثقة بشكل أكبر برأيي في السلطة الفلسطينية والذي أكد عليه الأمير بندر بالحقائق والتفاصيل، فهذا كان انطباعي منذ زمن ولم يتغير أبدا. وقد كانت لي مقالتين على موقع الحرة عن هذا الموضوع، في تاريخ 22 ديسمبر، 2017: هل السلطة الفلسطينية هي من أضاعت القدس؟  وأخرى بتاريخ 30 يوليو، 2019: هل حان الوقت لتبحث دول الخليج عن أطراف فلسطينية بديلة؟

إن أهمية وثائقي الأمير بندر ليست فقط فيما جاء من معلومات وحقائق في الأجزاء الثلاثة بل الأهمية الكبرى تكمن فيما تضمنه المونولوج من عقائد سياسية مستقبلية للسعودية والخليج وهي: أولا: التحرير من الولاء لعقد أيديولوجية مهما كانت درجة حساسيتها مثل القضية الفلسطينية، ثانيا: سياسة المصارحة والمكاشفة، ثالثا: العقيدة الخليجية والهوية الوطنية.

التحرير من الولاء لعقد أيديولوجية

كون الأمير يطلع على شاشة قناة العربية ويسرد الحقائق بخصوص عملية السلام بكل صراحة وشفافية، فهذا معناه تأكيد على التحرر من الولاء لعقد أيديولوجية اعتبرت لعقود من الزمان أنها من "التابوهات" ولا يمكن نقدها مثل القضية الفلسطينية وقادتها تحديدا.

مع أن الكثير مما ذكره الأمير بندر في الوثائقي جاء في كتاب "الأمير" للكاتب وليام سيمبسون إلا أن وقعه كان أقوى على شاشة العربية لما للإعلام المرئي من تأثير وخاصة عندما يتم تداوله والتفاعل معه على مواقع التواصل الاجتماعي. ومع أنني شعرت بالمرارة والألم والإحباط لدى الأمير بندر من السلطة الفلسطينية في سطور الكتاب إلا أني لمستها أكثر في الأجزاء الثلاثة خاصة عندما قال: "الشيب اللي جاني بسبب الفرص الضائعة من القيادات الفلسطينية".

إن مصارحة الأمير بندر بهذا الشكل العفوي هو التوضيح للجماهير بما قامت به السعودية تجاه القضية وكل ما ذكره موثق في الكتب والوثائق، وبالتالي ما جاء من ردود السلطة الفلسطينية على تصريحات الأمير بندر أنها كانت بهدف التمهيد للتطبيع مع إسرائيل غير صحيح لأن الكثير مما ذكره الأمير بندر موثق ومكتوب.

وجه الأمير بندر خطابه للشعب السعودي وتحديدا الجيل الجديد من الفتيات والشبان، وذلك بهدف تعريفهم بجزء من تاريخ يغيب عن كثيرين منهم، لأنهم لم يعايشوه

فقد عبر الأمير بندر في كتاب "الأمير" الذي نشر في 2010 عن الإحباط الذي يشعر به بسبب عدم التوصل إلى حل: "أمضيت أكثر من 70 بالمئة من وقتي في العشرين سنة الماضية في عملية السلام في الشرق الأوسط في تسوية النزاع الإسرائيلي الفلسطيني. وقد تحطم قلبي مرات عديدة كلما اقتربنا كثيرا من تحقيق الاختراق انهار كل شيء".

إن ما تحدث عنه الأمير بندر من "الفرص المهدورة" التي بددتها السلطة الفلسطينية وتحديدا الراحل ياسر عرفات، خاصة فرصة كامب ديفيد في عام 2000، ذكرت أيضا في الكتاب والتي وصفت أنها واحدة من أنصف صفقات السلام التي تعرض على الفلسطينيين. ففي عرض كلينتون ـ باراك ستشكل دولة فلسطينية على 95 بالمئة من الضفة الغربية 100 بالمئة من قطاع غزة، وتفكك المستوطنات الإسرائيلية باستثناء ثلاث مجاورة لإسرائيل، وتخضع القدس لسيادتين، ويسمح بعودة عدد محدود من اللاجئين وتدفع حزمة تعويضات تبلغ 30 مليار دولار، فهذا سلام لم يسبق من قبل أن قدمته أي حكومة إسرائيلية، ومع هذا كله رفض عرفات العرض المقدم في كامب ديفيد من دون تفسير أو تقديم عرض مقابل، فاختار الحرب وأطلقت الانتفاضة الثانية التي قتل فيها أكثر من ثلاثة آلاف فلسطيني وكانت آثارها مدمرة للفلسطينيين: انهيار الاقتصاد، إغلاق المدارس، وتدمير البنية التحتية للبلد.

لقد كانت نبرة الأمير بندر في الأجزاء الثلاثة ممزوجة بغضب وحزن وألم بسبب "الفرص المهدورة" وكذلك بسبب مكافأة الدعم السعودي والخليجي للسلطة الفلسطينية طيلة العقود الماضية بالوقوف مع صدام حسين ضد الموقف الخليجي في تحرير الكويت، ومن ثم الاصطفاف مع إيران وتركيا. إن أهم تفسير لذلك كان في كتاب "الأمير" الذي جاء فيه، عندما سئل الأمير بندر لماذا رفض عرفات فرصة كامب ديفيد، أجاب: "أعتقد أن مشكلة عرفات الكبيرة هي أنه لم يستطع إتمام الانتقال من القائد الثوري إلى رجل الدولة. وكلما وصل إلى تلك النقطة تراجع. الثوري هو شخص يقاتل من أجل الثورة ورجل الدولة هو الشخص الذي يقول، الثورة انتهت الآن. أنا المسؤول وعليّ أن أنجز الانتقال من ثوري إلى زعيم عالمي". 

ولعل ما نشاهده على أرض الواقع من قبل السلطة الفلسطينية منذ عهد أمين الحسيني إلى ياسر عرفات وصولا إلى محمود عباس يثبت أن قادة القضية الفلسطينية جميعا مؤدلجين ويفكرون بمنطق "الثوار" وليس رجال دولة وهذا ما يفسر اصطفافهم دائما مع الطرف الثوري مثل: النازيين، صدام حسين، ومن ثم النظام الإيراني والآن تركيا إردوغان ضد باقي الدول التي تدعمهم لوجستيا وماديا.

سياسة المصارحة والمكاشفة

لقاء الأمير بندر مع العربية والتي كشف فيها عن الكثير من الحقائق المغيبة يمثل مرحلة جديدة من سياسة المصارحة والمكاشفة بعيدا عن الصمت بغرض نصرة الإخوة والأمة والتغطية على خطاباتهم البعيدة عن الواقع السياسي ومفهوم الدولة لأنه اتضح أن عواقب هذه التغطية لها كوارث لا تحمد عقباها. بدون مبالغة فلو اتبعت هذه السياسة منذ البداية بدل الانسياق وراء قرارات القيادة الفلسطينية الخاطئة لتغير الحال الآن ولما وصل حال القضية بهذا الشكل ولما تمت المتاجرة بها. فالقضية استغلت ماديا خاصة لبعض القياديين الفلسطينيين كما استغلت سياسيا وأيديولوجيا، فكل رئيس يريد أن يجعل من نفسه زعيما تحدث عنها وكل نظام يريد نشر أيديولوجيته مثل النظام الإيراني وتركيا إردوغان استغلوها لمصلحتهم.

لقد علق الكثير من السياسيين والكتاب على أن حديث الأمير بندر يعتبر مرحلة جديدة من سياسة المصارحة والمكاشفة. ففي تغريدة معالي الدكتور أنور محمد قرقاش، وزير الدولة للشؤون الخارجية لدى دولة الإمارات ذكر فيها: "مقابلة مهمة للأمير بندر بن سلطان في العربية، حلقة أولى من حديث حصيف صريح من شخصية ملّمة ومطلّعة على تفاصيل وخفايا العديد من الأحداث. نعم، الواقعية والصراحة مطلوبة في منطقة عانت من قلة العمل وكثرة الكلام".

كذلك غرد الصحفي السعودي، ناصر الصرامي، عن هذه المرحلة أيضا: "غضب بعض الفلسطينيين من حقائق وثائقي مع #بندر_بن_سلطان يعود إلى أنهم لم يعتادوا أن يناقشهم أو يختلف معهم أحد علانية، خصوصا دول الخليج، والتي عليها فقط أن تقوم بما تأمر به الفصائل الفلسطينية! ذلك الزمن انتهى، والحوار الآن عالمكشوف بالوثائق والشهود والتاريخ".

العقيدة الخليجية والهوية الوطنية

كل شيء في إطلالة الأمير بندر كان محسوبا وله هدف ليس فقط فيما ذكره حتى من ناحية المكان الذي تم به التصوير وهو مجلس على الطراز التراثي وخلفه صورة الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود مع مجموعة بنادق تزين الحائط، كل ذلك يرمز إلى تعزيز الهوية الوطنية وكذلك إلى القوة والاستقلالية.

منذ بداية الجزء الأول وجه الأمير بندر خطابه للشعب السعودي وتحديدا الجيل الجديد من الفتيات والشبان، وذلك بهدف تعريفهم بجزء من تاريخ يغيب عن كثيرين منهم، لأنهم لم يعايشوه. وكذلك لدول الخليج وتحديدا الإمارات والبحرين وذلك عندما دافع عن قراراتهم السياسية ووصف تصرف القيادة الفلسطينية بالتجاوز "وتجرأ بالكلام الهجين" في اعتراضها على قرار الإمارات والبحرين بناء علاقات مع إسرائيل.

إن أهم ما دفع الأمير بندر لذلك، لمواجهة الدعاية المضللة تجاه السعودية ودول الخليج وتشويه تاريخهم وهذا قد يكون له تأثير على البعض خاصة مع قوة تلك الآلة الإعلامية المضادة التي تستغل عواطف الشعوب تجاه القضية الفلسطينية. لذلك لا بد من إيضاح الحقائق كي لا يتمكن المغرضين من شق الصف الوطني.

إن التعليقات على الوثائقي من مختلف الطبقات والأعمار السعودية والخليجية على مواقع التواصل الاجتماعي تؤكد أن الأمير بندر كان صوتا معبرا عن الغضب الشعبي والامتعاض الخليجي

فلا بد التوضيح للمواطنين السعوديين ما قامت به السعودية وأنهم صبروا وتحملوا أخطاء تاريخية لا ناقة لهم فيها ولا جمل. فآن الأوان بأن توجه السهام بالاتجاه الصحيح ليس انتقاما أو استغلالا لأحد بل تصحيحا لمغالطات استمرت لعقود وتم التغاضي عنها لأجل الأمة والأخوة.

وقد غرد عادل الطريفي، وزير الثقافة والإعلام السعودي السابق: "الوقائع التي يسردها #مع_بندر_بن_سلطان عن جحود القيادات #الفلسطينية ووقوفها تاريخيا ضد أي مشروع حقيقي لإقامة الدولة تفرض سؤالا ضروريا: هل من المجدي الاستمرار في الدعم اللامشروط للسلطة الفلسطينية، أو أي من المشروعات الأممية المرتبطة بها؟! الأمير يشدد الظروف تغيرت والعالم تغير".

كما غرد سعيد الحمد، كاتب ومحلل سياسي بحريني: "إعلاميا وبعد حلقات أمير الحقائق بندر لن يقبل مواطننا الخليجي بأقل من هذا الأسلوب في المواجهة المنطقية الصارمة والكاشفة لحقيقة كل من يتطاول ومن يشوه دولنا فما عاد أسلوبنا التقليدي مناسبا معهم".

إن التعليقات على الوثائقي من مختلف الطبقات والأعمار السعودية والخليجية على مواقع التواصل الاجتماعي تؤكد أن الأمير بندر كان صوتا معبرا عن الغضب الشعبي والامتعاض الخليجي لما حدث ضدهم من هجوم ومغالطات. لكن أهم ما ذكره الأمير بندر بن سلطان وأعتبره فعلا نقطة تحول في سياسة المنطقة: أن دول الخليج لم تعد تجامل أيديولوجيات الدول العربية الأخرى وأن العقيدة الخليجية ترتكز على الواقعية السياسية والهوية الوطنية التي تقدم فيها مصالحها أولا وهذا كان واضحا في آخر جملة في الجزء الثالث ذكرها بلهجته المحلية: "حنا كمان لنا تاريخنا ونعرف تاريخهم هم وهذا إلي حبيت أشرحه لإخوتي وأخواتي المواطنين لأهمية اللحظة والظرف إلى حنا نعيش فيه الآن".

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!