FILE - In this Wednesday, June 4, 2008 file photo, Saudi Prince Bandar bin Sultan seen at his palace in Riyadh, Saudi Arabia…
إن أهمية وثائقي الأمير بندر ليست فقط فيما جاء من معلومات وحقائق في الأجزاء الثلاثة بل الأهمية الكبرى تكمن فيما تضمنه المونولوج من عقائد سياسية مستقبلية للسعودية والخليج

تابعت مونولوج الأمير بندر بن سلطان الوثائقي الذي عرضته قناة العربية، على ثلاثة أجزاء، لكن كان ردة فعلي تختلف عن غالبية الشعب السعودي الذي أصيب بدهشة الحقائق عن السلطة الفلسطينية وإضاعتها لفرصة تلو الأخرى لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، إلا أن هذا الوثائقي أعطاني الثقة بشكل أكبر برأيي في السلطة الفلسطينية والذي أكد عليه الأمير بندر بالحقائق والتفاصيل، فهذا كان انطباعي منذ زمن ولم يتغير أبدا. وقد كانت لي مقالتين على موقع الحرة عن هذا الموضوع، في تاريخ 22 ديسمبر، 2017: هل السلطة الفلسطينية هي من أضاعت القدس؟  وأخرى بتاريخ 30 يوليو، 2019: هل حان الوقت لتبحث دول الخليج عن أطراف فلسطينية بديلة؟

إن أهمية وثائقي الأمير بندر ليست فقط فيما جاء من معلومات وحقائق في الأجزاء الثلاثة بل الأهمية الكبرى تكمن فيما تضمنه المونولوج من عقائد سياسية مستقبلية للسعودية والخليج وهي: أولا: التحرير من الولاء لعقد أيديولوجية مهما كانت درجة حساسيتها مثل القضية الفلسطينية، ثانيا: سياسة المصارحة والمكاشفة، ثالثا: العقيدة الخليجية والهوية الوطنية.

التحرير من الولاء لعقد أيديولوجية

كون الأمير يطلع على شاشة قناة العربية ويسرد الحقائق بخصوص عملية السلام بكل صراحة وشفافية، فهذا معناه تأكيد على التحرر من الولاء لعقد أيديولوجية اعتبرت لعقود من الزمان أنها من "التابوهات" ولا يمكن نقدها مثل القضية الفلسطينية وقادتها تحديدا.

مع أن الكثير مما ذكره الأمير بندر في الوثائقي جاء في كتاب "الأمير" للكاتب وليام سيمبسون إلا أن وقعه كان أقوى على شاشة العربية لما للإعلام المرئي من تأثير وخاصة عندما يتم تداوله والتفاعل معه على مواقع التواصل الاجتماعي. ومع أنني شعرت بالمرارة والألم والإحباط لدى الأمير بندر من السلطة الفلسطينية في سطور الكتاب إلا أني لمستها أكثر في الأجزاء الثلاثة خاصة عندما قال: "الشيب اللي جاني بسبب الفرص الضائعة من القيادات الفلسطينية".

إن مصارحة الأمير بندر بهذا الشكل العفوي هو التوضيح للجماهير بما قامت به السعودية تجاه القضية وكل ما ذكره موثق في الكتب والوثائق، وبالتالي ما جاء من ردود السلطة الفلسطينية على تصريحات الأمير بندر أنها كانت بهدف التمهيد للتطبيع مع إسرائيل غير صحيح لأن الكثير مما ذكره الأمير بندر موثق ومكتوب.

وجه الأمير بندر خطابه للشعب السعودي وتحديدا الجيل الجديد من الفتيات والشبان، وذلك بهدف تعريفهم بجزء من تاريخ يغيب عن كثيرين منهم، لأنهم لم يعايشوه

فقد عبر الأمير بندر في كتاب "الأمير" الذي نشر في 2010 عن الإحباط الذي يشعر به بسبب عدم التوصل إلى حل: "أمضيت أكثر من 70 بالمئة من وقتي في العشرين سنة الماضية في عملية السلام في الشرق الأوسط في تسوية النزاع الإسرائيلي الفلسطيني. وقد تحطم قلبي مرات عديدة كلما اقتربنا كثيرا من تحقيق الاختراق انهار كل شيء".

إن ما تحدث عنه الأمير بندر من "الفرص المهدورة" التي بددتها السلطة الفلسطينية وتحديدا الراحل ياسر عرفات، خاصة فرصة كامب ديفيد في عام 2000، ذكرت أيضا في الكتاب والتي وصفت أنها واحدة من أنصف صفقات السلام التي تعرض على الفلسطينيين. ففي عرض كلينتون ـ باراك ستشكل دولة فلسطينية على 95 بالمئة من الضفة الغربية 100 بالمئة من قطاع غزة، وتفكك المستوطنات الإسرائيلية باستثناء ثلاث مجاورة لإسرائيل، وتخضع القدس لسيادتين، ويسمح بعودة عدد محدود من اللاجئين وتدفع حزمة تعويضات تبلغ 30 مليار دولار، فهذا سلام لم يسبق من قبل أن قدمته أي حكومة إسرائيلية، ومع هذا كله رفض عرفات العرض المقدم في كامب ديفيد من دون تفسير أو تقديم عرض مقابل، فاختار الحرب وأطلقت الانتفاضة الثانية التي قتل فيها أكثر من ثلاثة آلاف فلسطيني وكانت آثارها مدمرة للفلسطينيين: انهيار الاقتصاد، إغلاق المدارس، وتدمير البنية التحتية للبلد.

لقد كانت نبرة الأمير بندر في الأجزاء الثلاثة ممزوجة بغضب وحزن وألم بسبب "الفرص المهدورة" وكذلك بسبب مكافأة الدعم السعودي والخليجي للسلطة الفلسطينية طيلة العقود الماضية بالوقوف مع صدام حسين ضد الموقف الخليجي في تحرير الكويت، ومن ثم الاصطفاف مع إيران وتركيا. إن أهم تفسير لذلك كان في كتاب "الأمير" الذي جاء فيه، عندما سئل الأمير بندر لماذا رفض عرفات فرصة كامب ديفيد، أجاب: "أعتقد أن مشكلة عرفات الكبيرة هي أنه لم يستطع إتمام الانتقال من القائد الثوري إلى رجل الدولة. وكلما وصل إلى تلك النقطة تراجع. الثوري هو شخص يقاتل من أجل الثورة ورجل الدولة هو الشخص الذي يقول، الثورة انتهت الآن. أنا المسؤول وعليّ أن أنجز الانتقال من ثوري إلى زعيم عالمي". 

ولعل ما نشاهده على أرض الواقع من قبل السلطة الفلسطينية منذ عهد أمين الحسيني إلى ياسر عرفات وصولا إلى محمود عباس يثبت أن قادة القضية الفلسطينية جميعا مؤدلجين ويفكرون بمنطق "الثوار" وليس رجال دولة وهذا ما يفسر اصطفافهم دائما مع الطرف الثوري مثل: النازيين، صدام حسين، ومن ثم النظام الإيراني والآن تركيا إردوغان ضد باقي الدول التي تدعمهم لوجستيا وماديا.

سياسة المصارحة والمكاشفة

لقاء الأمير بندر مع العربية والتي كشف فيها عن الكثير من الحقائق المغيبة يمثل مرحلة جديدة من سياسة المصارحة والمكاشفة بعيدا عن الصمت بغرض نصرة الإخوة والأمة والتغطية على خطاباتهم البعيدة عن الواقع السياسي ومفهوم الدولة لأنه اتضح أن عواقب هذه التغطية لها كوارث لا تحمد عقباها. بدون مبالغة فلو اتبعت هذه السياسة منذ البداية بدل الانسياق وراء قرارات القيادة الفلسطينية الخاطئة لتغير الحال الآن ولما وصل حال القضية بهذا الشكل ولما تمت المتاجرة بها. فالقضية استغلت ماديا خاصة لبعض القياديين الفلسطينيين كما استغلت سياسيا وأيديولوجيا، فكل رئيس يريد أن يجعل من نفسه زعيما تحدث عنها وكل نظام يريد نشر أيديولوجيته مثل النظام الإيراني وتركيا إردوغان استغلوها لمصلحتهم.

لقد علق الكثير من السياسيين والكتاب على أن حديث الأمير بندر يعتبر مرحلة جديدة من سياسة المصارحة والمكاشفة. ففي تغريدة معالي الدكتور أنور محمد قرقاش، وزير الدولة للشؤون الخارجية لدى دولة الإمارات ذكر فيها: "مقابلة مهمة للأمير بندر بن سلطان في العربية، حلقة أولى من حديث حصيف صريح من شخصية ملّمة ومطلّعة على تفاصيل وخفايا العديد من الأحداث. نعم، الواقعية والصراحة مطلوبة في منطقة عانت من قلة العمل وكثرة الكلام".

كذلك غرد الصحفي السعودي، ناصر الصرامي، عن هذه المرحلة أيضا: "غضب بعض الفلسطينيين من حقائق وثائقي مع #بندر_بن_سلطان يعود إلى أنهم لم يعتادوا أن يناقشهم أو يختلف معهم أحد علانية، خصوصا دول الخليج، والتي عليها فقط أن تقوم بما تأمر به الفصائل الفلسطينية! ذلك الزمن انتهى، والحوار الآن عالمكشوف بالوثائق والشهود والتاريخ".

العقيدة الخليجية والهوية الوطنية

كل شيء في إطلالة الأمير بندر كان محسوبا وله هدف ليس فقط فيما ذكره حتى من ناحية المكان الذي تم به التصوير وهو مجلس على الطراز التراثي وخلفه صورة الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود مع مجموعة بنادق تزين الحائط، كل ذلك يرمز إلى تعزيز الهوية الوطنية وكذلك إلى القوة والاستقلالية.

منذ بداية الجزء الأول وجه الأمير بندر خطابه للشعب السعودي وتحديدا الجيل الجديد من الفتيات والشبان، وذلك بهدف تعريفهم بجزء من تاريخ يغيب عن كثيرين منهم، لأنهم لم يعايشوه. وكذلك لدول الخليج وتحديدا الإمارات والبحرين وذلك عندما دافع عن قراراتهم السياسية ووصف تصرف القيادة الفلسطينية بالتجاوز "وتجرأ بالكلام الهجين" في اعتراضها على قرار الإمارات والبحرين بناء علاقات مع إسرائيل.

إن أهم ما دفع الأمير بندر لذلك، لمواجهة الدعاية المضللة تجاه السعودية ودول الخليج وتشويه تاريخهم وهذا قد يكون له تأثير على البعض خاصة مع قوة تلك الآلة الإعلامية المضادة التي تستغل عواطف الشعوب تجاه القضية الفلسطينية. لذلك لا بد من إيضاح الحقائق كي لا يتمكن المغرضين من شق الصف الوطني.

إن التعليقات على الوثائقي من مختلف الطبقات والأعمار السعودية والخليجية على مواقع التواصل الاجتماعي تؤكد أن الأمير بندر كان صوتا معبرا عن الغضب الشعبي والامتعاض الخليجي

فلا بد التوضيح للمواطنين السعوديين ما قامت به السعودية وأنهم صبروا وتحملوا أخطاء تاريخية لا ناقة لهم فيها ولا جمل. فآن الأوان بأن توجه السهام بالاتجاه الصحيح ليس انتقاما أو استغلالا لأحد بل تصحيحا لمغالطات استمرت لعقود وتم التغاضي عنها لأجل الأمة والأخوة.

وقد غرد عادل الطريفي، وزير الثقافة والإعلام السعودي السابق: "الوقائع التي يسردها #مع_بندر_بن_سلطان عن جحود القيادات #الفلسطينية ووقوفها تاريخيا ضد أي مشروع حقيقي لإقامة الدولة تفرض سؤالا ضروريا: هل من المجدي الاستمرار في الدعم اللامشروط للسلطة الفلسطينية، أو أي من المشروعات الأممية المرتبطة بها؟! الأمير يشدد الظروف تغيرت والعالم تغير".

كما غرد سعيد الحمد، كاتب ومحلل سياسي بحريني: "إعلاميا وبعد حلقات أمير الحقائق بندر لن يقبل مواطننا الخليجي بأقل من هذا الأسلوب في المواجهة المنطقية الصارمة والكاشفة لحقيقة كل من يتطاول ومن يشوه دولنا فما عاد أسلوبنا التقليدي مناسبا معهم".

إن التعليقات على الوثائقي من مختلف الطبقات والأعمار السعودية والخليجية على مواقع التواصل الاجتماعي تؤكد أن الأمير بندر كان صوتا معبرا عن الغضب الشعبي والامتعاض الخليجي لما حدث ضدهم من هجوم ومغالطات. لكن أهم ما ذكره الأمير بندر بن سلطان وأعتبره فعلا نقطة تحول في سياسة المنطقة: أن دول الخليج لم تعد تجامل أيديولوجيات الدول العربية الأخرى وأن العقيدة الخليجية ترتكز على الواقعية السياسية والهوية الوطنية التي تقدم فيها مصالحها أولا وهذا كان واضحا في آخر جملة في الجزء الثالث ذكرها بلهجته المحلية: "حنا كمان لنا تاريخنا ونعرف تاريخهم هم وهذا إلي حبيت أشرحه لإخوتي وأخواتي المواطنين لأهمية اللحظة والظرف إلى حنا نعيش فيه الآن".

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان

في مقابلة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الشهيرة مع مجلة "ذا أتلانتيك"، يسأل الصحفي، محمد بن سلمان ماذا تريد أن يعرف الرئيس الأميركي جو بايدن شيئا عنك قد لا يعرفه غيره؟، فيجيب بكل صراحة ومباشرة "هذا لا يهمني، والأمر متروك له، ولتفكيره في مصالح أميركا".

هذا الكلام لم يكن أبدا متوقعا، ولا حتى في الأحلام، فالاتهامات التاريخية للمملكة السعودية أنها تابع لأميركا، ولا تخالفها، أو تعصي أوامرها، ولكن الأمير الذي كان بايدن يتوعد بنبذه، يقرر أن يتعامل بندية، وأن لا يلقي بالا للمصافحة الشهيرة بقبضات الأيدي حين زار بايدن الرياض ليُظهر الجفاء، والحزم في التعامل مع ولي العهد بعد الاتهامات بمقتل الصحفي جمال خاشقجي في إسطنبول.

لم يكن متوقعا أن يخرج محمد بن سلمان من تداعيات قضية مقتل خاشقجي بسهولة، غير أنه بعد 5 سنوات يظهر أن الرياض تختار أصدقائها، وتدير الظهر لمن يخاصمها، وكل الوعيد، والتابوهات التي تحدث عنها زعماء في الغرب تلاشت، ويتسابقون على ود القيادة السعودية، دون أي تحفظات.

منذ أن تولى الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد، ثم رئاسة الوزراء لاحقا، فعليا هو الذي يحكم على أرض الواقع، شهدت المملكة تغيرات غير مسبوقة، وما كان مستحيلا أن تراه في المدن السعودية صار حقيقة، واليوم تدشن الرياض سباقا مع الزمن في ميادين الاقتصاد، والثقافة، والترفيه، والعنوان الرئيس قطع مع الماضي، فالمملكة التي سيطرت عليها الحركة الوهابية لعقود تكاد تجلياتها أن تنتهي، والدولة الدينية التي كانت جماعة الأمر بالمعروف تصول وتجول بها اختفت، ولم يعد هناك ما كان يسمى "شرطة دينية" تراقب تطبيق الشريعة الإسلامية، وتفرض الإغلاق للمحلات التجارية وقت الصلاة، وتمنع خروج النساء دون عباءة سوداء، وتصطدم بكل من يفكر بإقامة اي أنشطة ترفيهية.
 
باختصار تغير الحال، ويلخص بعض الغاضبون لهذه التحولات ما وقع بالقول "اختفت هيئة الأمر بالمعروف، وحلت مكانها هيئة الترفيه" التي يقودها تركي آل الشيخ الشخصية المثيرة للجدل.

لم يكن الأمير محمد بن سلمان يُخفي رغبته في المضي في تحولات تعاكس الموروث الاجتماعي، ويبدو وكأنه متصادم مع إرث ديني، ولهذا يقول في حديث بمنتدى مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض "لن نضيع 30 سنة من حياتنا بالتعامل مع أفكار مدمرة، سوف ندمرها اليوم وفورا، وسوف نقضي على التطرف".

قبل أكثر من 20 عاما كانت السعودية توجه لها أصابع الاتهام بأنها حاضنة للتطرف، وما زالت أحداث سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية، وضلوع سعوديين بها حاضرة في الأذهان، واليوم تطوي السعودية صفحة من تاريخ سماه ولي العهد "اختطاف الجماعات المتطرفة للإسلام".

نقطة البداية ومحاولة تأصيل فكرة التحولات في السعودية كانت في رؤية 2030، وعناوينها الأساسية؛ مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح، وحين طرحت التصورات، والمبادرات، والمشاريع، كثيرون اعتبروها قفزة في الهواء، لن تقوى السعودية على مقاربتها، وربما حين تسمع عن مشروع مثل مدينة نيوم، تتحدث الأرقام أن كلفتها تقارب 500 مليار دولار، قد ينظر له على أنه محض خيال لن يطبق.

نيوم مدينة صديقة للبيئة، خالية من السيارات، وانبعاثات الكربون، شواطئ مضيئة، و"ذا لاين" مدينة بخط مستقيم تزيد عن 170 كم، وقطارات فائقة السرعة، والأهم أنها خارج النظام القضائي السعودي، وقيل، ولا زال يُقال عنها الكثير الكثير.
 
هذه المدينة حين ترى الوجود ستهدد، وتنافس كل مدن البحر الأحمر، وكل المزارات السياحية، والتوجس من الاستيقاظ السعودي يرعب الكثير من دول الإقليم.

كان استقطاب نادي النصر السعودي للاعب الأكثر شهرة في التاريخ رونالدو بعقد خيالي يتجاوز 400 مليون يورو خلال موسمين رياضين محل تندر، والحديث الدائر اليوم أن نادي الهلال يفاوض ميسي لاستقطابه في صفقة مالية أعلى، وكل هذا لا يحدث بمعزل عن رؤية سعودية تريد أن تكون الوجهة الأولى التي تلفت الانتباه، وأنها تريد استخدام القوة الناعمة كالرياضة لغزو العالم، لتصبح أكثر حضورا على الخارطة العالمية، والكلام عن عرض لاستضافة مونديال كأس العالم عام 2030 بالتشارك مع مصر واليونان يصب في ذات الوجهة، والعنوان.

عند العودة إلى حديث ولي العهد السعودي لمجلة "أتلانتيك" تجد الكثير من الأفكار التي تمضي الآن حاضرة، فهو يشير إلى أن السعودية تغيرت عما كانت عليه قبل سبع سنوات، وان التطور الاجتماعي يسير بالاتجاه الصحيح، وأن بلاده من أسرع الدول نموا، وتملك أكبر 10 صناديق استثمارات في العالم، وأكثر من ذلك يقول بفصيح العبارة أن محمد بن عبد الوهاب ليس أكثر من داعية، وهو الذي كان لا يمس.

الخصوصية السعودية أكثر ما هو لافت في أحاديث محمد بن سلمان، فهو يرفض أن تكون التغييرات مفروضة، أو منسوخة، فالمملكة لا تريد أن تكون مثل دبي، أو أميركا، وإنما تسعى لتطوير نموذجها الخاص، ويسهب في الحديث عن فرادة المشاريع السعودية، فمدينة العلا موجودة فقط بالسعودية، ولا يوجد لها نموذج على الكوكب، ونفس الحال ذا لاين في نيوم، أو القدية المشروع الرياضي الترفيهي الأكبر في العالم.

تريد السعودية أن تستقطب 100 مليون سائح مع عام 2030، وتذلل كل العقبات أمام تدفق الناس إليها، فلا خطوط حمراء، ففي رأس السنة حشدت أهم نجوم الفن والغناء العرب في ليلة واحدة، وكل يوم مبادرة جديدة في مواسم الرياض، وحتى تزور السعودية يكفي أن تكون لديك تأشيرة للولايات المتحدة، أو "تشنجن" لتعبر بسلاسة ودون تعقيد.

المنتقدون يرون أن كل هذه التحولات الاقتصادية، والاجتماعية، والتخلي عن التشدد الديني لا يستند إلى دمقرطة البلاد، وولوجها إلى قيم تستند إلى ضمان الحقوق، والحريات، ولكن الحقيقة التي لا تغيب عن القيادة السعودية أن الغرب يقدم المصالح على المبادئ، ونهوض المملكة للمزاحمة، والمنافسة بتزامن من انكسارات ديموقراطية، ليس في العالم العربي وحده، وإنما الاهتزازات طالت أنظمة في الغرب طالما تغنت في معايير حقوق الإنسان، ولهذا فإن التحولات العالمية، ومنها الحرب في أوكرانيا، وتراجع العالم أحادي الأقطاب، وصعود الصين نموذجا لحالة جديدة، يمكن "المملكة السليمانية" إن جاز التعبير من المناورة، وبناء التحالفات لتكون لها موطأ قدم صلب على هذا الكوكب، وهي اللعبة التي بدأ يمسك مفاتيحها ولي العهد السعودي الطامح لإعادة إنتاج صورة جديدة لبلاده.