Picture from the 1960s shows the Egyptian writer Taha Hussein (1889-1976), one of the most important figures of modern Egyptian…
لماذا لم تجد صيحة طه حسين ـ رحمه الله ـ قبولا واسعا وفاعلا، تلك الصيحة التي تقول بضرورة تَمثّل مُجْمل التجربة الحداثية (تمثلها كمنظومة متكاملة)؛ بَدَلَ تقطيع أوصالها إلى "قِطَعِ غِيار"؟

أكبر مشكلة كانت ـ ولا تزال ـ تواجه العالم العربي منذ بداية وعيه بضرورة التغيير/ التحديث، هي تصوّره الاختزالي لمسار الانتقال على أنه مسار أحادي البُعْد، وفي الغالب مسار مادي/ آلي/ تقني، وشيء من تنظيم إداري محدود في حدود الإجراء العملي فيما هو مباشر وآني. ما يعني أنه ـ في العمق ـ يتصوّر إمكانية التقدم/ التحديث في مسار منعزل عن الشرط التنويري/ الحداثي الذي يستبطن ـ كضرورة وجود؛ لا كضرورة كمال فحسب ـ شرطَ العقلِ والحرية ابتداءً؛ في عالم التصوّرات الكلية/ عالم الأذهان؛ قبل عالم الوقائع/ عالم الأعيان.

هذا هو توصيف الواقع. لكن، لماذا اتخذ العرب هذا المسار على مستوى الإرادات الفاعلة، أو التي تلك تُحَاول أن تكون فاعلة؛ رغم أنها تنوّعت وتحوّلت في مدى زمني طويل يناهز قرنين، وامتدت ـ جغرافيا ـ على أهم مراكز التأثير والتحديث في العالم العربي؟ أقصد: لماذا لم تجد صيحة طه حسين ـ رحمه الله ـ قبولا واسعا وفاعلا، تلك الصيحة التي تقول بضرورة تَمثّل مُجْمل التجربة الحداثية (تمثلها كمنظومة متكاملة)؛ بَدَلَ تقطيع أوصالها إلى "قِطَعِ غِيار"، ومن ثم الاعتقاد بأن هذه "القِطَع" يمكن أن تعمل ـ وبكفاءة عالية! ـ كما كانت تعمل الماكينة الحداثية في موطنه الأصلي قبل تفكيكها، هذا التفكيك الذي سيبطل المنطق الآلي/ النظام الذي هو "جوهر المعنى" فيها كماكينة/ كنظام؟

وعلى نحو أوضح، وأشد تحديدا: لماذا تصوّر/ توهّم العرب إمكانية التقدم؛ دونما تمثّل للعقل (العقل هنا كصيرورة، وليس كمعطى ناجز ونهائي) الذي صنع ـ ويصنع ـ هذا التقدم الذي يتوقون إليه؟ كيف توهّموا إمكانية صناعة واقع حديث (هو بالضرورة حداثي)؛ دونما وضع مبدأ الحرية ـ كمبدأ مباطن للعقل (العقل كفاعلية) ـ مَبدأً أساسيا في قلب المشروع التحديثي، ذلك المشروع الذي كان أحلاما لواقع؛ كما كان واقعَ الأحلام التي لم تكن محاولات تحقيقها/ تعيينها في الواقع أكثر من دورة أخرى من دورات الأحلام!

بناء الإنسان وما يتعلق بالمعنى الإنساني في الإنسان، يحتاج لتراكم وَعْي أجيال، ويحتاج لاشتغال استراتيجي بعيد المدى، وأيضا، لاشتغال ذي طابع منظوماتي

إن الأسباب التي دفعت العرب ليسيروا ـ سادرين ـ وراء هذا الوهم "الاختزالي" للتجربة الحداثية (التي هي في "الأصل والفصل" تجربة غربية) كثيرة، ولكن أهمها ـ في تقديري ـ ما يلي:

1 ـ إرادة الانتقاء. فثمة إرادة واعية لهذا الاجتزاء، أي إرادة تتعمد "الانتقاء" بوصفه ضرورة لا محيد عنها في سياق عملية التحديث، كما هو الحال مع تجربة محمد علي في مصر، حيث كان التحديث يسير في اتجاه واحد، ونحو هدف واحد؛ مهما تعددت ـ في بعض الأحيان ـ مساراته الجانبية التي ينتظمها جميعا الهدف المقصود في نهاية المطاف. وهذا لا يعني أنها تجربة لم تكن تحمل في طياتها تحفيزا تنويريا لمسارات غير مقصود، بل وربما غير مرغوبة، بل على العكس، فرضت هذه المسارات نفسها في بعض الأحيان، وكانت إضاءاتها هي البقية الباقية بعد فشل التجربة، وتحطم مشاريع الحالمين.

طبعا، هذا الانتقاء يتم بدوافع متعددة، منها: أوهام الأصالة التي ترى في أي تراث آخر نوعا من غزو الذات. ولهذا، يعمد سدنة خطاب الأصالة إلى "فَلْتَرَة" كل طارئ/ كل جديد، سياستهم في هذا نَخْلُ كل ما هو آتٍ من خارج دائرة الأنا، بل وأحيانا، وبشيء من الاحتيال، يُعِيدون استنبات المعاني الجديدة (التي دخلت حَيّز الضرورة) في التراث؛ حتى لا يكون للآخر فضل فيها، وحتى يتوهم المتلقي من داخل دائرة الأنا أن تراثه يملك أفضل الإجابات على أهم المستجدات!

ومن الدوافع/ دوافع الانتقاء أن بعض الفاعلين يشعر أن ثمة جوانبَ في المنظومة الحداثية يمكن أن تتسبّب بضرر بالغ لمصالحه المرتبطة بموقعه الاجتماعي أو الاقتصادي أو المعرفي/ الاجتماعي. فيحاول في مثل هذه الحال التفاعل مع بعض أوجه الحداثة التي يتصوّر أنها مفيدة له، وينفي ـ أو يتجاهل ـ الأوجه الأخرى؛ متوهما أن التفاعل مع هذا الوجه كفيل بتحقيق الهدف التحديثي/ التقدمي؛ دون الاضطرار للتفاعل مع الوجه الآخر. وهذا ما نراه بشكل بالغ الوضوح في مسار الإسلاموية التي تعاطت مع الجوانب التقنية باهتمام كبير، بينما هي ـ في الوقت ذاته ـ تمتهن هجاء الآداب والفنون والفلسفات العامة والأنظمة والقوانين ذات المصدر الغربي.

2 ـ استعجال النتائج: النَّفس القصير. وهنا أذكر حوارا عابرا لي مع أحد المتطرفين، ورغم سذاجة وبساطة هذا الحوار إلا أن يختصر هذا دوافع هذا الأمر/ الاستعجال. قلت له: أنتم تريدون مواجهة الغرب، ولديكم استعداد تام للتضحية بأرواحكم للانتصار على الغرب، أو حتى للصمود أمامه، وحفظ الكرامة كما تقولون، فلماذا لا تكون هذه التضحية منظّمة على شكل منافسة في المجال التقدمي، أي بدل أن تتمزق أشلاؤكم في مواجهة حربية دامية، أفنوا أعماركم في "جهاد تحديثي/ تطويري". أجابني مباشرة: بناء حضارة متطورة تُنافِس وتتحدّى الغربَ ليس بالأمر الهيّن، إنه أمر يحتاج لخمسين أو ربما لسبعين سنة، بينما تحدّي الغرب عسكريا وضربه ضربات موجعة تُثْبت أننا صامدون له، بل وأنداد له، لا يحتاج إلا خوض بعض المعارك، وتوجيه بعض الضرابات الخاطفة، وفي بضع سنين نكون قد حققنا مُرَادنا!

إن المصانع، حتى الكبرى منها، يمكن أن تبنى في سنوات معدودة، وكذلك الطرق المبهرة، والموانئ والأسواق العالمية، والمطارات...إلخ المنجزات المتعلقة بالجانب المادي أحادي البعد، بينما بناء الإنسان وما يتعلق بالمعنى الإنساني في الإنسان، يحتاج لتراكم وَعْي أجيال، ويحتاج لاشتغال استراتيجي بعيد المدى، وأيضا، لاشتغال ذي طابع منظوماتي، أي لاشتغال تتضافر فيه جميع الأبعاد ـ في سياق تفاعلي تكاملي ـ لتحقيق المنجز التقدمي الشامل لما هو أبعد وأهم وأعمق من الجانب المادي في الإنسان.

3 ـ الاشتغال على الحلم أكثر من الاشتغال على الواقع، أو الاشتغال على حلم معزول عن معطيات الواقع. وذلك أن الاشتغال على الواقع كما هو، أي وفق معطيات الواقع؛ لا بد وأن يكشف ـ في مسار الاشتغال ـ عن الفراغات والفجوات التي تستوجب الضرورة التقدمية ملأها بما يناسب البُنية العامة للمنظومة الحداثية، وبالتالي، تطوّر المسار نفسه في إبّان تحقّقه؛ ليتحوّل ـ بالتدريج الذي تُمليه الضرورة ـ إلى تكامل منظوماتي يتجاوز انتقاء/ اجتزاء البدايات. بينما الاشتغال على الحلم يسير وفق الرغبات والأماني التي لا تجد ما يستوقفها لرؤية التنافر بين العناصر المنتقاة، سواء العناصر الحاضرة حقيقة بفعلها المباشر، أو تلك العناصر الحاضرة بغيابها، حيث يصبح هذا الغياب مشكلة بنيوية لا تتجلى/ لا تنكشف إلا من خلال تأزّم البُعْد الوظيفي، وقد لا يحدث هذا إلا بعد فوات الأوان.

ما لم يتحقق "التقدّم" في العالم العربي على صورة اشتغال وتحقق منظومة متكاملة تعكس حالة: انتصارٍ للعقل، وللحرية التي هي شرط العقل المُبَاطِن

4 ـ الجهل بالمسار التقدمي/ التحديثي/ الحداثي في موطنه الأصيل: الغرب. ففي الأسباب الثلاثة السابقة قد لا يكون الجهل واردا، أي أن الفاعل قد يكون عارفا بهذا المسار وضرورة تكامله ليتمكن من أداء دوره الإيجابي، ولكنه يتعمّد التجاهل، أو يتصوّر إمكانية التحوير الذاتي، وتوليف حالة خاصة على نحو إبداعي، إبداع تدفع إليه ضرورات تلك الأسباب المذكورة آنفا. فالحاجة ـ كما يقال! ـ أم الاختراع. أما هذا السبب الرابع، فهو جهل متحقق، يتوهم فيه الفاعل أن نهضة الغرب المبهرة لا علاقة لها بالفلسفة والآداب والفنون وعلوم الاجتماع...إلخ العلوم الإنسانية أو شبه الإنسانية، وأن هذه النهضة من أولها إلى آخرها إنما أنْجِزَت في المعامل والمختبرات، هكذا، بطفرة رُؤْيوَية، وبطفرة فِعلية؛ دونما مقدمات أو مُحفزّات؛ ودون أن تكون مشروطة بتطور العقل ذاته، وبتطور شرط الحرية المُبَاطِن له على مدى قرون.

طبعا، هذا السبب الرابع (الجهل) هو ـ في أصله ومنتهاه ـ جهل بماهية الإنسان، جهل ناتج عن وَهْمِ إمكانية تفكيك الإنسان، ومن ثم الاشتغال على الأجزاء الإنسانية المتناثرة حسب الظروف، أو ناتج عن تصور جزئي اختزالي للإنسان. إنه تصور قاصر يفصل الإرادة الحرة عن العقل، كما يفصل العقل عن المعطيات الواقعية التي تتفاعل ـ على مستوى تركيبي مُعقّد ـ مع الأبعاد الغرائزية للإنسان في سياق دورة الحياة الناجزة/ المتحققة، أو المأمولة/ المتوقعة. وباختصار هو جهل، لا بكون الإنسان كائن متعدد الأبعاد، ولا بكون علاقة هذه الأبعاد ببعضها علاقة مركبة فحسب، وإنما أيضا بكون علاقة الإنسان بالحياة ذاتها، وبكل تجلياتها ـ من خلال هذه الأبعاد في حال تفاعلها وتركيبها ـ، علاقة مُركّبة ومتعددة الأبعاد في آن.

أخيرا، ما لم يتحقق "التقدّم" في العالم العربي على صورة اشتغال وتحقق منظومة متكاملة تعكس حالة: انتصارٍ للعقل، وللحرية التي هي شرط العقل المُبَاطِن، بكل ما يستلزمه ذلك من تضاؤل وتراجع حالة: اللاّعقل واللاّحرية...إلخ مسارات تحقق الخرافات وذيولها، فسيستمر تساؤل العرب عن سر فشل المحاولات المستمرة منذ محاولة محمد علي عام 1826م تاريخ أول بعثة، وإلى يومنا الراهن.

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.