Iraqi security forces intervene as demonstrators, supporters of the pro-Iranian Hashed al Shaabi,  burn down the Kurdish…
مناصرون للحشد الشعبي يحرقون الحزب الديمقراطي الكردستاني في بغداد

لا أحد في العراق يختلف على توصيف حالة التردي والفوضى التي نعيشها، وأعتقد أنها النقطة الوحيدة التي تتفق فيها أحاديث رجالات السياسية مع المواطن. لكن عندما نسأل عن الحلول لا نجد إجابات واضحة من قبل المسؤولين وإنما حلولا يمكن أن وصفها بمحاولة الهروب إلى الإمام.

وتشعر وأنت تستمتع لأحاديث الحكومة والوزراء المعنيين بإدارة البلد، بأنهم يتحدثون عن وضع كارثي ومأساوي يعيشه العراق، وأن الأيام القادمة لا تبشر بخير وأننا نسير باتجاه المجهول. لكن المفارقة أن هذا الحديث يصدر عن مسؤول تنفيذي أعلى وليس من محلل اقتصادي أو سياسي، ويتحدث هذا المسؤول بطريقة مسترخية جدا تعطيك انطباعا بأنه لا يملك الحلول وغير قادر على عمل أي شيء.

لا أعرف توصيفا دقيقا لهذه الظاهرة، غير أننا يمكن أن نصفها بعمى السلطة، وهذه الحالة في العراق لم تعد لا شعوريا يصاب بها من هم في الحكومة والسياسيين، وإنما باتوا يتمسكون بها عن سابق عمد وإصرار. وإلا بماذا يمكن أن تفسر ورقة الإصلاح البيضاء الذي قدمها وزير المالية الدكتور علي عبد الأمير علاوي، وهو الخبير الاقتصادي وصاحب الشهادات من أرقى الجامعة والمشاركة الفاعلة في مؤسسات اقتصادية دولية، كما تشير إلى ذلك سيرته الذاتية، ورغم ذلك يقدم ورقة إصلاحية الرهان فيها على عامل الزمن، وهو العامل الرئيس الذي تفتقده حكومة الكاظمي!

يعشق السياسيون العراقيون الثنائيات المتعارضة ويعجبهم العيش في الحالة ونقيضها، فهم بيدهم السلطة والحكم ولكن المعارضة حاضرة في تفكيرهم وخطابهم وسلوكهم السياسي

إذ حتى المبتدئ في ألف باء السياسة يعرف جيدا، أن أوراق المشاريع الإصلاحية السياسية والاقتصادية إذا لم تكن ناتجة عن إرادة سياسية حقيقة لتجاوز أزمة النظام السياسي، فهي محاولة للهروب إلى الأمام، حتى ولو افترضنا صدورها عن نية حسنة، وهذا فرض المحال. فقواعد اللعبة بين الزعامات السياسية والحكومة في دولة لا يحكمها الدستور ولا الأعراف المؤسساتية، تكون فيها مشاريع أو أوراق الإصلاح مضيعة للوقت ومحاولة لامتصاص غضب الشارع وتنفيس على الأزمات.

وفي حسابات رجالات الدولة في إدارة الأزمات لا يكون الرهان على عامل الزمن، فهو دائما ما يكون رهان خاسر، ولا يراهن عليه إلا المغامرون. وبما أننا نفتقد إلى رجال دولة في العراق، نجد دائما خيارات سياسيينا لمواجهة الأزمات هو الهروب نحو المستقبل، ونقد الماضي، أما الحلول الآنية والمبادرات العاجلة فهي غالبا ما تكون تقليدية أو تبقى حبرا على ورق.

ويعشق السياسيون العراقيون الثنائيات المتعارضة ويعجبهم العيش في الحالة ونقيضها، فهم بيدهم السلطة والحكم ولكن المعارضة حاضرة في تفكيرهم وخطابهم وسلوكهم السياسي؛ بيدهم الدولة ومؤسساتها لكنهم يعملون على تنمية كل الأذرع والمافيات والسلوكيات التي تهدم الدولة؛ يريدون أن يكونوا حماة المذهب والطائفة والقومية وبالوقت ذاته يدعون أن همهم الأول هو بناء الوطن وحمايته من التقسيم؛ يدعون بأنهم أحرار في اتخاذ القرارات والمواقف التي تحدد مصير البلد، لكنهم لا يجتمعون ولا يتفقون لحسم المواضيع الحساسة إلا برعاية الأجنبي. ولا يمكن أن تستثني أحدا من الطبقة السياسية من حالة التناقض هذه فالشيعة والسنة والكرد جميعها تستهوي لعبة الدولة ونقيضها.

هذه محنة حقيقية في التفكير السائد في عالمنا السياسي المزري، ويبدو أن عدوى العيش في الحالة ونقيضها انتقلت إلى الحكومة، إذ لا يقل عن ذلك سوءا رؤية الحكومة للعنف الذي يهدد جميع مفاصل حياتنا اليومية، فهم يرون فيه، في أحسن الأحوال، على أنه مثالب تقنية في النظام الأمني، وهذه المثالب يمكن أن تحل بالتوافقات والصفقات مع قوى اللادولة.

بعد أن كنا نتطلع إلى يوم تتم فيه مغادرة مثلث الفقر والبطالة والموت المجاني، فإن القادمات تنذر بعجز بتأمين معاشات المواطنين ومعارك انتخابية يتم التهيئة لها باستحضار خطابات التخوين وسجالات طائفية وقومية

وصحيح جدا أن الأمن قضية سياسية بالأساس، فهو يتعلق بشرعية الدولة في نظر المجتمع، وهو معيار رئيس لقوة أو هشاشة النظام السياسي، ولذلك يمكن أن يكون فرض الأمن هو أساس الإجماع الوطني وهو مفتاح أبواب إعادة الثقة بين المجتمع والدولة. ولكن عندما يكون قضية تخضع للمساومات والصفقات السياسية من أجل البقاء في الحكم فبالتأكيد ستكون الحكومة قد ضيعت الفرصة لفرض هيبة الدولة، وبهذا تكشف الحكومة والقوى السياسية عن رثاثة التفكير بالدولة وإدارتها وعلاقتها مع المجتمع.

ويبدو أن العدم نطق في العراق مجددا لأننا في مرحلة إفلاس الشعارات والعناوين التي كانت توهمنا بأنها تملك حلول لأزمات العراق. وبالتأكيد ستفقد الحكومة ثقة مواطنيها عندما تبقى تتذرع بوجود اختلالات مزمنة، وتفتقد القدرة على الحد من استمرارها أو مواجهة مستجداتها، وتوحي خطاباتها بأنها متفاجئة من حالة التدهور والفوضى وكأنما هي ليست من ضمن المنظومة السياسية التي كانت ولا تزال السبب الرئيس في تنمية الفشل والفساد في جميع مفاصل الحياة العامة وليس مفاصل الدولة فقط.

وما دامت الدولة العراقية أسيرة الانقسام والتشرذم والضعف والاختراق والفساد فلا إصلاح حقيقي إلا عندما تكون بدايته استعادة الدولة وفرض هيبتها. لذلك سيبقى العراقيون محكومون بجدلية محصورة ما بين تضخم العنف والخوف من المستقبل المجهول، يقابله ضمور بالآمل بالإصلاح والتغيير. وبعد أن كنا نتطلع إلى يوم تتم فيه مغادرة مثلث الفقر والبطالة والموت المجاني، فإن القادمات تنذر بعجز بتأمين معاشات المواطنين ومعارك انتخابية يتم التهيئة لها باستحضار خطابات التخوين وسجالات طائفية وقومية بات يغلفها السياسيون بعناوين مقدسة.

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.