Abd Hay Yousif
عبد الحي يوسف أحد أبرز رموز تيار الإسلام السياسي في السودان | Source: Twitter

تزوِّد الأيدولوجيا معتنقيها بقناع يحجب رؤية الواقع كما هو، ويجعلهم هائمين في ملكوت من صنع الخيال، ويستخدم الخطاب الأيديولوجي أدوات عديدة لتزييف الواقع وإحلال الصور البديلة المتخيلة والمرغوب فيها، وتمثل اللغة إحدى الأدوات التي يشتغل عليها ذلك الخطاب لتحقيق أهدافه وذلك لما تمتلكه من خصائص تسمح بالتمويه والتعميم والتوظيف وغير ذلك.

في مقابلة خاصة مع موقع "الجزيرة نت" سُئل رجل الدين وأحد أبرز رموز تيار الإسلام السياسي في السودان، عبد الحي يوسف، السؤال التالي: متى أصبحت تؤمن بصندوق الانتخابات؟ فأجاب بالآتي: "ليس الآن، أنا أؤمن بأن الإسلام لا يعترف بحكم يأتي عن طريق القهر والقوة، والخلفاء الراشدون رضوان الله عليهم كلهم جاؤوا عن شورى، الحكم عبارة عن عقد اجتماعي قائم على الرضا والاختيار مثل غيره من العقود، بموجبه يكون الحاكم خادما للرعية، له حقوق وعليه واجبات، كما للرعية حقوق وواجبات تجاه الحاكم، ليست لدينا نظرية تفويض إلهي، الرضا والاختيار في زماننا هذا يمثله صندوق الاقتراع، ولهذا أنا سعيد بما يحدث في تونس من تداول سلمي للسلطة".

الإجابة أعلاه تحتوي على الكثير من التمويه، فعلى سبيل المثال قوله إن "الإسلام لا يعترف بحكم يأتي عن طريق القهر والقوة"، يجافي حقائق التاريخ التي يعلمها كل شخص، فتاريخ الخلافة الإسلامية هو تاريخ الاستبداد والملك العضود والدماء والدموع، حيث أن الخلافة، شأنها شأن أنظمة الحكم في العصور الوسطى، لم تعرف أساليب للتداول على الحكم سوى أسلوبي الغلبة والتوريث حتى إلغائها في عام 1924.

درس التاريخ يعلمنا أن خلافة الراشدين نفسها لم تنتقل بالشورى السلمية التي يتحدث عنها وهو الأمر الذي تشهد عليه دماء المسلمين التي سالت بغزارة في الجمل وصفين والنهروان!

إجابة عبد الحي أيضا تتضمن صورة غير واقعية متخيلة ومرغوب فيها، حيث أن الإشارة لكلمة "الإسلام" بالعموم توحي بأن هناك تصورا مثاليا مجردا للحكم الإسلامي الصحيح لم يتم تطبيقه بعد، وهو مثال لا يعترف بحكم يأتي عن طريق القهر والقوة، وهذا ضرب من التزييف لأنه أيضا يتعارض مع حقائق التاريخ.

إن أحد أوجه التزييف التاريخي في إجابة عبد الحي يتمثل في قوله "الخلفاء الراشدون رضوان الله عليهم كلهم جاؤوا عن شورى"، ذلك لأن درس التاريخ يعلمنا أن خلافة الراشدين نفسها لم تنتقل بالشورى السلمية التي يتحدث عنها وهو الأمر الذي تشهد عليه دماء المسلمين التي سالت بغزارة في الجمل وصفين والنهروان!

ومن ناحية أخرى، فإن عجز تجربة القرون الطويلة لأنظمة الحكم الإسلامي عن إنزال التصور المثالي الذي يتحدث عنه عبد الحي لواقع التطبيق العملي سوى بضع سنوات، هي فترة الرسول الكريم، من مجموع أكثر من 1400 عام يعني استحالة إنزاله مرة أخرى، وأن التجربة الصحيحة نفسها تجربة فذة وغير قابلة للتكرار.

أما التناقض الأكبر في إجابة عبد الحي يوسف فيتمثل في أن الرجل نفسه ظل يؤيد حكم الإخوان المسلمين في السودان لثلاثين عاما حتى سقط بثورة شعبية كاسحة، كما أنه كان يستمتع بالأموال التي يمُن بها عليه النظام الاستبدادي الفاسد لتشغيل استثماراته في مجالات الإعلام وغيره، مع أنه يعلم علم اليقين أن ذلك النظام لم يصل للحكم عبر صناديق الاقتراع بل عن طريق الانقلاب العسكري "القهر والقوة"!

في ذات الحوار سئل عبد الحي يوسف السؤال التالي: "لماذا أنت مهتم بالنموذج التونسي؟" فأجاب بالقول: "النموذج التونسي يستحق الإشادة والاحتفاء، وآمل أن تنسحب التجربة ذاتها على كل شعوبنا سلما وأمانا وتداولا سلميا لسلطة يحتكم الناس فيه للشعب لا البندقية والمؤامرات، ولم تجنِ بلادنا من الانقلابات سوى المر والعلقم".

يبدو جليا في الإجابة أعلاه التمويه الذي يهدف لإبراز التداول السلمي للسلطة كعملية مستقلة عن نظام الحكم الديمقراطي، في حين أنه يستحيل تداول السلطة سلميا دون اكتمال حلقات ذلك النظام المتمثلة في وجود دستور مدني ينص على أن الشعب هو مصدر السلطة ويكفل جميع الحريات والمساواة بين أفراد الشعب، وتنبني فيه الحقوق الواجبات على أساس المواطنة وليس الدين أو العرق أو النوع أو المكانة الاجتماعية أو غير ذلك.

النظام الديمقراطي هو التجسيد الأمثل "للدولة الوطنية" التي تم تدشينها في عام 1648م بموجب اتفاق ويستفاليا، والتي ولدت على أنقاض الدولة الدينية التي ـ كما يقول محمد جلال هاشم ـ كانت تحكم وقتها بادعاء التفويض الإلهي وتفرق بين الناس بحكم طبقاتهم الاجتماعية "النبلاء مقابل العبيد والأقنان".

التناقض الأكبر في إجابة عبد الحي يوسف فيتمثل في أن الرجل نفسه ظل يؤيد حكم الإخوان المسلمين في السودان لثلاثين عاما حتى سقط بثورة شعبية كاسحة

لا يختلف اثنان ولا تنتطح عنزان في أن أتباع الإسلام السياسي، ومن بينهم عبد الحي يوسف، لا يؤمنون بالأسس التي يقوم عليها بنيان النظام الديمقراطي والدولة المدنية، فعلى سبيل المثال ينص الدستور التونسي في مادته السادسة على أن الدولة :كافلة لحرية المعتقد والضمير وممارسة الشعائر الدينية"، فهل يوافق عبد الحي على مثل هذا النص الذي يسمح للشخص المسلم أن يترك الاسلام دون أن تطاله عقوبة الردة؟

كذلك ينص الدستور التونسي في فصله الثالث على أن "الشعب هو صاحب السيادة ومصدر السلطات"، وهذا نص يتعارض بشكل أساسي مع أطروحة تيار الإسلام السياسي حول موضوع السيادة، حيث تمثل قضية "الحاكمية" مسألة عقيدة دينية بالنسبة لذلك التيار، وبالتالي تخلق التعارض المبدئي مع الديمقراطية التي تقضي بسيادة الشعب.

تعمد عبد الحي يوسف التعميم والتمويه في إجابته حول النموذج التونسي وأبدى إعجابا زائفا بموضوع التداول السلمي للسلطة وهو يدرك يقينا أن ذلك النموذج يتعارض في الصميم مع ما ينادي به تيار الاسلام السياسي الذي يمثله.

يمثل التداول السلمي للسلطة (صندوق الاقتراع) الحلقة الأخيرة من حلقات النظام الديمقراطي الذي ينشأ في دولة المواطنة التي يتساوى فيها أفراد الشعب دون تمييز ديني، وحتى يبلغ تيار الإسلام السياسي مرحلة الاقتراع فإنه يتوجب عليه تصحيح العديد من المبادئ والأفكار والمفاهيم التي تتعارض جذريا مع قيم الدولة الوطنية الحديثة.

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.