Anti-government demonstrators take pictures of a metal sculpture spelling out the word "revolution" topped by flames during a…
لبنانيون يحيون ذكرى ثورتهم

لولا "ثورة 17 تشرين" لصحّ القول بأن لبنان فشل عند مئويته. مئة عام من الوعد بأن يكون لبنان "وطنا لمواطنيه"، لا إسرائيل المسيحيين، ولا صيغة مرحلية بانتظار استيقاظ المارد القومي، مهما كانت صفته وهويته. مئة عام قلّ أن يلتزم أي طرف لبناني طوالها بمضمون الوعد ومقتضاه، وإن أتخمه تأييدا في زجلياته. مئة عام من الجدلية بين إقطاعية متجددة متسلحة بأدوات عريقة من التعبئة الفئوية على أشكالها، الطائفية في مقدمتها، وبين مجتمع استوعب بما يقارب الفطرة أن الوعد، والذي يخرج لبنان من كثرة الدول المرغوب عنها ويدخله في قلة المرغوب بها، يشترط اصطفافا "أفقيا" يحوّل الأنظار والاهتمام والترابط من المواطن باتجاه غيره من المواطنين، وينتهي من الانتظام "العمودي" الذي يجعل من الزعيم، عند قمة العمود، محط النظر ومرتجى النعمة ومخشى النقمة.

مئة عام من المحاولات الغافلة والواعية لخفض النظر بما يرفع الرأس، بعضها بأسماء أحزاب علمانية، في هواها جهارا وفي سلوكها ارتباكا، كلها كانت متلكئة قبل أن تمسي طلقات وحسب في زناد نقيضها. مئة عام من شذرات زعامات صادقة صارحت الملأ بأن العدل والحق يفرضان عليها القول والفعل بما يخالف مصلحتها، قبل أن تعود هذه المصلحة لتحكم الأقوال والأفعال، والنوايا، من باب اللحاق بالركب الجارف.

مئة عام من الاحتلالات، كلّ واحد منها جاء استدعاؤه نكاية وحماية، قبل أن يثقل حمله ليمسي الداء بعد أن كان الدواء.

ليست ثورة 17 تشرين حدثا عابرا، وإن أغرقها الإعلام الخصم بكل ما أوتي من تحليلات طاعنة

دخل لبنان عام مئويته، في سبتمبر العام الماضي، وهو يكاد أن يسلّم بأن ذكاء الاحتلال الأخير، عميق النفس وجميل الصبر، قد مكّنه من إحكام القبضة على الطبقة السياسية، الإقطاعية في أصولها، نسبا وانتسابا، والنهّابة في سلوكها. بل قد ضيّق خناقه من خلال هذ الطبقة على الوطن بأمسه ويومه وغده. "غطّوا سلاحنا نغطّي فسادكم". هذا وذاك، كل على حدة، قد حكم على لبنان بالفناء. سلاح يتراكم واستكبار يفيض وأوهام قوة غيبية، مآلها المحتوم الحرب والموت والدمار. وفساد يستولي على أموال المقيم والمهاجر، ويستنزف دماء أجيال لم تلد، نهايته الموصوفة الانهيار والعوز والإفلاس.

ثم كانت الثورة. قامت وارتفعت وهمدت على وقع أصعب عام من تاريخ لبنان.

لخصومها من المراجع العلمية والمعيارية، على ما يبدو، ما يكفيهم لأن يرفضوا التصنيف. هي ليست مكتملة كافة الأسس والمقومات لتستحق التسمية. كل من هؤلاء يحمل أطروحة تسرد المراحل وتفصّل المفاهيم. يأتي إلى الخاطر هنا التنظير الذي تشدّق به أحد نزلاء "نزل السرور"، المسرحية التي كادت أن تكون إرهاصا للحروب اللبنانية التي تلتها في الربع الأخير من القرن الماضي، معترضا على ارتجالية الثورة في زمنه، ليدرج سلسلة متاولية من العناصر الواجبة الغائبة، جديرة بألا تبقى في الذاكرة، ولا تخلّف وراءها إلا شكل المعطوفات المتتابعة بحرف الفاء، إذ يصبح هذا الحرف لازمة من يستمع إليه. فـَ ... فـَ ... فَـ ...

نعم، "ثورة تشرين" لم تنتج إلى اليوم قيادة، والتشكيلات العديدة التي ولدت من رحمها غالبها تمسّك بالتقاليد اللبنانية العريقة من التشظي والتناطح والتآكل.

ثم شاء القدر الأعمى أن يرجمها بوابل من المصائب، ليس أقلها الجائحة والضائقة الاقتصادية العالمية، ثم الانفجار الكبير، والذي ضرب البيروتيين بملاذيهما الآمنين. بيوتهم، والتي كشفها واعتدى على خصوصيتها وحطّم فيها ما جمعه أصحابها على مدى العمر من أغراض، ثمينة في أرواحها قبل أجسادها. ومطاعمهم وحاناتهم في هذه الأحياء القليلة الجميلة من المدينة الغارقة بالنفايات المادية والمعنوية، والتي كان ارتيادها ينسيهم أنهم يعيشون في جحيم وطن وجحيم جوار وجحيم عالم.

ولكن الثورة أفاقت اللبنانيين، بعضهم، جلّهم، كلّهم، إلى أن الطغمة الحاكمة ليست حتما ولا حتفا، بل هي أشكال منفوخة قابلة جميعا لأن تنفّس، تُنزل من قصورها وتُخرج من مخابئها، وتعود إلى مصاف البشر المائتين.

نقيض شعار "كلّن يعني كلّن" هو في هذا التنويه الذي يفضّ الشعار، كما في البلاغة المضمرة التي يجسّدها شعار "شيعة، شيعة، شيعة"

المواجهة في لبنان ليست بين تآلف القوة القاهرة ومنظومة النهب الممنهج، إزاء المجتمع التوّاق إلى بناء دولة الوطن لمواطنيه. ليتها كانت كذلك. بل المواجهة هي بين هذه الطغمة الحاكمة، سرّا وجهارا، ومعها أوساط عديدة، مستفيدة طمعا وجشعا أو مستجيرة خوفا وهلعا، إزاء أضغاث رؤيا، جميلة دون شك، ولكنها لا توحي بالاستقرار والاطمئنان، فيما من ينادي بها يتقلب بين نور الملائكية وظلال الريبة.

قلّة هم اللبنانيون الذين لا يريدون لوطنهم أن يرتقي من رداءة الزبائنية وإذلال التبعية إلى الصيغة التي تشرّف الفرد والجماعة. على أن الانتقال من الإجمال إلى التفصيل يكشف الخلاف. ذلك أن الإدانة والتي تشمل الجميع، بإجماع الجميع، هي دوما أقل حدة لكل منهم في حالته الخاصة. أي أن الزعماء كلهم فاسدون، على أن فساد زعماء الآخرين هو في الأصل الخبيث والجوهر الخسيس، أما فساد زعيمي، الطيّب السمح، فمن باب الاضطرار والإكراه. والتبعية لكل دول الخارج مرفوضة، على أن ولاء زعماء الآخرين لدول الشر خيانة مفضوحة ونشوز جلي، فيما اصطفاف زعيمي مع قوة الخير خارج الحدود فلتحقيق التوازن وحسب.

نقيض شعار "كلّن يعني كلّن" هو في هذا التنويه الذي يفضّ الشعار، كما في البلاغة المضمرة التي يجسّدها شعار "شيعة، شيعة، شيعة". هنا كلمة واحدة، مكررة بعض الشيء، تقول إذ تبسط: أنتم كذّابون، بل هدفكم هو إسقاط "حزب الله" والعودة بالشيعة إلى موقع الضعف بعد أن بلغوا العزة والقوة رغم أنفكم، واعتراضكم ليس على الانتظام العمودي، بل تزعمون التواصل الأفقي لإضعافنا وإخضاعنا. ليس هناك من "كلّن" في موقع الحكم، بل ثمة رجل واحد آمر ناهٍ هو سماحة السيد، وشعاركم يستهدفه. ولكن خسئتم. وجوابنا الحاسم الجاسم على صدوركم هو إننا كلنا معه وله "شيعة، شيعة، شيعة"، وأمامكم إما الصغور والخضوع، أو البواخر الجاهزة لتحميلكم.

ذمية تيار صهر الرئيس قد تمنعه من أن يصدح بالمقابل. أقصى ما تجرؤ عليه هوامش بيئته هو عبارة "فيقوا يا مسيحية" المكتوبة على عجلة على بعض الجدران في دعوة خجولة إلى تقسيم مبطّن.

كان ليكون من الرائع القول بأن شعار "كلّن يعني كلّن"، في الواقع، هو بالفعل نقيض "شيعة، شيعة، شيعة"، كما هو في قصده الأول وغايته. على أن صفوف الثورة ملوّثة بالفعل بمن يتفّق مع مضمون "شيعة، شيعة، شيعة" وإن رغب باستبدال مفرداته بأخرى.

هي الثورة المضادة، لا بفعل التآمر ومحاولات الاختراق وحسب، على كثرتها، بل لحاجة مستمرة إلى مساءلات ومراجعات ونقد ذاتي لا يزال خارج المتداول الفكري، في لبنان كما في محيطه العربي.

عام على الثورة، والسبيل متاح للشروع بالنقد الذاتي والذي من شأنه أن يظهر التأطير ويحقّق اتساع الرؤيا والعبارة ليرسم معالم الوطن العتيد

لا بد من الإقرار والاعتراف للطغمة الحاكمة بأنها، بعد وهلة المفاجأة إذ جاءتها الثورة من حيث لا تحتسب، قد أعادت الإمساك بزمام المبادرة وكسب جولة، وربما جولات. بل ما أوقح هذه الطبقة السياسية المتمكنة بفعل السلاح، على وفرته، والمال، على شحته، إذ تصرّ على العودة بالرمز الوحيد من صفّها والذي كانت استقالته بارقة أمل للثورة بأنها قادرة على التحقيق. حين قدّم سعد الحريري استقالته من رئاسة الحكومة بعد أسابيع من اندلاع الثورة قبل زهاء عام، فعلها زاعما أنها استجابة لمطلب يتماهى هو معه. هو اليوم يعود، ولا عقبة أمامه إلا ما اعتاده وصحبه من مناكفات ومحاصصات.

على أن الجولة الأولى أو الجولات الأولى ليست المعركة. وإذا كان ثمة تفاوت بين قوة الطغمة وضعف الثورة في الجولات الأولى، فإن الواقع الموضوعي يشير إلى انعدام تكافؤ بالاتجاه الآخر، بين كثرة قادرة أن تعي مصلحتها وقلة تريد فرض هيمنها بالقهر والإكراه.

ليست ثورة 17 تشرين حدثا عابرا، وإن أغرقها الإعلام الخصم بكل ما أوتي من تحليلات طاعنة. بل هي إشهار للحقيقة المتواصلة بأن ما قام عليه لبنان، وإن نظريا، من رؤية حداثية متجاوزة للموروث الفئوي، يبقى الأقرب إلى المصلحة الموضوعية والبنية الذهنية للمواطن اللبناني، وإن دون قيادة وإن دون تنظيم، وإن بضخ متواصل من الإفساد وباشتعال ذاتي من الفساد.

عام على الثورة، والسبيل متاح للشروع بالنقد الذاتي والذي من شأنه أن يظهر التأطير ويحقّق اتساع الرؤيا والعبارة ليرسم معالم الوطن العتيد.

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.