Egyptian protesters shout slogans as they take part in a protest calling for the removal of President Abdel Fattah al-Sisi in…
تظاهرات في مصر تطالب برحيل السيسي في سبتمبر 2019

نتيجة خوفها من وصول رياح التغيير إلى منطقتها، عمدت الديكتاتوريات والقوى التقليدية التي تتحكّم بالمجتمعات العربية إلى أسلوب مبتكر لاقى الكثير من النجاح وهو تغيير أو تشويه معنى المصطلحات، فبدل أن تعني عبارة "الشرق الأوسط الجديد" رفض القديم والسعي المشروع لحياة أفضل، جعلوها مؤامرة أميركية تهدف إلى تدمير دول المنطقة تم التخطيط لها في الأروقة المظلمة للمحافل الإمبريالية والصهيونية، واعتبرت أن مطالب الشعوب العربية بالحرية والديمقراطية هي إحدى أدوات هذه المؤامرة.

وتحدثت هذه الديكتاتوريات عن تقسيم الدول العربية على أسس عرقية أو طائفية ضمن هذه الخطة بدل الاعتراف بحقيقة أن التنظيمات المتطرفة السنيّة هي التي كفّرت وأباحت قتل كل الطوائف والديانات المختلفة معها، وبالحقيقة الطائفية للمشروع الإيراني الذي يبحث عن ثارات وهمية أتى بها من غياهب التاريخ وبذريعتها يقوم اليوم بعمليات تطهير طائفي، وكذلك بالتركيبة الطائفية للنظام السوري وما قام بتنفيذه من جرائم، أي أن الأطراف نفسها التي قادت إلى هذا الانقسام المجتمعي تلقي مسؤولية حدوثه على مؤامرة خارجية مزعومة.

كما ربطت هذه الديكتاتوريات والقوى السياسية التقليدية من إسلامية وقومية ويسارية بين مصطلح الشرق الأوسط الجديد وعبارة "الفوضى الخلاقة" التي استخدمتها وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كوندوليزا رايس بشكل عابر، وتوقّعت فيها أن عملية التحول نحو الديمقراطية في هذه المنطقة قد ترافقها فترات من عدم الاستقرار وحتى الفوضى، نتيجة هيمنة الولاءات الطائفية والقبلية على الهوية الوطنية في هذه المجتمعات، ولكنها وصفت هذه الفوضى بالخلاقة لأنها ستؤدي في النهاية إلى تحقيق عملية التحول السياسي والمجتمعي التي تفتح أبوابا للازدهار مما سيسمح بانضمام هذه المنطقة أخيرا إلى بقية العالم

الشرق الأوسط القديم البائس قد انتهى مهما حاولت بعض الأطراف العربية إحياءه

وحققت عملية تغيير معنى المصطلحات نجاحا لافتا، فعند البحث في المراجع العربية عن عبارة "الفوضى الخلاقة" سنجد آلاف المقالات والدراسات والمقابلات التلفزيونية التي تتفق جميعها على أنها فعل متعمّد من قبل الولايات المتحدة أو غيرها من القوى الكبرى، يهدف إلى صنع فوضى في إحدى البلدان لأسباب تخدم القوى الخارجية على حساب مصلحة شعب هذا البلد، وبعضهم جعل منها "استراتيجية" أو "نظرية" دون وجود دراسات أو مراجع في اللغة الإنكليزية تتماشى مع معنى هذه العبارة المزعوم في اللغة العربية لأنها ليست أكثر من كذبة رائجة جدا فقط عند العرب، وساعد على رواجها ولع الأوساط الثقافية والفكرية والإعلامية العربية المزمن بنظرية المؤامرة.

وكانت القوى التقليدية العربية قد نجحت في منع عملية التحول الديمقراطي من الوصول إلى المنطقة العربية في ثمانينيات القرن الماضي، رغم أن الكثير من دول العالم وقتها نجحت في التحول إلى النظام الديمقراطي من إندونيسيا والفيليبين في آسيا إلى شرق أوروبا حتى أميركا الجنوبية والوسطى، وصحيح أن هناك بضعة أنظمة ديكتاتورية في العالم لم تصلها تلك الموجة مثل كوريا الشمالية أو فنزويلا وكوبا ولكنها كانت مجرد جزر معزولة في محيط من الأنظمة القريبة من الديمقراطية، بينما حافظ الشرق الأوسط بالكامل على أنظمة حكمه الفردية وما نتج عنه من فشل اقتصادي وانعدام التخطيط المستقبلي والتخلف الاجتماعي كان من مظاهرة زيادة هيمنة رجال الدين على الحياة الاجتماعية والثقافية، مما جعل الشرق الأوسط القديم تربة مثالية لخطاب الكراهية والتطرف والإرهاب.

السلام مع إسرائيل هو أحد أهم ملامح الشرق الأوسط الجديد لأنه يغلق أهم مصدر لمعزوفات الكراهية التي اقتات عليها المتطرفون طوال العقود الماضية ويوقف هدر الأموال على حروب لا نهاية لها، ويتيح إمكانيات للتعاون والتكامل الاقتصادي والعلمي بين دول المنطقة مما قد يمكّنها من اللحاق بالعصر، والشعوب العربية أصبحت اليوم أكثر تقبلا لفكرة السلام من أي وقت مضى، وهذه حقيقة لم يعد من الممكن تجاهلها خصوصا عند من يعرف كيف كان المزاج الشعبي العربي قبل بضعة سنوات فقط.

ولكن السلام مع إسرائيل لوحده لا يكفي، فلا بد أن يترافق مع تغييرات عديدة، فحتى تكون أي دولة جزءا من الاقتصاد العالمي، يجب أن يكون هامش الديمقراطية عندها مقبولا، مع وجود قنوات قانونية لمراقبة وانتقاد السلطة التنفيذية وملاحقة وكشف فسادها في حال وجوده، وكذلك صحافة محترفة بأقل ما يمكن من الخطوط الحمراء، وقضاء مستقل يحترم نفسه ولا يأخذ تعليماته من الحكام، لأنه بدون منظومة متكاملة مثل هذه لا يمكن معالجة الفساد بشكل جذري، والوضع الاقتصادي العربي لم يعد يحتمل المزيد من الهدر ونزيف الثروات، كما أن المشاريع الاقتصادية الكبيرة تتطلب مشاركة رؤوس أموال أجنبية وهذه المشاركة تشترط توفر بيئة آمنة تسمح لها بالمغامرة بالاستثمار والتي تختصر بعبارة دولة القانون.

كذلك ليس بالإمكان تجاهل الأبعاد الاجتماعية للشرق الأوسط الجديد والذي يتضمن حرية الرأي والعقيدة والعبادة، فالحضارة الحالية متداخلة بشدة ولا يمكن التغاضي عن الخطاب الديني الذي يقلل من شأن معتقدات بقية الشعوب أو لا يحترمها، فتواصل الشعوب وتداخلها اليوم لم يعد من الممكن تجنبه، وإرجاع رجال الدين إلى دور عبادتهم وإيقاف تدخلهم في الشؤون العامة أصبح أمرا لا بد من إنجازه، ولا بديل عن تمتّع المرأة بحقوقها كاملة ومساواتها مع الرجل، أي يجب أن يكون الشرق الأوسط جزءا منسجما مع بقية العالم مع التخلّص من فكرة الخصوصية الإسلامية أو العربية.

الجهود التي يبذلها المحوران رغم ضخامتها لن تؤدي سوى إلى بعض التأخير في عملية التحول هذه واستنزاف الموارد الاقتصادية لهذين المحورين في سياسات غير مجدية

ورغم أن هذا الطريق طويل ولكنه انطلق ومظاهره سياسيا وثقافيا أصبحت واضحة وإن بشكل متفاوت بين بلد وآخر، فدول الخليج تسير بثبات نحو هذا الشرق الجديد، كذلك هناك شرائح واسعة من شعوب سوريا والعراق ولبنان وإيران أصبحت جاهزة أكثر من أي وقت مضى لهذا التحول بمجرد زوال هيمنة النظام الإسلامي الإيراني عليها، وهذا إلى حد ما هو الوضع الشعبي في السودان وليبيا والمغرب، ولكن في المقابل تبدو مصر وكأنها تسير في اتجاه معاكس تماما، فقد ترافق سيرها نحو الحكم الفردي مع تصاعد في خطاب الكراهية والتطرّف يتسابق في الترويج له الأزهر مع وسائل الإعلام، ولكن مسير الكثير من الدول العربية والإقليمية نحو عالم جديد قد يحرج هذا التوجه المصري وقد يدفعه لتغيير مناخ المزاودة التي تسيطر عليه حاليا.

فالشرق الأوسط القديم البائس قد انتهى مهما حاولت بعض الأطراف العربية إحياءه، فقد فشلت مشاريع محور الإسلام السياسي على أرض الواقع وتراجعت شعبيته إلى أدنى مستوى في تاريخه، من الإسلام السياسي الشيعي والكوارث التي جلبها إلى كل منطقة دخل إليها، إلى حركات الإسلام السياسي السنّي التي أصبحت معزولة وفي كثير من الأحيان مكروهة ومصدر للخوف في المجتمعات العربية، ويقتصر وجودها حاليا على بلاد اللجوء والاغتراب وهناك تتركز دعوتها على الترويج لفكرة أن الإسلام محارب في العالم.

بالإضافة إلى المحور الآخر المعادي للإسلام السياسي، والذي يحاول في حالات مختلفة دعم الديكتاتوريات وأنظمة الحكم الفردية، رغم إداركه أن هذا لن يقدم الاستقرار، وهو ما قالته مؤخرا منظمة "هيومن رايتس ووتش" حول مصر "القمع لا يقدم الاستقرار".

الجهود التي يبذلها المحوران رغم ضخامتها لن تؤدي سوى إلى بعض التأخير في عملية التحول هذه واستنزاف الموارد الاقتصادية لهذين المحورين في سياسات غير مجدية، وسيدرك الطرفان في النهاية أن الوصول إلى الشرق الأوسط الجديد هو عملية شاملة متكاملة لن تعطي النتائج المرجوة منها إذا تم إهمال أحد جوانبها، رغم أنه من المفهوم أن بعض خطواتها قد تكون تدريجية وأن يأخذ تنفيذها بعض الوقت خصوصا في المواضيع الحساسة عند بعض المجتمعات.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.