Mask-clad Jordanian policemen man a checkpoint as they enforce a COVID-19 coronavirus lockdown in the capital Amman on October…
انتشار الجريمة يفهم في سياق تداعيات الفقر والبطالة وغياب العدالة وتعمق القهر الاجتماعي

تعرض الأردنيون لصدمة مروعة حين شاهدوا فيديو لفتى صغير يستغيث مطالبا نجدته وإنقاذه، بعد أن تعرض لقطع يديه وفقأ عينيه على يد مجموعة من المجرمين.

لم أستطع مشاهدة الفيديو، ولكن صورة فتى الزرقاء "صالح" لم تغب عن ذاكرتي وظلت تؤرقني لأنها تكشف عورات مجتمعنا، وتُدلل على وجود وحوش يتدثرون برداء الإنسان بيننا.

سيطرت الجريمة التي ارتكبت بحق "صالح" على حديث الناس واستأثرت باهتمامهم، وأمر العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني بن الحسين حكومته بتوفير الرعاية الصحية للضحية، وتابع العملية التي نفذتها الأجهزة الأمنية لإلقاء القبض على مرتكبيها.

الجريمة صادمة بكل المقاييس ولا يمكن السكوت عنها، أو الوقوف مكتوفي الأيدي أمامها، غير أن الحقيقة التي لا يمكن إخفاؤها، أو غض النظر عنها أيضا أنها تأتي في ظل تنامي ظواهر العنف بالمجتمع، وتراخي أجهزة إنفاذ القانون في الملاحقة، وتعالي الأصوات التي تُحذر من تدخلات أصحاب النفوذ في التستر على من يطلق عليهم "البلطجية" أو "الزعران" أو "فارضي الإتاوات أو الخاوات"، وتوفير الدعم والغطاء القانوني والسياسي لهم والملاذات الآمنة كلما كان ذلك ضروريا.

الجريمة البشعة استخدمت كغطاء لتمرير دعوات لمعاقبة "البلطجية" خارج نطاق القانون

أمين عام وزارة الداخلية الأسبق الدكتور رائد العدوان ـ وقد عمل حاكما إداريا ـ يتهم في العلن وعبر برنامج تلفزيوني شهير وزير داخلية أسبق بإجباره على تكفيل مجرم من أصحاب الأسبقيات، وكلامه يتقاطع مع اتهامات متداولة وغير موثقة بغض النظر والسكوت عنهم، وحتى تواطؤ بعض رجال الشرطة والأمن مع البلطجية والزعران خوفا أو تجنبا للمشكلات على الأقل.

الجريمة البشعة بحق صالح استغلها مرشحون لترويج أنفسهم للانتخابات، واستخدمت كغطاء لتمرير دعوات لمعاقبة "الزعران والبلطجية" خارج نطاق القانون تحت ذريعة أن هؤلاء لا يمكن إصلاحهم، وحتى لو سجنوا فإنهم سيعودون بعد خروجهم إلى ارتكاب الجرائم؛ والأكثر جدوى وفائدة للمجتمع تصفية الحساب معهم في الشارع.

قادة الأجهزة الأمنية لم يترددوا بالدعوة للضرب بيد من حديد، وتسرب تسجيل صوتي للعميد أيمن العوايشة مساعد مدير الأمن العام للعمليات يطالب الشرطة والدرك إذا ما واجهوا أية مقاومة خلال محاولة اعتقال المطلوبين بـ "بطحهم بالشارع والدعس على رأسهم".

تجد هذه اللغة التي تتعارض مع الحقوق الدستورية قبولا عند قطاع واسع في الشارع، ولا مطالب تضع ضوابط على استخدام القوة المُفرطة وإعمال مبدأ التناسب باستخدامها، ويواجه الحقوقيون الذين يطالبون بالالتزام بسيادة القانون ومعايير حقوق الإنسان حملات تنمر وترهيب، واتهامات وشيطنه لهم.

وسط حالة التجييش ضد الخارجين عن القانون تكاد تغيب الأصوات التي تُذكر أن المادة (8) من الدستور الأردني تنص على أنه "لا يجوز القبض على أحد أو أن يوقف أو يحبس أو تقيد حريته إلا وفق أحكام القانون"، وذات المادة تنص في فقرتها الثانية على أن "كل من يقبض أو يوقف أو يحبس أو تقيد حريته تجب معاملته بما يحفظ كرامة الإنسان ولا يجوز تعذيبه بأي شكل من الأشكال أو إيذاؤه بدنيا أو معنويا".

لا نحتاج أن نعود للمعاهدات والاتفاقيات الدولية التي صادق عليها الأردن، وكل ما نحتاجه مراعاة الدستور، وتطبيق حكم القانون بدلا من الحض على الكراهية، ورفض الدعوات التي قد يُفهم منها الحث على الإعدام خارج إطار القضاء.

لا نتعاطف مع المجرمين وأصحاب الأسبقيات الذين باتوا يعرفون الكثير من المخارج القانونية التي تساعدهم على التنصل من جرائمهم أحيانا، وفي أسوأ الأحوال صدور أحكام قضائية مخففة بحقهم، وهو ما يؤكد صحة المطالبات لسد الثغرات في التشريعات.

كل ما نحتاجه تطبيق حكم القانون بدلا من الحض على الكراهية ورفض الدعوات التي تحث على الإعدام خارج القضاء

على مر السنوات وفي ظل الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية الخانقة تشكلت بيئة حاضنه لتنظيمات إجرامية هددت السلم المجتمعي، وفرضت وجودها بالقوة وإرهاب الناس، وتسترت واحتمت في بعض الأوقات بسلطة رجال أعمال، وسياسيين، ونواب، ومارست كل أشكال الجريمة بدءا من الإيذاء، مرورا بالمتاجرة بالمخدرات والدعارة، وليس انتهاءً بالابتزاز وفرض الإتاوات.

مدير البحث الجنائي السابق مروان الحياري يُجاهر على الملأ بالتأكيد أن نوابا وموظفين عموميين، ومتنفذين كانوا يراجعون الأجهزة الأمنية للوساطة للمجرمين، والأسماء والحالات موثقة، ويفضح نوابا كانوا متوكلين كمحامين للدفاع عن البلطجية الموقوفين.

كثيرة هي القصص التي راجت عن علاقة نواب ببلطجية ذاع صيتهم، ومدير شرطة الزرقاء الأسبق اللواء موفق الضمور يتحدث عن 200 شخص من أصحاب الأسبقيات الجرمية يدعمهم 30 متنفذا بين نائب ووزير سابق، والأكثر إدهاشا ومرارة ما قاله مدير الأمن الوقائي الأسبق زهدي جانبيك إن النوادي الليلية تدفع ما يُقارب 8 ملايين دينار أردني "إتاوات" للبلطجية حتى لا يتعرضوا للضرر.

قانونيون ضالعون في متابعة ومعرفة "عالم البلطجية" لا يعارضون الحملة التي أطلقها الأمن العام، ويؤيدون تشديد العقوبات، لكنهم يرون أن القضية أكثر تعقيدا، والحل لا يتحقق بتعديلات تشريعية فقط.

متنفذون يتوسطون للمجرمين ونواب يتوكلون للدفاع عن البلطجية

هؤلاء لا يشككون بصدق النوايا بالتصدي والمواجهة لظاهرة البلطجة، وينتابهم شعور أنهم فوق القانون، ويلمحون إلى فساد يساعد على بناء قوتهم ونفوذهم، وخوف الضحايا واضطرارهم لإسقاط شكاواهم حتى لا يتعرضوا للانتقام.

معدل الجريمة في الأردن في تزايد؛ ففي عام 2019 ارتفع 7.57 بالمئة عن عام 2018، حيث سجلت 26521 جريمة، 48 بالمئة سببها خلافات شخصية.

لا توجد إحصائيات مُعلنة أو دراسات منشورة موثقة عن عالم فارضي الإتاوات، والمؤكد أن أجهزة الأمن تعرفهم عن كثب، فخلال أيام قليلة استطاعت القبض على مئات منهم، حتى وإن تعددت ألقابهم وأسماؤهم الحركية التي يشتهرون بها وأصبحت محل تندر على السوشيل ميديا.

ستلجأ أجهزة إنفاذ القانون في ملاحقتها لأصحاب الاسبقيات الجرمية إلى استخدام قانون منع الجرائم المعمول به منذ العام 1954 لتوقيفهم إداريا وتمديد حبسهم، ولن تُصغي أو تستمع في ظل هذه الظروف للمطالبات المستمرة بإلغائه لتعارضه مع مبدأ فصل السلطات، ومنح الحكام الإداريين صلاحيات قضائية تمكنهم من التوقيف وحجز الحرية.

لم يكذب أحد المعلقين على السوشيل ميـديا حين نوه بأن الحكومة وأجهزتها الأمنية انشغلت بمحاربة فايروس كورونا وتغافلت عن "فيروس البلطجة" الذي اتسع وتشعب ولا يقل خطورة

العنف ليس ظاهرة طارئة في الأردن ويُشابه كثيرا من المجتمعات، وحتى لا ننسى العنف يستوطن داخل الأسرة، وليس ببعيد عنا كيف اقتلع زوج عيني زوجته، وهرس أب رأس ابنته بحجر حتى فارقت الحياة، والطبيعي أن نتعاطى مع انتشار الجريمة والعنف في سياق فهمنا لتداعيات تزايد معدلات الفقر والبطالة، وغياب العدالة، وتعمق القهر الاجتماعي، والتهميش، وطغيان الاستبداد.

8 ملايين دينار تدفعها النوادي الليلية "إتاوات" للبلطجية حتى لا يتعرضوا للضرر

طوال متابعتي للسجال الدائر عن تنامي ظاهرة البلطجة كنت أسترجع فيلم "الراقصة والسياسي"، وأستعيد الحوار الذكي والفريد بين نبيلة عبيد وصلاح قابيل عن المقاربة بينهما وأوجه الشبه والاختلاف، وجين ذكرت نبيلة عبيد المسؤول الأمني والسياسي الرفيع "صلاح قابيل" بأنهما مثل بعضهما البعض، بقولها "كل واحد بيرقص على طريقته، أنا بهز وسطي.. وانت بتلعّب لسانك وبتخطب". وتُصر على أن تُذكره حين اعتبر أن علاقة السياسي بالراقصة فضيحة بعلاقة السياسيين بتجار العملة والمخدرات.

دلالات هذا السياق أن الراقصة لا تُغفر خطاياها، فيما السياسي يسكتون عن كذبه وجرائمه، ويتزلفون له، ذات الإسقاطات قد تصلح أيضا عن العلاقة بين "البلطجي" والسياسي؛ فكليهما يوظف الآخر، ويتبادلان الخدمات والمنافع، والربيع العربي شاهد ليس ببعيد، والكاتب نجيب محفوظ جسد منذ زمن بعيد في روايته "الحرافيش" هذه العلاقة الزبائنية بين البلطجية ورجال السلطة.

معركة الحكومة وأجهزتها الأمنية مع عصابات البلطجة ينظر لها البعض على أنها حملة تشويش وتشتيت للأنظار عن الأزمات المتلاحقة، على أن لهذا الرأي أكثرية مُخالفة يُطالبون الأمن ألا تأخذهم رأفة ولا رحمة بالتعامل مع الخارجين على القانون، وصوت العقل من يعمل على وأد الظاهر الإجرامية في مهدها بتعزيز سيادة القانون على الجميع، واحترام الكرامة الإنسانية.

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.