People lay flowers at the middle school in Conflans-Sainte-Honorine, northwest of Paris, on October 20, 2020 during the 'Marche…
ورود تكريما للأستاذ الفرنسي الذي قتل على يد المراهق الشيشاني

لنا حصتنا من المسؤولية عن الجريمة التي ارتكبها المراهق الشيشاني في فرنسا، عندما أقدم على فعلته المروعة بقطع رأس مدرس فرنسي، عقابا على استعماله ورسوم "شارلي إيبدو" في درس كان يعطيه لتلامذته عن حرية التعبير. المسارعة لتقصي المسؤولية الفرنسية تنطوي على رغبة في التهرب من التفكير بمسؤولية الإسلام كنص وكتجربة تاريخية واجتماعية وسياسية، وأيضا الإسلام كمؤسسة دينية رسمية. 

فقد أشبعنا موضوع مسؤولية الثقافة الغربية عن العنف المخصب بأزمات الاندماج درسا وبحثا وتحليلا، والآن حان وقت التفكير بأنفسنا بوصفنا شركاء في الجريمة. نعم المراهق الشيشاني يعاني من أزمة اندماج، ونعم قد تكون الصدمة الغروزنية شبه الإبادية، قد تركت ندوبها في وعي الفتى على رغم أنه لم يعشها، ذاك أنه ولد وعاش في موسكو، ولم يزر الشيشان إلا مرة واحدة، وكان في حينها طفلا. لكن الإسلام طبع ختمه على الجريمة، فهي وقعت في سياق النقاش حول الرسوم التي نشرتها الصحيفة ذائعة الصيت في خصومتها لكل أشكال التقييد التي تفرضها الأديان، كل الأديان، لكن وثبة المسلمين والإسلاميين في مواجهة الصحيفة وحدها ما ترافق مع عنف وقتل وتفجيرات. وهي وثبة بدأت في بلدان المصدر، وشاركت أو تغاضت عنها دور الإفتاء "المتنورة".

الفتى الشيشاني أقدم على فعلته باسم الإسلام! باسمنا وباسم نبينا وكتابنا. تعرف على نفسه كمسلم منذ زمن ليس بعيدا، فانطوى عليها وقرر أن يقطع رأس مدرس حرية التعبير

والجريمة جرت في ظل نقاش افتتحه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي تحدث عن إرهاب إسلامي، لا بل عن أن الإرهاب الراهن هو إرهاب إسلامي. لكنه نقاش من طرف واحد، وإن ساهم فيه مثقفون مسلمون أو من أصول إسلامية! فالإسلام بمؤسساته وممثليه ما زال يمارس لعبة مراوغة وصلت إلى حد رفض مؤسسة الأزهر تكفير تنظيم إرهابي مثل "داعش"، ناهيك عن الرفض المطلق من الاقتراب من النصوص التي يتكئ عليها قَطَعة الرؤوس، وهي نصوص موجودة، وما على المسلم المنبعث اسلامه فجأة كحال المراهق الشيشاني، إلا أن يفتح الكتاب ويقرأ.

الإسلام لم يعد دين الأوطان التي انبعث منها. هو اليوم دين المهاجر أيضا، وهو والحال هذه ثقافة مضادة، ومسؤولية جعله دينا عاديا تقع على ممثليه في دول المصدر، مثلما تقع على المؤسسات السياسية والاجتماعية الغربية. التهرب من نقاش النصوص لا ينسجم مع واقع وحقيقة أننا مسؤولون عن حماية ما تبقى من جوانب ممكنة من هذه الهوية المترنحة في الدياسبورا. 

الفتى الشيشاني أقدم على فعلته باسم الإسلام! باسمنا وباسم نبينا وكتابنا. تعرف على نفسه كمسلم منذ زمن ليس بعيدا، فانطوى عليها وقرر أن يقطع رأس مدرس حرية التعبير. فرنسا مسؤولة عن الجريمة؟ هذا نقاش طويل لطالما خاضه مثقفوها وكتابها ومتخصصوها في شؤون الإسلام، ووصلوا فيه إلى نتائج وكتبا ومؤشرات. الإسلام مسؤول عن الجريمة؟ صمت ونكران وتبرير! وفي الوقت الذي وصلت فيه المسيحية كمؤسسة دينية إلى إباحة زواج المثليين، ما زلنا نحن عالقين بحرب لمنع المرأة من حقها بحضانة أطفالها، ولم تجرؤ مؤسسة إسلامية واحدة على المشاغبة على النص الذي يبلغ عمره 1400 سنة.

أما فعلة قطع الرأس، كمشهد مستعاد ومستمد من خبرات محددة، فجرى تجاوزه، إذ أننا بحسبهم أمام جريمة عادية، على رغم زلزلتها دولة كبرى، وعلى رغم تهديدها وجود ستة ملايين مسلم فرنسي

ما زال النقاش هنا، ولم يبلغ بعد نصوص التكفير والقتل والتنكيل، وهو، أي النقاش، إذ ما زال عالقا حول حقوق بديهية لبشر هذه الديانة، يعوزه قرون للتصدي لهموم المجتمعات المهاجرة في علاقتها مع المجتمعات المستقبلة، وهذا زمن كفيل بذواء الإسلام كشريك بالثقافة التي استقبلته في بلاد الإفرنج، ذاك أنه الحلقة الأضعف في هذه الحرب. وتجارب ذواء الأديان كثقافات مضادة كثيرة، لا سيما في أوروبا.

نعم، على فرنسا أن تفكر بنفسها في هذه اللحظة، فهي سبق أن أرسلت لنا متطرفين قاتلوا مع "داعش"، وأشاحت بوجهها عن معضلة الاندماج التي هي معضلتها. وفي فرنسا مكان واسع لوجهة النظر هذه، مثلما فيها مكان واسع للمهاجرين الهاربين من جور بلادهم وأنظمتهم، وفي المقابل لا أثر لأي قول يطمح لتناول مسؤوليتنا عن هذا الصدام الخطير مع العالم، بل على العكس من ذلك، فقد وجد المنطق الذي ارتكبت الجريمة في ظله من يلاقيه في منتصف الطريق، وسارعت وسائل إعلام لم تقتصر على قناة "الجزيرة" القطرية لاقتفاء أثر مشاكل الاندماج، ولاستعادة مأساة غروزني التي ادعت أن المراهق القاتل صادر منها! 

أما فعلة قطع الرأس، كمشهد مستعاد ومستمد من خبرات محددة، فجرى تجاوزه، إذ أننا بحسبهم أمام جريمة عادية، على رغم زلزلتها دولة كبرى، وعلى رغم تهديدها وجود ستة ملايين مسلم فرنسي.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.