متضامنون فرنسيون مع مدرس التاريخ صاموئيل باتي يحملون لافتات كتب عليها "الإسلام = السلام" و"المسلمون ضد الإرهاب"
متضامنون فرنسيون مع مدرس التاريخ صاموئيل باتي يحملون لافتات كتب عليها "الإسلام = السلام" و"المسلمون ضد الإرهاب"

قتل أستاذ تاريخ في مدرسة في شمالي باريس، مساء الجمعة الماضي بقطع رأسه على يد تلميذ مسلم، بعد أن عرض المعلم رسوما كاريكاتورية للنبي محمد خلال درس مقرر حول حرية التعبير.

وتم قتل منفذ الجريمة برصاص الشرطة في الموقع، وهو شاب مسلم من أصول شيشانية ولد في روسيا، وأكدت مصادر أنه صرخ "الله أكبر" وهدد بمهاجمة عناصر الأمن.

وأدان الأزهر ما حدث من الإرهابي وأكد في الوقت نفسه على دعوته الدائمة إلى نبذ خطاب الكراهية والعنف أيا كان شكله أو مصدره أو سببه، ووجوب احترام المقدسات والرموز الدينية، والابتعاد عن إثارة الكراهية بالإساءة للأديان، داعيا إلى ضرورة تبني تشريع عالمي يجرم الإساءة للأديان ورموزها المقدسة، وناشد الجميع التحلي بأخلاق وتعاليم الأديان التي تؤكد على احترام معتقدات الأخرى.

والغريب في الأمر هنا أن الأزهر لم يستطع أن يدين هذه الجريمة الشنعاء وذبح إنسان وإزهاق روحه ظلما بهذه الوسيلة البشعة دون أن يربط هذا الأمر بصورة أو بأخرى بموضوع "ازدراء الأديان" وكأن لسان حال الأزهر يحاول أن يجد بصورة مستترة تبريرا لهذه الجريمة.

والسؤال هنا لشيخ الأزهر لماذا لم يعرض فضيلته على العالم موقف القرآن الحقيقي من ازدراء الدين. فقد أوضح القرآن الكريم في محكم آياته ما يلي: "وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا" (سورة النساء آية 140). 

الآية واضحة ولا تحتاج إلى تأويل!

فإن سمع الرسول أناس يستهزئون بآيات الله أو بالدين فأقصى ما يستطيع أن يفعله تبعا للقرآن ألا يجالسهم وقت السخرية فقط ولكنه يستطيع أن يجالسهم في أي وقت آخر.

ولم يقف القرآن عند ذلك فحسب بل أكد أيضا نفس المبدأ القرآني بعدم التعرض لمن يسخرون من الدين وآياته والاكتفاء باعتزالهم فقط حينما يسخرون من الدين وآياته.

 فكما قال القرآن الكريم:" وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ" (سورة الأنعام آية 68).

والآية لا تحتاج أيضا إلى أي إيضاح فالرد على من يخوضون في آيات الله هو فقط الإعراض عنهم "حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ" كما ذكرت الآية الكريمة!

وقد يشتاط البعض غضبا بعد قراءة هذا ويقول "وهل نسكت على إهانة مقدساتنا" و "هل نترك الرسول يهان أمام أعيننا" وأين "عزة الإسلام" وهل...إلخ، من وسائل الاعتراض المبنية على الحماس الديني وليس على صحيح الدين؟

والرد على هذا ببساطة أن ما تم ذكره في الآيات السابقة هو قول الله الذي ذكره في القرآن وليس رأي كاتب المقال فإن كان القرآن لا يعجب هذا المعترض في هذا الأمر فمن حقه أن يكفر بهذه الآية ويعلن على الملأ رفضه لها بل وكفره بالقرآن كله إن أراد فالكفر حق مكفول للبشر في كتاب الله "وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ" (سورة الكهف آية 29)!

وللأسف الشديد فباسم "ازدراء الأديان" ـ وبالرغم مع تعارضه مع صريح القرآن ـ تم قتل شهيد الفكر الراحل فرج فودة وباسمه (أي ازدراء الأديان) تم التفريق بين نصر حامد أبو زيد وزوجته وباسمه تم طعن نجيب محفوظ بسكين في رقبته وباسمه تم سجن إسلام البحيري وباسمه تم ذبح الأستاذ الجامعي المذكور أعلاه في فرنسا وباسمه تم قتل وقهر الكثيرين ممن يطول الحديث عنهم!

وأعجب ما في الأمر أنه كلما تم تنفيذ حكم "الغوغاء" بدلا من حكم القرآن المذكور أعلاه في موضوع "ازدراء الإسلام" كلما تم زيادة الكراهية للمسلمين واحتقار الإسلام ونعته بأبشع الصفات! فشبكات الإنترنت فائق السرعة وشبكات التواصل الاجتماعي لم تترك الفرصة لهذه الجرائم لتتم في صمت بل جعلتها حديثا عالميا يزيد الهجوم على الدين ويزيد من نسبة من يتركوه سواء بالتحول لأديان أخرى أو بالإلحاد.

وباختصار فإن قانون "ازدراء الأديان" هو تحدي واضح وصارخ لصريح القرآن وهو نصر للغوغائية وآراء البشر على ما قاله القرآن الكريم في محكم آياته وهو قانون تسبب في زيادة عدد من يزدرون الدين الإسلامي حول العالم ونعته بأنه ديانة ضعيفة تضطر إلى استخدام العنف مع من ينقضها لعجزها عن الرد بالحجة والمنطق والبرهان!

وللحديث بقية!

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.