الكاظمي أدلى بتصريحاته بعد اجتماع مع جونسون في لندن
الواضح إيجابيا أن السلطة والحُكم لم يغيرا في طبائع الكاظمي

"أنا على حبل مُعلق بين بنايات كبار، لست مضطرا للمشي على الحبل فقط وإنما لركوب دراجة على الحبل، أرقص كل يوم مع الأفاعي لكنني أبحث عن مزمار أستطيع من خلاله التحكم بالأفاعي، فالصبر أفضل من الدخول في فوضى دموية وحرب أهلية، ألف سنة من الحوار أفضل من لحظة تبادل لإطلاق النار". هذا التصريح لرئيس الوزراء العراقي الكاظمي عبر الغارديان البريطانية في ختام جولته لمثلث القرار الأوروبي (فرنسا، ألمانيا بريطانيا)، لكن يبقى للعاصمة البريطانية لندن عند الساسة العراقيين معنى خاص.

بالرغم من النفوذ والحضور الأميركي الهائل في العراق منذ 2003 بعد قرار جورج بوش تغيير الثوابت السياسية التي فرضتها بريطانيا على منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي ما بين الحربين العالميتين، وعملها مع فرنسا على تحويل الولايات العثمانية إلى دول مستقلة، حيث كان العراق الحديث بحدوده الحالية أحد أبرز نتائجها سنة 1921، لا يزال الوعي الجماعي للنخبة العراقية يعتبر أن بريطانيا هي الدولة الاستعمارية الوحيدة التي تعرف معنى العراق وتركيبته الاجتماعية والثقافية والدينية العشائرية والإثنية.

أثبتت التجربة أن الرقص مع سياسيين يتصرفون كالأفاعي لا يمكن أن تخرج منها إلا مصابا بلدغة

لعل الكاظمي في حديثه للغارديان أراد لفت انتباه الإنكليز إلى معاناة من يكون على رأس الدولة من تلك القبائل والجماعات والحواضر التي روضتها بريطانيا عندما أعلنت انتدابها وفرضت عليها الانضمام إلى الكيان الجديد، إلا أن كلام الكاظمي يوحي أن تلك القبائل والجماعات والإثنيات قد تحولت إلى عشائر متصارعة وأحزاب دينية ومجاميع مسلحة وحواضر شبه مستقلة وقبائل متنازعة جهويا وعقائديا، وأصبحت كالأفاعي تحتاج إلى حاو صبور في ترويضها.

تعود سياسيا مقولة الرقص مع الأفاعي إلى الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح، ففي حوار أجراه الصحفي اللبناني خيرالله خيرالله على هامش حفل توقيع كتابه "حرائق اليمن ـ من انهيار دولة الجنوب إلى انهيار الدولة" عن علاقته الشخصية والطويلة مع الرئيس صالح أنه سأله مرة كيف ستحكم اليمن بعد أحداث 1994، فأجاب صالح "سوف أرقص فوق رؤوس الأفاعي"، لكن خيرالله يختم كلامه بالقول إنه على الرغم "من حرص علي عبدالله صالح في النهاية وجدت أفعى تلدغه"، والأزمة أن هذه الأفاعي التي اعتقد صالح أنه استطاع ترويضها، جاءت من الجحر نفسه الذي جاءت منه الأفاعي التي يحاول الكاظمي إما ترويضها أو الرقص معها.

الواضح إيجابيا أن السلطة والحُكم لم يغيرا في طبائع الكاظمي، وهو لم يزل متمسكا في وسطيته واعتداله، لذلك يقول إنه يبحث عن مزمار يساعده على التحكم بهذه الأفاعي، وكان الكاظمي اشتكى في لندن أن ظروف العراق وضغوط الأصدقاء والأعداء تحوّل السياسي إلى حاو مهدد دائما بلدغ الأفاعي القاتلة.

أثبتت التجربة أن الرقص مع سياسيين يتصرفون كالأفاعي لا يمكن أن تخرج منها إلا مصابا بلدغة، وهذا ما جرى مع أغلبهم، ومن أشهرهم شيخ الحواة في صعيد مصر ستينيات القرن الماضي، المعروف بموسى الحاوي وكما كاد أن يحدث مع بطل رواية "الأفعى الزرقاء" للأديب المغربي الطاهر بن جلون. فالحاوي في رواية بن جلون كان يراقص الأفاعي أمام السُّياح، كما يحاول الكاظمي مراقصة السياسيين في العراق، لكن بطل رواية بن جلون كاد أن يفقد اليقين ويموت من لدغتها لأن أفاعيه لا تستجيب لموسيقاه.

طموحات الشعب العراقي تنحصر بولادة الدولة فقط

طبيّا هناك جدل بين العلماء حول نظام السمع لدى الأفاعي والثعابين، ويجمعون أنه يختلف تماما عن البشر والحيوانات الأخرى التي لديها أذان، لذلك لا تعتمد الأفاعي في سمعها على الطريقة التي تعتمدها غيرها من الزواحف بل تستعين بالحواس الأخرى، هذه الحواس التي لا تسمع المزمار أو لا تريد سماعه، فإن حواسها الأخرى قد تشعر بالألم من ضربة العصا مثلا، وهذا ما تؤكده الميثولوجيا الهندية "الغانا" بأحد أمثالها بأن "بالرغم من صغر حجم الثعبان فلا يزال من الحكمة ضربه بعصا كبيرة".

يقول الهنود إن الأفاعي تحوّل الحليب إلى سُّم، وهذه الأفاعي حوّلت حليب وتمر وماء ونفط وهواء العراق إلى سموم، وهي ومنذ الأول من تشرين (أكتوبر) خرجت للدفاع عن جحورها في الدولة، ولن تترد في لدغ من يفكر في اصطيادها وترويضها أو قراءة تعويذة عليها، فالعازف على المزمار يتوقف عادة لالتقاط أنفاسه، لكن الأفعى تبقى مهتابة للنيل منه عندما تسنح لها الفرصة.

لم يمرّ الكاظمي بتجربة يسارية أو شيوعية، لكن لديه أصدقاء مخلصين مروا بهذه التجربة، وعلى الأغلب قرأوا كثيرا عن نظرة كارل ماركس عن نشأة التاريخ وخصوصا قوله بأن "العنف قابلة التاريخ فمن رحمه تولد الإمبراطوريات"، أما طموحات الشعب العراقي تنحصر بولادة الدولة فقط، وهذا الشعب الذي أرهقته الانقلابات والحروب والعنف يرغب بعصا غليظة تضعها إلى جانبك وأنت تعزف على المزمار، لكن يا صديقي على من تعزف مزاميرك.

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.